قطع على حبل أفكاري ذات يوم وأنا طالب في الثانوية صخب أحدثه نفر من زملائي الطلاب ولقد رأيتهم يومها يترا كضون ويتصايحون ويقفون في أمكنة معينة وينتظمون في شبه حلقة ثم يتفرقون بعدها ليعيدوا تكوين حلقتهم في مكان آخر فلما أردت ان أشبع فضولي وأقف على جلية الأمر رحت أتتبع حركاتهم والأحقهم بنظراتي حتى إذا اصطدمت بقامة زميلنا الأستاذ رمزي بين الحشد تهالكت على مقعدي وأحسست بوخزات الاستفسار والاستفهام تترا كض وتهرب موغلة في الابتعاد عني
ما هذه الدور يا استاذ رمزى من أين جئت لنا بكل هذا في هذا الصباح أى وحي اصطفاك في ليلتك السابقة كلمات معهودة وأصوات مألوفة اعتدت أن أسمعها
في كل حلقة يتوسطها الأستاذ رمزي وفي يده ورقته المعهودة وقد كان الأستاذ رمزي هذا كما اعتاد أن يناديه بعض الخبثاء زميلنا في المدرسة وقد أصفه لك فأقول إنه شاب غريب الأطوار تقف على ذلك أول وهلة من هيئته الزرية وعظام وجنتيه البارزة وعينيه الغائرتين وشعره الاشسث الذي استحكمت بينه وبين الشط عداوة قديمة تمتد أصولها إلي سنين
دخل إلي الغرفة وسحبني من يدي فجمعت كتبي وسرت خلفه ولقد شاءت المصادفات أن يسكن الأستاذ رمزي غرفة مجاورة لغرفتي فتأصلت بيننا من جراء ذلك صداقة زعم لكل من صادفه انها متينة إلى أبعد حد وأنه لا يحسب أن هناك صداقة أخرى في العالم تستطيع أن تجاري صداقتنا في الصلابة وقوة الوشائج
كان لصاحبنا ولع كبير بالكتابة ولكن الحظ أو أي شئ آخر لم يكن ليسعفه في محاولاته فكان جل
نتاجه ضعيفا تنهشه الركاكة وقد تحسبه في أكثر الأحايين مدادا مرسوما خطته أنامل طفل ولكنه لم يكن ايشمر بذلك بل كان على العكس يحس بأنه لا يكتب إلا الجيد الذي يناجز الفهاهة ويشاكس الضعف ويماشي الحبكة وكنت أقف على شعوره هذا من حركاته ونبرات صوته وملاحه عندما كان يلقي علي ما يكتب ولم يقصر الأستاذ رمزي صداقته على بل خصها أيضا ببواب المنزل الذي كنت أسكن إحدي غرفه ويقطن الأستاذ رمزي الغرفة المجاورة لها ولكم أكثر صاحبنا من مجالسة الحاج رسول بواب المنزل ولكن بعثر أمامه من أحاديثه وقرأ له من كتاباته وحدثه عن عبقريته التي جشمت الناس مشقة فهمها حتى استطاع أخيرا وبعد جهد جهيد ان ينتزع لقب أستاذ من فم الحاج رسول بدوره
مرت الأيام وكأن القدر أراد أن يصنع لهذه الصورة الطريقة إطارا ينقصها فكرس مشيئته لذلك فكان ان نزلت بالمنزل فنانة تعمل في أحد المراقص هي وزوجها الذي يساعدها في عملها
ولم يشأ الأستاذ رمزي أن يترك هذا الصيد السمين يفلت من يديه وبعد محاولات وشتها المذلة وكساها الخنوع من كل صوب استطاع صاحبنا أن يزور الفنانة وزوجها في غرفتهما ويعيد عليهما حديثه المعتاد عن فنه قصصه مقالاته أشعاره ومسرحياته وكان أن ردت له الفنانة الزيارة فزاد ذلك من هول المصيبة وجن جنون صاحبنا وتضاعفت ثقته بنفسه وبإنتاجه السمين
وكرت الأيام وصاحبنا على عهده يوسع المجال لضيوفه الجدد للتعرف على شخصيته معرفة صادقة ويسقط البرافع المتبقية التي كانت تجذب للفنانة وزوجها بعض الشك في أمر هذا المخلوق الفريد أجل تعرف الضيفان إلي صاحبنا وعقليته معرفة صادقة فعادت معاملتهما له وكلامهما معه لا يختلفان عن معاملة زملائه الطلاب
إطراء في غير محله كلمات معسولة ملفقة تشجيع لغير أهله ومن وراء كل ذلك ابتسامات في الخفاء بين الفنانة وزوجها
وفي احد الأيام جاءني الاستاذ رمزي بقصاصات من الورق قد حشاها هذيانه المعتاد وأسماها مسرحية أرواح حبيسة وأخبرني في حينه بأنه سيعرضها على زوج الفنانة لتقوم فرقته بتمثيلها على مسرح الرقص الفلانى وكان وهو يكلمني شديد الحذر بادي الحيطة يتطلع يمنة ويسرة كأنه يطلع قريبا له على سر خطير ولم أقل له يومها شيئا فما كان لقولي مقام وجاءني في اليوم التالي وأخبرني بأنه قد نفذ عزمه السابق وعرض مسرحيته على زوج الفنانة فلقي منه تشجيعا ورحب بفكرته ووعده خيرا وما انتهى صاحبنا من كلامه حتى لمحته ينهض من مقعده ويذرع الغرفة جيئة وذهاباً ولمحت على ملامحه أمارات الحيرة وأخذ وجهه يبدو في كل لحظة بلون فأحست بأنه يعاني اضطرابا داخليا وصراعا نفسيا مؤلما وسرعان ما تكلم وكشف لي عن دخيلته وباح لي بسره قال إنه بدأ يشك في أمانة زوج الفنانة وإنه أخذ يغار منذ الساعة على جوهرته التي سلمها إياه بلا تحفظ ولا احتياط وذكر أن شكوكه تقوي وتتعاظم كلما تذكر تلك النظرات المريبة التي كان يتبادلها الزوجان عندما قدم لهما مسرحيته ثم تلك الضحكة الخبيثة التي شيعه بها زوج الفنانة لا شك أنها ضحكة الانتصار
وأخذت الهواجس تشيع في نفس صاحبنا وتورته ألما كبيرا وحاولت في وقته أن أرده عن اعتقاده وأبعده عن مثل هذه الظنون ولكنه لم يأبه بأقوالي وظل ساهما فترة من الوقت ثم تركني وانصرف
وعندما أرخي الليل سدوله أحسب أن طائفا ألم بصاحبنا فلم يقو علي إبعاده فنهض من فراشه وخرج من غرفته متوجها صوب غرفة الفنانة وهو يسير على أطراف أصابعه وقد عقد النية على انتزاع مسرحيته من ذلك الناصب بأية
صورة كانت وفتح الباب وداف إلى الداخل بحذر وتحسس المكان بيده حتى انتهى إلى المنضدة التي وضعت فوقها مسرحيته التالية فتلمسها حتى اصطدمت أنامله بأوراقها فسحبها برفق وقفل راجعا وقبل أن يبلغ الباب اصطدمت قدمه اليمين باناء خزفي فسقط على الأرض وانكسر فأحدث ذلك صوتا أيقظ زوج الفنانة من نومه مذعورا فلما وقع بصره على شبح في الغرفة أخذ يصيح حرامي حرامي
ولم يقو صاحبا على احتباس رعدة الخوف في جوارحه فانطلق هاربا وهو يصيح كالخيول إنها لى إنها ملكي لا أن أسلمها إليه لن أتركه يدعيها لنفسه إنها لى
وانتبهت في تلك اللحظة من نومي وقمت مسرعا وفتحت باب الغرفة وأردت أن أستوقفه ولكنه كان قد جاوز غرفتي بل غرفته أيضا ورأيته يتابع خطواته إلي
الشرفة المقابلة ولم يكن ليدور في خلد المسكين أن صاحب المنزل قد تركها من غير حاجز قهوي على أكداس من الطوب قد جلبها العمال قبل يوم لإصلاح جانب من جدار المنزل وتداخلت عظام صدره في بعضها فأحس المسكين بألم هائل وأراد أن يتحرك فتدخرج وسقط من مكانه على الأرض وأخذ الدم يسيل من وسطه بغزارة وكان صوت سقوطه قد جلب انتباه سكان الحي فاجتمعوا عليه والوجوم يطفي على وجوههم وفي تلك الأثناء شق سكون الجمع صوت متهدج يصيح الأستاذ رمزي الأستاذ رمزي ولم يكن صاحب ذلك الصوت غير الحاج رسول بواب المنزل وعلي ضوء المصباح الكهربائي الخافت لمح الناس أصابع الفني وقد تصلبت حول بضع قصاصات من الورق يجمعها غلاف باهت اللون كتب عليه مسرحية أرواح حبيسة

