الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 408الرجوع إلى "الثقافة"

الأستاذ رمزى!

Share

قطع على حبل أفكاري ذات يوم وأنا طالب في الثانوية صخب أحدثه نفر من زملائي الطلاب ولقد رأيتهم يومها يترا كضون ويتصايحون ويقفون في أمكنة معينة وينتظمون في شبه حلقة ثم يتفرقون بعدها ليعيدوا تكوين حلقتهم في مكان آخر فلما أردت ان أشبع فضولي وأقف على جلية الأمر رحت أتتبع حركاتهم والأحقهم بنظراتي حتى إذا اصطدمت بقامة زميلنا الأستاذ رمزي بين الحشد تهالكت على مقعدي وأحسست بوخزات الاستفسار والاستفهام تترا كض وتهرب موغلة في الابتعاد عني

ما هذه الدور يا استاذ رمزى من أين جئت لنا بكل هذا في هذا الصباح   أى وحي اصطفاك في ليلتك السابقة كلمات معهودة وأصوات مألوفة اعتدت أن أسمعها

في كل حلقة يتوسطها الأستاذ رمزي وفي يده ورقته المعهودة وقد كان الأستاذ رمزي هذا كما اعتاد أن يناديه بعض الخبثاء زميلنا في المدرسة وقد أصفه لك فأقول إنه شاب غريب الأطوار تقف على ذلك أول وهلة من هيئته الزرية وعظام وجنتيه البارزة وعينيه الغائرتين وشعره الاشسث الذي استحكمت بينه وبين الشط عداوة قديمة تمتد أصولها إلي سنين

دخل إلي الغرفة وسحبني من يدي فجمعت كتبي وسرت خلفه ولقد شاءت المصادفات أن يسكن الأستاذ رمزي غرفة مجاورة لغرفتي فتأصلت بيننا من جراء ذلك صداقة زعم لكل من صادفه انها متينة إلى أبعد حد وأنه لا يحسب أن هناك صداقة أخرى في العالم تستطيع أن تجاري صداقتنا في الصلابة وقوة الوشائج

كان لصاحبنا ولع كبير بالكتابة ولكن الحظ أو أي شئ آخر لم يكن ليسعفه في محاولاته فكان جل

نتاجه ضعيفا تنهشه الركاكة وقد تحسبه في أكثر الأحايين مدادا مرسوما خطته أنامل طفل ولكنه لم يكن ايشمر بذلك بل كان على العكس يحس بأنه لا يكتب إلا الجيد الذي يناجز الفهاهة ويشاكس الضعف ويماشي الحبكة وكنت أقف على شعوره هذا من حركاته ونبرات صوته وملاحه عندما كان يلقي علي ما يكتب ولم يقصر الأستاذ رمزي صداقته على بل خصها أيضا ببواب المنزل الذي كنت أسكن إحدي غرفه ويقطن الأستاذ رمزي الغرفة المجاورة لها ولكم أكثر صاحبنا من مجالسة الحاج رسول بواب المنزل ولكن بعثر أمامه من أحاديثه وقرأ له من كتاباته وحدثه عن عبقريته التي جشمت الناس مشقة فهمها حتى استطاع أخيرا وبعد جهد جهيد ان ينتزع لقب أستاذ من فم الحاج رسول بدوره

مرت الأيام وكأن القدر أراد أن يصنع لهذه الصورة الطريقة إطارا ينقصها فكرس مشيئته لذلك فكان ان نزلت بالمنزل فنانة تعمل في أحد المراقص هي وزوجها الذي يساعدها في عملها

ولم يشأ الأستاذ رمزي أن يترك هذا الصيد السمين يفلت من يديه وبعد محاولات وشتها المذلة وكساها الخنوع من كل صوب استطاع صاحبنا أن يزور الفنانة وزوجها في غرفتهما ويعيد عليهما حديثه المعتاد عن فنه قصصه مقالاته أشعاره ومسرحياته وكان أن ردت له الفنانة الزيارة فزاد ذلك من هول المصيبة وجن جنون صاحبنا وتضاعفت ثقته بنفسه وبإنتاجه السمين

وكرت الأيام وصاحبنا على عهده يوسع المجال لضيوفه الجدد للتعرف على شخصيته معرفة صادقة ويسقط البرافع المتبقية التي كانت تجذب للفنانة وزوجها بعض الشك في أمر هذا المخلوق الفريد أجل تعرف الضيفان إلي صاحبنا وعقليته معرفة صادقة فعادت معاملتهما له وكلامهما معه لا يختلفان عن معاملة زملائه الطلاب

إطراء في غير محله كلمات معسولة ملفقة تشجيع لغير أهله ومن وراء كل ذلك ابتسامات في الخفاء بين الفنانة وزوجها

وفي احد الأيام جاءني الاستاذ رمزي بقصاصات من الورق قد حشاها هذيانه المعتاد وأسماها مسرحية أرواح حبيسة وأخبرني في حينه بأنه سيعرضها على زوج الفنانة لتقوم فرقته بتمثيلها على مسرح الرقص الفلانى وكان وهو يكلمني شديد الحذر بادي الحيطة يتطلع يمنة ويسرة كأنه يطلع قريبا له على سر خطير ولم أقل له يومها شيئا فما كان لقولي مقام وجاءني في اليوم التالي وأخبرني بأنه قد نفذ عزمه السابق وعرض مسرحيته على زوج الفنانة فلقي منه تشجيعا ورحب بفكرته ووعده خيرا وما انتهى صاحبنا من كلامه حتى لمحته ينهض من مقعده ويذرع الغرفة جيئة وذهاباً ولمحت على ملامحه أمارات الحيرة وأخذ وجهه يبدو في كل لحظة بلون فأحست بأنه يعاني اضطرابا داخليا وصراعا نفسيا مؤلما وسرعان ما تكلم وكشف لي عن دخيلته وباح لي بسره قال إنه بدأ يشك في أمانة زوج الفنانة وإنه أخذ يغار منذ الساعة على جوهرته التي سلمها إياه بلا تحفظ ولا احتياط وذكر أن شكوكه تقوي وتتعاظم كلما تذكر تلك النظرات المريبة التي كان يتبادلها الزوجان عندما قدم لهما مسرحيته ثم تلك الضحكة الخبيثة التي شيعه بها زوج الفنانة لا شك أنها ضحكة الانتصار

وأخذت الهواجس تشيع في نفس صاحبنا وتورته ألما كبيرا وحاولت في وقته أن أرده عن اعتقاده وأبعده عن مثل هذه الظنون ولكنه لم  يأبه بأقوالي وظل ساهما فترة من الوقت ثم تركني وانصرف

وعندما أرخي الليل سدوله أحسب أن طائفا ألم بصاحبنا فلم يقو علي إبعاده فنهض من فراشه وخرج من غرفته متوجها صوب غرفة الفنانة وهو يسير على أطراف أصابعه وقد عقد النية على انتزاع مسرحيته من ذلك الناصب بأية

صورة كانت وفتح الباب وداف إلى الداخل بحذر وتحسس المكان بيده حتى انتهى إلى المنضدة التي وضعت فوقها مسرحيته التالية فتلمسها حتى اصطدمت أنامله بأوراقها فسحبها برفق وقفل راجعا وقبل أن يبلغ الباب اصطدمت قدمه اليمين باناء خزفي فسقط على الأرض وانكسر فأحدث ذلك صوتا أيقظ زوج الفنانة من نومه مذعورا فلما وقع بصره على شبح في الغرفة أخذ يصيح حرامي حرامي

ولم يقو صاحبا على احتباس رعدة الخوف في جوارحه فانطلق هاربا وهو يصيح كالخيول إنها لى إنها ملكي لا أن أسلمها إليه لن أتركه يدعيها لنفسه إنها لى

وانتبهت في تلك اللحظة من نومي وقمت مسرعا  وفتحت باب الغرفة وأردت أن أستوقفه ولكنه كان قد جاوز غرفتي بل غرفته أيضا ورأيته يتابع خطواته إلي

الشرفة المقابلة ولم يكن ليدور في خلد المسكين أن صاحب المنزل قد تركها من غير حاجز قهوي على أكداس من الطوب قد جلبها العمال قبل يوم لإصلاح جانب من جدار المنزل وتداخلت عظام صدره في بعضها فأحس المسكين بألم هائل وأراد أن يتحرك فتدخرج وسقط من مكانه على الأرض وأخذ الدم يسيل من وسطه بغزارة وكان صوت سقوطه قد جلب انتباه سكان الحي فاجتمعوا عليه والوجوم يطفي على وجوههم وفي تلك الأثناء شق سكون الجمع صوت متهدج يصيح الأستاذ رمزي الأستاذ رمزي ولم يكن صاحب ذلك الصوت غير الحاج رسول بواب المنزل وعلي ضوء المصباح الكهربائي الخافت لمح الناس أصابع الفني وقد تصلبت حول بضع قصاصات من الورق يجمعها غلاف باهت اللون كتب عليه مسرحية أرواح حبيسة

اشترك في نشرتنا البريدية