رأينا في بحر الثلاث السنوات الماضية ظاهرة جديدة في التاريخ الآسيوي ، هي نشأة عدة قوميات جديدة كالهند والباكستان وإسرائيل واندونيسيا . كما أتمت بعض قوميات أخرى نموها واستكملت استقلالها ، مثل سوريا ولبنان وبورما . ويحق لنا أن نقف قليلا بهذه المناسبة لنرى الأسس التى قامت عليها هذه القوميات الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية .
بعد القرن التاسع عشر يحق عصر انتشار الروح القومية في العالم الغربي ؛ فقد تمت إباته روح الوطنية والأستقلال عقب الحروب النابوليونية ابتداء من عام ١٨٤٥ واستمرت طواله حتى انتصرت نهائيا في أعقاب الحرب العظمى الأولى في عام ١٩١٩ ، فشاهد القرن التاسع عشر سنقلال بلجيكا واليونان ودول البلقان ودول أمريكا اللاتينية واتحاد ألمانيا ووحدة إيطاليا ، ثم تمزقت إمبراطورية النمسا والمجر ، ونشآت على أنقاضها دول أوربا الوسطى . وكانت الروح القومية في تلك الأيام هي القوة الدافعة والمسئول لأول عن أحداث التاريخ العربي ، لها أكبر الأثر في حياة الغربيين ، بل واحتلت المكانة التي كانت للدين من قبل في
تسيير أحداث التاريخ ، وسيطرت على عقول رجال السياسة والفكر والأدب والاقتصاد ، وكانت المنبع الذي فاضت منه الثورات في حماسها حتى أصبحت حركة شاملة أشبه بالحركات التاريخية الكبرى التى مر بها العالم ، من أمثال حركة انتشار الإسلام أو حركة الإصلاح الديني ، وارتبطت بظاهرات سياسية أخرى كانتشار الديمقراطية ضد الاستبداد ومكافحة الحكم الأوتوقراطي أيا كان مظهره ، كما اقترنت بنمو الأفكار الاشتراكية والتوسع الاستعماري .
ثم انتقلت الروح القومية في مطلع هذا القرن إلي بلاد آسيا وأفريقيا ، وآسيا وحدها كما نعلم تضم نحو نصف سكان العالم ، وقد جرت فيهم الروح القومية مجرى العقيدة في نفوس أهلها ، واتخذ سكان الدول الجديدة فكرتها على أنها فلسفتهم في الحياة وفيها العلاج لجميع مشاكلهم . ويجدر بنا في هذا المقام أن نتتبع تطور معنى كلمة " أمة " في التاريخ الأوربي الحديث ؛ فمنذ مائتي عام كتب الفيلسوف الإنجليزي هيوم بحثا عن الطابع " القومي " أو الوطني " وتلخص فكرته في أنه لن يتيسر لجماعة من الناس أن تجد لذة مشتركة في مناقشاتها وأحاديثها ، ما لم يسد أفرادها تشابه
في الأخلاق والعادات وما لم تتفق فيهم معايير الفضيلة والرذيلة ، وما لم تتوحد عندهم القيم الحيوية الأخرى ، وما لم تضمهم تحت لوائها حكومة واحدة حتى تهيئ لهم فرصة الاشتراك في الدفاع عن الوطن والاشتراك في نعمه وتحمل أرزاله . هذه العوامل مجتمعة تهيئ لأفراد الجماعة جوا مشتركا يعيشون فيه ، وقد تضاف إليها وحدة اللغة فتستكمل طرق الحياة عندهم تشابهمها وتجعل لهم طابعا قوميا واحدا .
ولعل الفضل في تحديد معنى القومية في التاريخ الحديث يرجع إلى جان جاك روسو الذي رفض فكرة ذوبان الأمة في صاحب السلطان ، وفرق بين الشعب والطبقة الحاكمة ، ثم أخذت فكرته تجد طريقها نحو التعبير الصحيح عند قادة الثورة الفرنسية ؛ فقد أكد الكتاب الذين مهدوا للثورة الفرنسية طريقها ، حق الإنسان في اختيار نوع الحكومة التي يود أن يعيش في ظلالها ونوع الوحدة السياسية التي يرغب في الانتماء إليها ، وهكذا كان القرن التاسع عشر هو قرن القوميات في أوربا ، حيث شعرت يقوميتها الجماعات المغلوبة علي أمرها ، فأتحدت لتترجم هذا الشعور فتحيله حقيقة سياسية واقعة .
وأول الحقوق التي اعترف بها المفكرون للقومية هو حتى الأمة في لغتها الوطنية باعتبار أن اللغة هي أقوى الروابط بين المواطنين ، كما أكدوا حق الأمة في فرض قوانينها الخاصة وحقها في حياتها الفكرية الخالصة وحقها في اتباع سياسة تجارية خاصة ، ويتوج هذه الحقوق جميعا حق الشعب في الدفاع عن مثله ضد كل استبداد أو تعسف يراد بها .
وعلى مر الزمن لم تعد الفكرة القومية محدودة بأوربا ، بل أضحت إعصارا هائجا يحتاج العالم كله .
قيل مثلا إن وحدة السلالة هي الأساس الذي تقوم عليه القومية ، غير أن الرأي متعقد عند علماء الأجناس البشرية على أنه قل أن يوجد في العالم الآن جنس نقي خالص ، وأن نقاوة الجنس هي أبعد ما تكون عن الواقع البشري ، وأن كل الأمم على سطح الكرة الآن هي مزيج من أجناس مختلفة ؛ وكثيرا ما لجأت العناصر الوطنية في كفاحها إلي ادعاء تسلسلها من سلالة نقية من الدم البشري ، وانها
تختلف عن غيرها اختلافا أساسيا في تكوينها الجسماني والعقلي والروحاني ، ولا يخفي الدوافع النفسية وغير النفسية التى تحفز إلى ادعاء مثل هذه المفتريات ؛ وأوضح الأدلة على عدم صحة هذا القول أن القوميتين الجبارتين اللتين بيديهما الآن مستقبل الحضارة العالمية أى الولايات المتحدة وروسيا السوفييتية - كلتاهما ليست شعبا واحدا ، بل هما بوتقتان انصهرت فيهما السلالات المختلفة ، وأن كلا من الأمتين ليست وحدة جنسية بقدر ما يربط أفرادها أسلوب فكري واحد ونظرة متفقة إلى الحياة ، فهناك إذا فارق ثابت بين السلالة والأمة ، فالسلالة هي مجموعة من الصفات الجسمانية الشتركة . أما الأمة فهي حالة عقلية مشتركة .
هل تقوم الروح القومية إذا علي وحدة اللغة ؟ مما لا شك فيه أن الناس الذين يتكلمون لغة واحدة يشعرون بالقراية والألفة ، وربما كانت اللغة المشتركة أحد العوامل أثراً في تكوين القومية ، وكثيرا ما اخذت اللغة الوطنية رمزا للاستقلال ، وكثيرا ما تفرض اللغة في الدول الحديثة فرضا على جميع الأقليات فيها ، وكثيرا ما تنادي دولة بضم الجماعات التي تتكلم لغتها لتدخل في نطاق حدودها ، ولكنا إذا علمنا أن أهل سويسرة يتكلمون ثلاث لغات مختلفة وانهم لا يرضون عن قوميتهم بديلا ، وأن هذه الحقيقة لم تضعف شعورهم القومي ، ولم تعمل على تفتيت وحدتهم ، أدركنا أن اختلاف اللغة قد لا يقف حجر عثرة في سبيل تكوين قومية واحدة .
وقد صاحب نمو القوميات في آسيا شعور عميق بأهمية اللغة الوطنية ، خصوصا وأن الكفاح كان موجها ضد الاستعمار الأوربي ، واللغة الرسمية في معظم الأحوال هي إحدي اللغات الأوربية ، غير أن بعض الدول الناشئة واجهت صعوبة الاختبار في أول الأمر ، فحارت بين لغاتها الوطنية المتعددة ولهجاتها المختلفة - كما هو الحال في الهند مثلا ، حتى إن يهرو نفسه اعتذر في إحدى المناسبات عن اضطراره إلى التحدث باللغة الإنجليزية لأنه وجدها أسهل من اللغات الهندية فهما عند جميع الهنود ؛ ومن الصعاب التي ووجهت عند تقسيم البنغال بين الهند والباكستان ليذهب الهندوس إلى
الهند والمسلمون إلى الباكستان . أن المقاطعة كلها وحدة لغوية واحدة .
وللصين ميزة الكتابة الوحدة على الرغم من أن الصينيين يتكلمون لغات مختلفة ، وقد بذلت محاولات جبارة في العصور الحديثة لنشر لغة صينية واحدة هي لغة أهل بكين ، حتى إن الدكتور سن يات سن باعث الجمهورية الصينية خلط في أفكاره عن القومية الصينية بين وحدة الجنس ووحدة اللغة ووحدة الدين . فإن الذين يتكلمون لغة واحدة يكونون أمة واحدة وإن الذين يعبدون معبودا واحدا يكونون جنسا واحدا ، بل كان يقول لو أن الأجناس الأجنبية تعلمت اللغة الصينية لتمثلتهم البلاد وامتصهم المجتمع الصيني .
ثم يأتي الدين في المرتبة التالية بعد الجنس واللغة في تكوين الأمة ، فإن اتفاق الديانة هو عنصر هام من عناصر القومية على الرغم من أن الاتجاه الحديث ينذر بضعف اثر الدين في تكوين القوميات ؛ غير أننا نرى في هذه الأيام مولد دولة الباكستان وبعث دولة إسرائيل معتمدتين على الأساس الديني اكثر من اعتمادهما على أى أساس آخر . كذلك الأمر في البابان ، فإن الديانة الشنتوية هي نوع من البوذية دخله تحوير أدى إلى تأليه الإمبراطور وتقديسه ، ومن ثم ألغت الأساطير التى تؤكد بأن الامبراطور هو سليل إلهة الشمس ، وهكذا اختلط الدين بالسياسة لتحقيق غاية قومية ، واقترن بهذا نمو النزعة العسكرية للشعب الياباني وتمجيد الرسالة المقدسة التى تؤديها اليابان .
وأخيرا بلى هذه العناصر الثلاثة السابقة وهي الجنس واللغة والدين ، عنصر رابع لا يقل عنها أهمية ، وهو رفعة الوطن وضرورة امتلاك الشعب لرقعة من الأرض ، وكانت هذه الحقيقة موضع جدل في بعض الأحايين ، وكان المجادلون يستشهدون بمثل اليهود والغجر في العالم وكيف أن الشعبين احتفظا بقوميتهما على الرغم من تشريدهما في بقاع العالم طرا .
ولا ننسى بهذه المناسبة أن الجاليات الأسيوية في الخارج لعبت دورا هاما في تطور الحركات القومية ، فقد ساعدت الجاليات الصينية بأموالها وجهودها في الثورة الصينية
عام ١٩١١ ، كما ساعدت الجاليات الهندية المقيمة في بريطانيا والولايات المتحدة وجنوب إفريقيا الحركة الوطنية في الهند ، بل إن حركة العصيان المدني بدأت بين الهنود في جنوب إفريقيا ، وكانت الدرس الذي لقنه غاندي لمواطنيه في مقاومة الاستعمار والاستبداد .
كما أن الحركة القومية في الدول الأسيوية تدور حول شخصيات خاصة . وقد يكون بين هذه الشخصيات إمبراطور كما هو في اليابان ، أو زعيم مثل نهرو في الهند أو محمد على جنة " القائد الأعظم " في البا كستان ؛ ولما كانت الحركات القومية في آسيا قد وجهت ضد الاستعار الأوربي فقد اقترنت بشعور من الكراهية ضد الحكام الوطنيين الذين ربطوا مصيرهم بعجلة الاستعمار الأوربي ، وازداد الحب والاحترام حتى بلغ درجة العبادة للزعماء الوطنيين من امثال سن بات سن في الصين أو غاندي في الهند أو جنة في البا كستان الذي لب بشاهنشاه أو ملك الملوك . ويلاحظ أن الولاء السياسي قد وجه نحو الأشخاص أكثر منه نحو البرامج السياسية ، لأن الولاء للأفراد أو للأسرة عميق الجذور في التقاليد الشرقية .
كما ترتبط الحياة القومية لشعب ما بضرورة توافر ميراث ثقافي مشترك ، وهو في نظر بعض المثقفين العنصر الأساسي الأول في تطور الوطنية ؛ غير أن هذا العامل على الرغم من أهميته المعترف بها لا يمكن أن يوجد مستقلا عن باقي العناصر السابقة ، وفي معظم الاحيان تبدا النهضة الوطنية على أنها حركة ثقافية صرفة ، وهي ظاهرة عامة في جميع القوميات الأسيوية ، إذ ينصرف الأدباء والفنانون نحو الأساطير الشعبية والفن الشعبى ووضع الكتب المدرسية وتأليف كتب النحو ، بل إنهم لا يفتأون يؤكدون في كل آونة وجود ثقافة وطنية خالصة ، ومن ثم يصبح الدور الذي يلعبه زعماء الفكر الوطنيون دورا رئيسيا في الحركات القومية .
ولا يمكن الجزم على أية حال بأن أي هذه العوامل مسئول عن نشأة القوميات في آسيا ، فقد يكون واحدا منها
( اليقية على صفحة ١٠ )
(بقية المنشور على صفحة ٥)
وقد يكون مزيجا منها تفاعلت عناصره تفاعلا أدى إلى هذه التائج ؛ ومهما يكن الأمر فإن ما يكون الأمة ليس وحدة الجني ولا اللغة ولا الدين بقدر ما هو وحدة الشعور والتفكير ؛ فالقومية هي ظاهرة عقلية تنتج عن ذكريات مشتركة عن الماضي وعن رغبة مشتركة في اتباع طريقة بعينها في مستقبل الأيام .
ويحق لنا أن نتساءل أخيرا : هل الوطنية شر أم خير ؟ هل هي تؤدي إلى ازدياد الرخاء أو الفقر ، إلى الحرب أم السلم ، إلى الحرية أم إلى العبودية ؟ وهو سؤال قد يصعب الإجابة عنه ؟ فكثيرا ما تميل القوميات من هذا الجانب إلى ذاك ؟ غير أن الحقيقة الراهنة هي أن القومية مرحلة من مراحل التطور السياسي ، فقد كانت الأسرة في الزمن الأول هي مجتمع قائم بذاته ، ثم حلت محلها القبيلة ، ثم جاء دور الدولة أو الأمة . والآن نري أن هناك اتجاها نحو التكتل الإقليمي ، وهو واضح في اتحاد دول غربي أوربا مثلا ودول شرقي أوربا وجامعة الدول الأمريكية وجامعة الدول العربية ، وقد تصبح هذه المرحلة مصدر خطر أو دخلت القوميات في سباق من التعصب الأعمى ، أو لو تمسكت بها
الدول الجديدة طويلا ولم تنتقل إلى ما بعدها من مراحل . ولا شك أن العلم والاقتصاد وكل مقومات المدنية الحديثة كلها تسير بالعالم نحو الحكومة العالمية ونحو تأمين السلامة والأمن والسعادة للجنس البشري كله ، على الرغم من المقاوف التي تساوره وعلى الرغم من التجارب القاسية التي قد تمر به .

