نعت إلينا الأنباء الأخيرة علماً من أعلام الكتابة والبيان الرائع هو الأستاذ هنري روبير المحامي الفرنسي الأشهر، وعضو الأكاديمية الفرنسية، توفي في الثالثة والسبعين من عمره بعد حياة باهرة في عالمي المحاماة والأدب. وكان مولده سنة ١٨٦٣
في باريس، حيث تلقى تربيته ودراسته؛ وفي سنة ١٨٨٥ قيد في جدول المحاماة، وبدأ حياته العملية، ولم يلبث أن لفت إليه الأنظار بحسن استعداده وكفايته؛ وقدر الأستاذ دورييه نقيب المحامين يومئذ مواهبه وألحقه بمكتبه، فلقى هنالك فرصة لدراسة القضايا الكبرى؛ وظهر لأول مرة في قضية (شامبيج)
الشهيرة أمام محكمة الجزائر، حيث اشترك مع أستاذه دورييه في الدفاع عن (شامبيج) المتهم بقتل خليلته؛ وكان دفاعه الرائع في تلك القضية مثار الإعجاب من كل صوب، وكان فاتحة مجده؛ وأوحت حوادث هذه القضية الشهيرة إلى الكاتب الشهير بول بورجيه موضوع قصته (التلميذ) ، ومن ذلك الحين توالى ظهور هنري روبير في كثير من القضايا الجنائية الرنانة التي شغلت الرأي العام في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحاضر
وتبوأ هنري روبير مقامه الرفيع كعلم من أعلام البيان والفصاحة القضائية بسرعة؛ وفي سنة ١٩١٣ انتخب نقيباً للمحامين في دائرة باريس مكان الأستاذ لابوري، وظل في هذا المنصب حتى سنة ١٩١٩؛ ومازال محتفظاً بزعامته ومكانته الرفيعة في عالم المحاماة والدفاع حتى خاتمة حياته
وكان الأستاذ هنري روبير إلى جانب مواهبه القضائية والدفاعية كاتباً عظيماً، يمتاز أسلوبه بقوة وصفاء رائعين. ومن مؤلفاته رسالة قيمة ساحرة عن (المحامي) ، وكتاب (قضايا التاريخ العظمى) الذي بدأه في سنة ١٩٢٣، وظل يعمل فيه حتى العام الماضي، حيث صدر منه الجزء العاشر؛ وفي هذه الأجزاء العشرة يعالج هنري روبير طائفة من قضايا التاريخ الكبرى، ولاسيما ما تعلق منها بالتاريخ الفرنسي؛ ويعرضها بأسلوب بديع ساحر، يجمع بين دقة الشرح القضائي، وروعة البيان الأدبي
وفي سنة ١٩٢٣ انتخب هنري روبير عضواً بالأكاديمية الفرنسية في الكرسي الذي خلا بوفاة الوزير ريبو
وكان هنري روبير محامياً عظيماً يمتاز بصفات باهرة؛ فقد كان عالماً نفسياً ينفذ أحياناً إلى أعماق السرائر؛ وكان خطيباً رائع اً ينهمر بيانه؛ وكانت مرافعاته في القضايا الكبرى أياماً مشهودة في ساحات القضاء. وقد بلغ الذروة في أواخر حياته من قوة
التأثير والسحر، حتى كان المحلفون في بعض الدوائر يخشون تأثيره، ويقاومون هذا التأثير بشيء من عدم الثقة. وكان هنري روبير موجزاً في العادة خلافاً لكثير من زملائه الأعلام، ولكنه كان في إيجازه دائماً قوياً مؤثراً

