وردت الأنباء قبل بضعة أسابيع بوفاة العلامة الجليل الأستاذ رينولد ألن نيكولسن (Prof.R.A.Nichaldon) استاذ الدراسات الشرقية بجامعة كمبردج بإنجلتره ؟ فشق نعيه على عارفي فضله في عالم الاستشراق . وكان الخطب في موته أليما في نفوس أصدقائه وزملائه وتلاميذه . عرفت الأستاذ نيكولسن أول ما عرفته ، سنة ألف وتسعمائة وأربع وعشرين عند ما كان مدرسا للغة الفارسية بكمبردج في نفس الوقت الذي عرفت فيه أستاذه العلامة إدوارد ج . يراون (Prof.E.O.Brown) فلمست في الرجلين سمات العبقرية والعظمة العقلية والروحية على اختلاف ما كان بينهما - رحمهما الله - من تباين يكاد يكون تاما في الشخصية والمزاج . هذا براون ، أحد أساطين كمبريدج الذين يشار إليهم بالبنان ، قد ملأ اسمة الأسماع وطبق ذكره الآفاق وعرفه الناس في كل مكان في العالم العربي والفارسي ، يلعب دوره السياسي كاملا في عالم التأليف الشرق وإيران خاصة ، كما يقوم بدوره كاملا في عالم التأليف والتصنيف . قد جعل بيته في خارج كمبردج منتدي للعلماء والأدباء من شرقيين وغربيين على تباين ما كان بينهم من لغات وأزياء وعادات ، حتى ليهبط الشرقي إلي كمبردج ، وأول اسم ينطق به لسانه هو اسم براون
وذاك نيكولسن يعيش للعلم وحده ، ولا يعرفه إلا العلماء . يفر من الناس فرارا ومن الحياة الاجتماعية الصاخبة ، ويتهيب الوقوف إلي الناس ولو في محاضرة علمية عامة ؛ يأنس بالهدوء والوحدة ويقضي بياض نهاره وجزءا من سواد ليله بين تلاميذه وكتبه . يغلب عليه الحياء والخجل . وتنطوي نفسه على نفسه ، حتى لكأنما يريد أن يخفيها عن أعين محدثيه
وازدادت صلتى ومعرفتي بالاستاذ نيكولسن منذ سنة
١٩٢٧ . بعد ما أصبح أستاذا للغة العربية بكمبردج خلفا لأستاذه براون . وأصبحت أنا من تلاميذه في دراسة التصوف ومن مساعديه في قسم الدراسات الشرقية .
وكانت دراستي للتصوف تحت إشرافه ، النافذة التي أطللت منها على قلب هذا الأستاذ العظيم ونفسه وعقله ، فانني عرفت ان وراء شخص نيكولسن الخجول الحيي المتواضع ، والمتواضع إلى حد الضعف تقريبا ، شخصية فيها من القوة العلمية والقوة الروحية العالية ما يجعله في الصف الأول ، لا بين دارسي التصوف من الإنجليز فحسب ، بل بين دارسيه من علماء العالم .
وليس المقام هنا مقام تفصيل للآثار العلمية الكثيرة التي خلفها الأستاذ نيكولسن . وحسبنا أن ننظر نظرة عاجلة إلى هذا التراث ، وان نقف وقفة قصيرة نشير فيها إلي بعض صفاته ومزاياه .
انفرد الفقيد من بين مستشرقي بلاده بتوجيه نظره إلي الحياة الروحية الإسلامية في أخص وأبرز مظاهرها . ووجد ذلك في التصوف الإسلامي . ولذلك كرس حياته الطويلة - أو بضعا وخمسين سنة منها - في دراسة التصوف في مصادره الاولى عربية كانت ام فارسية ، ومعرفة العوامل التي ساعدت على نشأة التصوف في الإسلام وعلى نموه .
وقد كان نيكولسن في مزاجه العقلي والخلقي وتصويره الشعري صوفيا بالفطرة ، ولا شك عندي في أنه شاطر الصوفية اذواقهم ومواجيدهم ، وإن لم يحي معهم في زواياهم وربطهم . ولذا استطاع - كما استطاع زميله الفرنسي العلامة لويس ماسيتون الذي يشاركه في جميع هذه الصفات - استطاع أن يسير غورا في الحياة الروحية في الإسلام لم تصل إليه أفهام المستشرقين من قبل ، وان يدرك أسرارا في التصوف الإسلامي خفيت عليهم ، وان يوجه دراسة التصوف وجهة جديدة ويقيمها على أسس علمية تتوافر فيها كل مزايا منهج البحث العلمى .
على أن نيكولسن قد انفرد عن غيره من المستشرفين المشتغلين بالتصوف بمن فيهم ماسيتون ، بموهبة اخرى نادرة قد لا نجد لها أثرا إلا في استاذه براون : وهي مقدرته على نقل الشعر العربي والفارسي إلى شعر أوربى نقلا تخفى معه كل معالم الترجمة ، ويظهر لك فيه الناقل متقمصا شخصية المنقول عنه مع المحافظة التامة على روح الأصل المنقول ومعناه . فهو شاعر مطبوع وفنان بارع ومصور مبتدع ومترجم عن لسان أحوال الصوفية وأذواقهم ولمحاتهم وإشراقاتهم قبل أن يكون عالما وباحثا في التصوف .
استغل نيكولسن هذه الموهبة النادرة فيما نقله إلي الإنجلزية من درر الشعر الفارسي الصوف ، لاسيما كتاب المثنوي لجلال الدين الرومي ، وفيما نقله من الشعر العربي الصوفي ، لاسيما ترجمان الاشواق لابن عربي وبعض القصائد الصوفية الخاصة لابن الفارض ، فأضاف بهذه الطريقة إلى لغته من نفائس الشعر الصوف الإسلامي ثروة روحية ولغوية خالدة سيعرفها له الناطقون بالإنجليزية في كل مكان وسيعرفها له التاريخ .
وما إن اشتغل نيكولسن بالتصوف حتى ادرك استحالة وضع تاريخ له قبل ان تعد مصادره الأولى إعدادا علميا دقيقا ، فيطبع منها ما لم يطبع ، وينشر منها ما لم ينشر نشرات علمية محققة . وقام نيكولسن نفسه بهذه المهمة الدقيقة الشاقة ، فأعد عددا غير قليل من أمهات كتب التصوف القديمة ونشرها بلغتها العربية او الفارسية ، وترجم بعضا منها إلى الإنجليزية مذيلة بالتعليقات والتحقيقات التي تشهد له بالدقة والصبر . ولم يقف عند هذا الحد ، بل بث هذه الروح نفسها في تلاميذه الذين أصبحوا يكونون مدرسة يصح ان نطلق عليها مدرسة نيكولسن ، في انجلترة نفسها وفي الهند ومصر وغيرها . فقاموا ولا يزالون يقومون تمثل ما قام به أستاذهم في هذا الميدان .
وفي أثناء هذا المجهود الضني الطويل - مجهود النشر
والترجمة - كانت تفيض المجلات العلمية ودوائر المعارف الكبرى بمقالات الاستاذ وبحوثه في التصوف ، وكل منها درة من درر العقد العلمي الذي خلفه ، وحجة من الطراز الأول لعالم ثبت مدرك للغاية العظمي التي أخذ نفسه بالاضطلاع بها ، موف لها بكل حقوقها
كان آخر ما رأيت الأستاذ نيكولسن سنة ١٩٣٨ وهي السنة التي منح فيها الرصيعة الذهبية التي يمنحها عادة كبار الكتاب والمؤلفين من الإنجليز فذهبت لأهنئه ، فقبل تهنئتي وعلى شفتيه ابتسامته المتواضعة المألوفة ، ولكنه سكت هنيهة ثم قال : ولكني ارجو أن يمد الله في أجلي حتى أتم كتاب المثنوي .
رحم الله نيكولسن ! لئن فارقنا اليوم ، فقد خلف فينا ما سيحي ذكراء إلى الأبد في نفوسنا ونفوس الأجيال المقبلة من بعدنا . ( عن المستمع العربي )

