للأستاذ عبد الرحمن بدوي أكثر من كتاب . خرج له هذا العام ثلاثة من الكتب أو القصص المترجمة ، هي حلقات من سلسلة اختار " الروائع " عنوانا لها ، وتلخيصا لفكرتها . وله في العامين السابقين نحو ستة من الكتب ينتظمها اسم آخر يلخص فكرتها وبيرز وحدتها ، هو : ( خلاصة الفكر الأوروبي)
والأستاذ عبد الرحمن بدوي في هذه السلسلة ، أو في تلك ، او فيما ينشره من مقالات ، او فيما بنشره علي سامعيه من آراء ، أو فيما يعتزمه من مشاريع ، بمثل قلق الذهن المصري الشاب في هذه الآيام - وهذا الإنتاج الغزير المتدفق ، الذي كان يمكن ان يكون ثمرة عمر طويل مبذول في التفكير والإطلاع والتأمل ، ليس إلا صورة من صور هذا القلق .
ولا أحسب أن القارئ غاب عنه المعنى الذي اقصده من كلمة " القلق " فلست اقصد الحيرة والاضطراب ، ولا البعد عن الهدف الواضح ومثله ، والسعى وراءه والعمل على تحقيقه ؛ فعبد الرحمن يعرف جيدا ماذا يريد ، ويحب هذا الذي يريده ويكرره لنفسه ، ويقوله لسحبه ، ويكتبه نظما حينا قليلا ، ونثرا أكثر الآحيان ؛ ولكنه بري ان الذي يفكر فيه ويراه جديرا بالتحقيق ) والتجسيد ( ، لا يزال بعيدا جدا في بلده ؛ ولا ير مواطنيه الذين بحبهم لا يفكرون فيه ولا يعملون له ، ولا يبذلون في سبيله ما يبذل ، فلا يعجبه هذا كله ، وبناله غضب كان حربا ان يخرجه عن هدوته ونزمته ، وان يطلقه إلي عمل عنيف . ولكنه مفكر وصاحب فلسفة ، وهو ايضا صاحب قلم وقارئ كتب ؛ وإرادة العمل عند المفكرين
تتحول إلى نظرية يبسطونها للناس ، وينافحون عنها ، ويفرجون بذلك عن الرغبة في القتال المكبوتة المحبوسة ، أو إلي عالم ينشئه الخيال تعويضا عن دنيا الحقائق المؤلة الكريهة
والأستاذ عبد الرحمن بدوي نفسه في مقدمة كتاب " ديوان شرفي لمؤلف غربي " للشاعر الألماني " جينه " يقول - فيما حفز جيته إلي نظم هذا الديوان ؛
" كان جبته يعاني حينئذ حالة نفسية عنيفة ، وصفها " " هو نفسه بهذا الوصف حيث قال : " شعرت شعورا " عميقا بوجوب الفرار من عالم الواقع المليء بالأخطار " " التى تهدده من كل جانب في السر وفي العلانية . لكي " أحيا في عالم حيالي مثالي ، انعم فيه بما شئت من الملاذ والأحلام بالقدر الذي تحتمله قواي . .
ويري الأستاذ بدوي أن ( جيته ) ليس فريدا في هذا الفرار الروحي ، وهذا صحيح ؛ فكل اديب ، بل كل إنسان يخلق لنفسه دنيا يهرب إليها ، وليست احلام اليقظة إلا القرار من الحياة المادية بوجهها الكريه ، وبما انطوت عليه من فشل مؤلم ، ومما تمخضت عنه من صراع مر وجراحات دامية ، ومهانات اقسي علي النفس من قطع السيوف . . وللكاتب الألماني الإسرائيلي ستيفان زفياج نظرية ساقها وهو يتكلم عن تلستوي الكاتب الروسي العظيم :
" وكانت وثبة تلستوي نحو الإيمان بالله اقصر من " " أن توصله إلي غابته ، ولكن للفنان الذي يعجز عن " عبور خليج ، سبيل آخر يستعين ( على تحقيق غرضه " - فهو يعرض على الناس جميعا ) حاجته ( فيجعل من " هذه الحاجة ) الخاصة ( أمرا عاما على هذا النهج ارتقي : " تستوي بصيحة فزعة ) ماذا سيصبني ؟ ( إلى التساؤل " " ) ماذا سيصبنا جميعا ؟ ( . ولما عجز عن إقناع نفسه بالجواب " " حاول تعزية نفسه بإقناع الآخرين . ولما عجز عن تغيير
" حياته و نفسه ، سعى في تغيير حياة الآخرين . وهذا " " كان دائما المعين الأول لكل دين . فتلك المحاولات ( " العظيمة في هداية الناس وإصلاحهم كانت تنبعث دائما " من رغبة الذين قاموا بها ) في القرار من أنفسهم ( ، فالنفس " التى تداولها ايدى المواصف تبحث عن راحتها من " المشكلة التى يعذها البحث عن حلها يجعلها شاملة عامة ، " وبذا يتحول القلق الشخصي إلي قلق إنساني . . "
وزفياج في هذا يغلو غلوا فاحشا ، فهو يري أن كل رسول - رسول فكرة أو رسول عقيدة - يدعو الناس دائما إلي الإيمان بما عجز عن الإيمان هو به ، أو قل - تلطفا - إن كل رسول تصادفه مشكلة ويعيه حلها ، ببسطها على العالمين ، ويدعوهم إلى حلها وإلى التفكير فيها ، ولكن صيغة الدعوة تحمل عادة في ألفاظها ما يوهم ان الداعي قد عرف الحل ، وأحاط بالمسالة ؛ وانه يهدي إليه من بثق به ، ويسير وراءه .
وقد يصدق هذا علي بعض المفكرين دون عمومهم ، فتلستوي حينما دعا إلى عدم العنف ، وحينما دعا إلى إنكار نظام الحكومة ، وإلى وجوب استبدال قانون الحب بها والعمل بموعظة الحبل التي ألقاها المسيح على تلاميذه ، وحينما دعا إلى إنكار الملكية وإلى التخلي عنها ، حينما هاجم السجون والمحاكم وسك النقود ، ثم يفعل ذلك لأنه اهتدي إلي ما بعد هذا الإنكار وهذه المهاجمة من نظام واضح مرسوم يحدد علائق الناس وبرتبها ، وإنما لانه احس ان الملكية والفقر والغني وانتقاء المساواة بين الناس مشكلة جديرة بأن تحل ، وجديرة بأن تستنفد من الوقت والجهد ما تستنقده بقية مشاكل الناس ومسائلهم ؛ فإيمانه ينبعث من هذا ويستند إليه ، ينبعث من انه رأي ان لا مناص من مواجهة هذه المشكلة ، وأن كل أمل في سعادة البشر بغير حلها سراب .
على أننا لا يحمل بنا أن يطول بنا الاستطراد حتى نبعد عن جيته ، وعن عبد الرحمن بدوي ، فجيته في رأي عبد الرحمن لاذ بالشرق ، لأن الغرب في ذلك الحين لم يكن برضي جيته ، ولم يكن يعجبه ، فنسج لنفسه صورة للشرق احبها ، وحسب نفسه قد رحل إلى هذا الشرق الهادئ ، فاطمأنت نفسه إلى هذا الخيال السعيد . .
وما فعل جيته منذ أكثر من مائة سنة بعمله عبد الرحمن بدوي ، وبعمله كل شاب مصري ، بل كل شاب شرقى . فنحن لا يعجبنا الشرق ، فينسج كل منا صورة لبلاده من خيوط يختارها لنفسه ، ويعيش في ظل هذه السورة سعيدا فترة من الزمان ، ثم يستيقظ للحقيقة التي تدعوه إلي حياة كل يوم ، وإلى السعي ، وإلى النزول على حد الواقع .
والخيوط التي ينسج منها الشباب المصريون دنيا خيالهم كثيرة ؛ فمنهم من يعيش في صدر الإسلام ويحسبه أسمى وأعلي ما تصبو إليه مصر ، وهو إذا خرج من حلمه وعاد إلى وعيه وأفاق ، وجد نفسه مضطرا إلي اصطناع أمور لا تصل بالإسلام ، ولكنها تفرج عن الامل المكبوت ، فهو يحرص على إطلاق لحيته مثلا ، أو يكتب التاريخ الهجري دون الميلادي ، أو يلح في مطالعة كتب يختارها ، ويتوفر عليها بحثا وشرحا واقتباسا وتعليقا .
ومنهم من يجد الراحة في عهد من عهود العرب دون أن يهمه كثيرا الطابع الإسلامي ، إنما يشغله الطابع العربي ، لأن الجانب الديني أقل شأننا عنده من الاعتبار السياسي . وثالث بري هذا كله عبثا وبعد التراث الإسلامي والعربي حطاما تخلف عن الزمن القديم ، وان الدنيا التي يجب أن نسعى إليها وان نعيش فيها هي دنيا الكهرباء والكيمياء ، ودنيا الحرية والمساواة الاقتصادية ، دنيا الاشتراكية أو النازية أو الشيوعية . وان العقل الجدير بان يدرس هو العقل الأوربي الحديث .
وليست الغاية من هذا المقال المفاضلة بين هذه الاحلام الجميلة ، بل لم يكن القصد النص عليها ، وإنما ادي القول والاستطراد إلى الإشارة إليها ، تعليقا على ما يقوله الاستاذ عبد الرحمن بدوي في صدد تعلق جيته بأحلامه الشرقية .
والديوان الشرقي لمؤلف غربي ، في رأي الاستاذ عبد الرحمن بدوي ، هو وقصة حائر بائر لا يشندروف ، وقصة اوندين لفوكيه لا من روائع الادب الغربي - وقد عرف هذه الروائع وحدد سماتها المميزة بقوله :
" كان لها من خطير الأثر في تطور أوروبا الروحي " " وخلق تيارات فكرية جديدة ، وإشاعة قيم خالقة لم تكن " " معروفة من قبل . وبايجاز راعينا فى اصطفائها ان " " تكون ممثلة لأعلى ما بلغته الروح الأوربية من سمو - " " وان تكون كفيلة إلي الحد الأقصي بإثراء المضمون " " الروحى للإنسان " .
ولست أختلف مع الأستاذ عبد الرحمن في اعتباره الديوان الشرقي وقصة أوندين من الروائع التي يسوغ ان ينسحب عليها هذا التعريف ، ولكن اجدني مضطرا إلى مخالفته في قدره قصة الحائر بائر " ؛ فقد تكون جميلة ، وقد يكون مؤلفها صاحب فضل معترف به في الوصف الحي ، ولكني لا أحسب أنها تركت في عالم الفكر ولا البيان ما يرفعها إلى سواء " الروائع " ، وما يؤهلها لان توصف بأنها ممثلة لأعلى ما بلغته الروح الأوربية من سمو - وقد كان جديرا في ان اتردد في إصدار هذا الحكم لسببين : أولهما انه لم يسبق لي ان تعرفت على مؤلفها من قبل ، فقصة " حائر بائر " هي أول لقاء بيني وبينه ، والعدل يقتضى الناقد ألا يصدر حكمه على المؤلف قبل أن تتوثق الصلة ، وتتأكد العلاقة . وثاني السببين أن أيشندروف شاعر غناني ، والشعراء الغنائيون يخسرون اكثر مزايا إنتاجهم عندما يترجم من لغتهم الأصيلة إلي لغة اخري . ولكن
الذي حدا بي إلي الخروج من التردد إلي الحسم أمران آخران - أولهما : أن " الروائع " التى حفظها التاريخ ، والتي تركت اثرا في حياة الأمم العقلية والشعورية ، كانت مكانتها ترتكز في الأغلب الأعم على الموضوع ثم الشكل - فموضوع القصة أو الكتاب يجب أن يكون إنسانيا كبيرا ، ينطوي على مشكلة ما وشكلها ، اي اسلوبها ؛ وطريقة عرضها يجب أن يتسم بسمات مميزة .
وقصة حائر بائر ، تكاد تكون بلا موضوع ، والنفوس التى يتناولها المؤلف بالوصف يقنع بظاهرها ، فلا يعرض لجوانبها الخفية إلا بقدر ، ومع تلهف وسرعة .
٣ وثانهما : أن الدكتور عبد الرحمن بدوي نفسه قال في مقدمته عن أيشندورف مؤلف القصة :
" هذا هو السر في امتيازه في الشعر وتخلفه في القصة " " والمسرحية ، فالقصة عنده خالية من الأحداث فقيرة " " في الأشخاص الحية الواقعية ، تكاد كثيرا ما تذوب " " في الإطارات الطبيعية التى تعنى إيشندورف قبل ان تعنيه " " الأشخاص . . "
وهذا هو بالضبط الذي يخلص منه القارئ بعد مطالعة هذه القصة ، فهي قصة شاعر تشغله مباهج الطبيعة ، ويصف النفوس والأشخاص ، كما يصف الانهار والأزهار ولا جدال في أن الشعر لا يتذوقه متذوق إلا في لغته الاولي التى أودع فيها صائغها خفايا معانيه ، وحلاوة أغانيه .
. * ولا يحسبن أحد أنى أريد أن أغض من العمل الأدبي الذي اضطلع به الدكتور بدوي حينما ترجم " حائر بائر ٤ ، فقد صاغ ألفاظها ببراعة وحذق ، انسيا الإنسان انه يقرا كتابا منقولا عن لغة أخري - فالنسج محكم ، والعبارة عربية أصيلة ، من طراز رفيع ، والمعاني متصلة متدفقة ، والصور كاملة اخاذة ، وشعورك طوال المطالعة ان مترجم القصة لا يعاني في أداء المعاني إلي العربية أي جهد .
ولا أخفى عنك أن في القصة صفحات من الشعر
الذهى ، الذي يخليك رنيته وبريقه ، وهو في جوهره نفيس وذوق قيمة . أما الديوان الشرقي ، واوندين ، فعملان ادبيان ، طوق بهما الاستاذ بدوي عنق الناطقين بالضاد وقارئ العربية بمنة كبري ؛ والنظر فيها بوسع آفاق القارئ . ونرجو ان نعود إليهما مرة اخري .
يقول الدكتور بدوي : " لن نستطيع النفوذ إلى أسرار الروح الأوربية " " حقا إلا إذا وقفنا مباشرة على ما أبدعته هذه الروح " " من آثار في مختلف مظاهر نشاطها الروحي ، لأن " " العرض مهما يبلغ من الدقة في التحليل والعمق في "
" اكتناء الأفكار والسعة في أفق المقارنة ، لا يمكن مطلقا " أن يغني عن الإطلاع المباشر عن الأصول الأولى التي " " يقوم هو عليها . . "
وهذا حق كله ، وهو حق كان جديرا أن يكشف عنه منذ زمن بعيد . فإذا كان الدكتور بدوي قد عقد العزم على أن يحقق للغة هذا الخير العظيم ، أو بعضه ، او حتي أن يشرع فيه ، فهو جدير من أبناء اللغة العربية جميعا أن يشكروه وان يهنثوه ؛ وهو حقيق أن يصل إلى الغاية من هذا المشروع ، فله في خلفه وفي جلده ، وتلهب إيمانه وعلمه ، ما يعينه على النجاح ، وما يؤدي إلى التوفيق . .

