الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 381الرجوع إلى "الثقافة"

الأستاذ رينولدنيكولسن

Share

وردت الأنباء قبل بضعة أسابيع بوفاة العلامة الجليل الأستاذ رينولد ألن نيكولسن (Prof.R.A.Nichaldon) استاذ الدراسات الشرقية بجامعة كمبردج بإنجلتره ؟ فشق نعيه على عارفي فضله في عالم الاستشراق . وكان الخطب في موته أليما في نفوس أصدقائه وزملائه وتلاميذه . عرفت الأستاذ نيكولسن أول ما عرفته ، سنة ألف وتسعمائة وأربع وعشرين عند ما كان مدرسا للغة الفارسية بكمبردج في نفس الوقت الذي عرفت فيه أستاذه العلامة إدوارد ج . يراون (Prof.E.O.Brown) فلمست في الرجلين سمات العبقرية والعظمة العقلية والروحية على اختلاف ما كان بينهما - رحمهما الله - من تباين يكاد يكون تاما في الشخصية والمزاج . هذا براون ، أحد أساطين كمبريدج الذين يشار إليهم بالبنان ، قد ملأ اسمة الأسماع وطبق ذكره الآفاق وعرفه الناس في كل مكان في العالم العربي والفارسي ، يلعب دوره السياسي كاملا في عالم التأليف الشرق وإيران خاصة ، كما يقوم بدوره كاملا في عالم التأليف والتصنيف . قد جعل بيته في خارج كمبردج منتدي للعلماء والأدباء من شرقيين وغربيين على تباين ما كان بينهم من لغات وأزياء وعادات ، حتى ليهبط الشرقي إلي كمبردج ، وأول اسم ينطق به لسانه هو اسم براون

وذاك نيكولسن يعيش للعلم وحده ، ولا يعرفه إلا العلماء . يفر من الناس فرارا ومن الحياة الاجتماعية الصاخبة ، ويتهيب الوقوف إلي الناس ولو في محاضرة علمية عامة ؛ يأنس بالهدوء والوحدة ويقضي بياض نهاره وجزءا من سواد ليله بين تلاميذه وكتبه . يغلب عليه الحياء والخجل . وتنطوي نفسه على نفسه ، حتى لكأنما يريد أن يخفيها عن أعين محدثيه

وازدادت صلتى ومعرفتي بالاستاذ نيكولسن منذ سنة

١٩٢٧ . بعد ما أصبح أستاذا للغة العربية بكمبردج خلفا لأستاذه براون . وأصبحت أنا من تلاميذه في دراسة التصوف ومن مساعديه في قسم الدراسات الشرقية .

وكانت دراستي للتصوف تحت إشرافه ، النافذة التي أطللت منها على قلب هذا الأستاذ العظيم ونفسه وعقله ، فانني عرفت ان وراء شخص نيكولسن الخجول الحيي المتواضع ، والمتواضع إلى حد الضعف تقريبا ، شخصية فيها من القوة العلمية والقوة الروحية العالية ما يجعله في الصف الأول ، لا بين دارسي التصوف من الإنجليز فحسب ، بل بين دارسيه من علماء العالم .

وليس المقام هنا مقام تفصيل للآثار العلمية الكثيرة التي خلفها الأستاذ نيكولسن . وحسبنا أن ننظر نظرة عاجلة إلى هذا التراث ، وان نقف وقفة قصيرة نشير فيها إلي بعض صفاته ومزاياه .

انفرد الفقيد من بين مستشرقي بلاده بتوجيه نظره إلي الحياة الروحية الإسلامية في أخص وأبرز مظاهرها . ووجد ذلك في التصوف الإسلامي . ولذلك كرس حياته الطويلة - أو بضعا وخمسين سنة منها - في دراسة التصوف في مصادره الاولى عربية كانت ام فارسية ، ومعرفة العوامل التي ساعدت على نشأة التصوف في الإسلام وعلى نموه .

وقد كان نيكولسن في مزاجه العقلي والخلقي وتصويره الشعري صوفيا بالفطرة ، ولا شك عندي في أنه شاطر الصوفية اذواقهم ومواجيدهم ، وإن لم يحي معهم في زواياهم وربطهم . ولذا استطاع - كما استطاع زميله الفرنسي العلامة لويس ماسيتون الذي يشاركه في جميع هذه الصفات - استطاع أن يسير غورا في الحياة الروحية في الإسلام لم تصل إليه أفهام المستشرقين من قبل ، وان يدرك أسرارا في التصوف الإسلامي خفيت عليهم ، وان يوجه دراسة التصوف وجهة جديدة ويقيمها على أسس علمية تتوافر فيها كل مزايا منهج البحث العلمى .

على أن نيكولسن قد انفرد عن غيره من المستشرفين المشتغلين بالتصوف بمن فيهم ماسيتون ، بموهبة اخرى نادرة قد لا نجد لها أثرا إلا في استاذه براون : وهي مقدرته على نقل الشعر العربي والفارسي إلى شعر أوربى نقلا تخفى معه كل معالم الترجمة ، ويظهر لك فيه الناقل متقمصا شخصية المنقول عنه مع المحافظة التامة على روح الأصل المنقول ومعناه . فهو شاعر مطبوع وفنان بارع ومصور مبتدع ومترجم عن لسان أحوال الصوفية وأذواقهم ولمحاتهم وإشراقاتهم قبل أن يكون عالما وباحثا في التصوف .

استغل نيكولسن هذه الموهبة النادرة فيما نقله إلي الإنجلزية من درر الشعر الفارسي الصوف ، لاسيما كتاب المثنوي لجلال الدين الرومي ، وفيما نقله من الشعر العربي الصوفي ، لاسيما ترجمان الاشواق لابن عربي وبعض القصائد الصوفية الخاصة لابن الفارض ، فأضاف بهذه الطريقة إلى لغته من نفائس الشعر الصوف الإسلامي ثروة روحية ولغوية خالدة سيعرفها له الناطقون بالإنجليزية في كل مكان وسيعرفها له التاريخ .

وما إن اشتغل نيكولسن بالتصوف حتى ادرك استحالة وضع تاريخ له قبل ان تعد مصادره الأولى إعدادا علميا دقيقا ، فيطبع منها ما لم يطبع ، وينشر منها ما لم ينشر نشرات علمية محققة . وقام نيكولسن نفسه بهذه المهمة الدقيقة الشاقة ، فأعد عددا غير قليل من أمهات كتب التصوف القديمة ونشرها بلغتها العربية او الفارسية ، وترجم بعضا منها إلى الإنجليزية مذيلة بالتعليقات والتحقيقات التي تشهد له بالدقة والصبر . ولم يقف عند هذا الحد ، بل بث هذه الروح نفسها في تلاميذه الذين أصبحوا يكونون مدرسة يصح ان نطلق عليها مدرسة نيكولسن ، في انجلترة نفسها وفي الهند ومصر وغيرها . فقاموا ولا يزالون يقومون تمثل ما قام به أستاذهم في هذا الميدان .

وفي أثناء هذا المجهود الضني الطويل - مجهود النشر

والترجمة - كانت تفيض المجلات العلمية ودوائر المعارف الكبرى بمقالات الاستاذ وبحوثه في التصوف ، وكل منها درة من درر العقد العلمي الذي خلفه ، وحجة من الطراز الأول لعالم ثبت مدرك للغاية العظمي التي أخذ نفسه بالاضطلاع بها ، موف لها بكل حقوقها

كان آخر ما رأيت الأستاذ نيكولسن سنة ١٩٣٨ وهي السنة التي منح فيها الرصيعة الذهبية التي يمنحها عادة كبار الكتاب والمؤلفين من الإنجليز فذهبت لأهنئه ، فقبل تهنئتي وعلى شفتيه ابتسامته المتواضعة المألوفة ، ولكنه سكت هنيهة ثم قال : ولكني ارجو أن يمد الله في أجلي حتى أتم كتاب المثنوي .

رحم الله نيكولسن ! لئن فارقنا اليوم ، فقد خلف فينا ما سيحي ذكراء إلى الأبد في نفوسنا ونفوس الأجيال المقبلة من بعدنا . ( عن المستمع العربي )

اشترك في نشرتنا البريدية