الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 640الرجوع إلى "الثقافة"

الأسكندرية كسبت حربين

Share

قام ميناء الأسكندرية الباسل بدور هام عظيم في الحربين . . الكبرى والأخيرة ؛ فكان كالئ السفن على اختلاف أنواعها وجنسيانها . . والفضل له في كسب الحربين . . ولو أغلق هذا الميناء في وجه الفيض الدافق من بواخر الحلفاء . . نقالات حربية . . وقطع بحرية . . لما كان هذا الطوفان من الجنود والبحارة والطيارين والعتاد الحربي والمئونة الواقية . .

تعود إلى عام ١٩١٤ حيث اندلعت نار الحرب الأولى وامتدت إلى مصر حيث كانت هذه الآلة الحربية الهائلة تصل إلى الميناء وتزحمه ، وتملأ أرجاءه بالضجة التي لا تنقطع من صلصلة جنازير " مخاطيف " الجبال العائمة ، وتلاطم الأمواج أثناء اندفاع زوارق البخار . . وجلبة العمال والجنود وحركة التفريغ والشحن ودوي صفارات القطارات التى تطغي علي كل ما عداها . .

ويزداد الضغط على الحلفاء فتتدفق الجنود إلى مصر ، ويعج ميناء الأسكندرية بهم ، وتمتلي مخازن الجمارك والأرصفة بأكداس العتاد الحربي ، وتصل جنود مثقفة من انجلترا

للتدريب هنا . . في مصر . . وهم من شباب جامعات هؤلاء البريطانيين الذين كانت لهم هذه الحرب . . حرب حياة أو موت . . ومن الغريب أن أولئك الجنود الطلبة كانوا يجهلون تاريخ وجغرافية مصر ! . . ظنوا أن الأسكندرية ليست ثغر مصر الأول ، وأن شعب مصر يلبس الجلود ، ويضع الريش فوق رأسه ! . . ولكن عندما عرفوا الحقيقة وعدوا بأن يكونوا أبواق دعاية لمصر بعد الحرب ، وعندما ينتهي بهم المطاف إلى بلادهم . . عرفوا أن المصريين شعب متمدين مثلهم ، وليس من زنوج أفريقيا . . وقد فعلوا . .

واشتد أنون الحرب واستمر أوارها ، ومالت كفة الحلفاء إلى ناحية النصر ، وانتصروا وأعلنت الهدنة . . كان مساء مشهودا لا ينسى . أفقدت الفرحه جنود الانجليز عقولهم ، ونسي الاستراليون هزيمتهم أمام الأتراك في الدردنيل ! ...

طغت الفرحة على كل شئ ، حتى لقد كانوا وهم يصيحون  " Peace"" لا يتورعون عن التعدى على الأهالي وخطف

أغطية رءوسهم . . ولكن الإسكندريين الشجعان . والشجعان دائما . . كانوا يقابلون التعدي بمثله . ولو أنهم كانوا يعرفون ما هو الخطر الذي يتعرضون له : . . ولكن لم تقع سوي حوادث فردية ، راح ضحيتها بعض البواسل المساكين . . كل هذا في سبيل أولئك الحلفاء الذين نصرهم هذا الميناء المصري . . بل ميناء مصر الأول . . بما هيأ لهم من وسائل ضخمة هائلة . . وقد اعترفوا بهذا . ولكن سرعان ما غطى استعمارهم على الوفاء !...

ودارت مجلة الأيام . . مر ربع قرن . . وأعلنت الحرب الثانية . وجاء دور الأسكندرية مرة أخرى . . الميناء الباسل العظيم . . ذي المركز الفريد الذي جعله في الذروة العليا . . كان مركزه قد ازداد أهمية . . وكان في اتساعه وترامي أطرافه ما هيا للحلفاء قاعدة حربية ممتازة لا يمكن أن تتوفر لميناء آخر في البحر الأبيض ، وهنا يحدر بنا أن نعطى وصفا مختصرا عن هذا المرفأ التاريخي . .

يقع هذا الميناء في الجهة الشمالية الغربية من ثغر الاسكندرية علاوة على مرفا الميناء الشرقي الذي استعمل لحد ما لحاجة البحرية البريطانية ..... وهو ميناء هادئ يحجز الأمواج عنه ذلك الحاجز الضخم الممتد من مشارف قصر رأس التين العامر لمسافة كافية لدفع الأمواج عنه والقضاء على ثورتها ...

وأرصفته ومراسيه تبدأ من تجويف قصر الملك العامر الفخم . . وهذا التجويف عبارة عن جون كبير لحد ما ،يمتد لأكثر من كيلو مترين لتنشر في مياهه الزوارق وسفن الشراع . وتقوم على شاطئه الذي يكون ثلاثة أرباع دائرة نوادي السباحة والتجديف ( وهذه استبعدت من هذه المنطقة بأمر ملكي سوى نادى اليخت الملكى )  ويطلق على هذه المنطقة اسم الملاحة . . ومن ثم تبدأ ورشة العزيزية وهي شركة البوستة الخديوية التي يملكها رجل الأعمال الفذ المليونير عبود باشا . . وبناء مدرسة رأس التين ( وقد هدم الآن ) الذي عمر منذ عهد ساكن الجنان محمد على العظيم وتخرج فيه ملايين الطلبة الذين منهم كبار رجال الدولة . . ثم منطقة مصلحة الواني والمنائر ، ويطلق عليها إسم " الترسانة " وهو الأسم القديم لها منذ كان لمصر أسطول عظيم . . ولم يبق

من دور الصناعة التى كانت ترسانة مصر سوى ورشة متواضعة تديرها مصلحة المواني والمنائر!...

ولهذه المنطقة باب يسمى باب الترسانة يتصل بأول حي " أبو وردة " يقوم على جانبيه مبني مصلحة الحجر الصحي " الكورنتينا " ومبنى مصلحة المواني والمنائر . . وأمامه من الداخل ساحة عظيمة تتصل غربا بالبحر وفي نهايتها كشك خشبي بديع أنشأه ساكن الجنان الخديوي اسماعيل .

ثم تبدأ الأرض بنمرة ١ ثم ٢ ، وفي نهاية هذا الرصيف الأخير حوض محمد على باشا الذي كان في العهد القديم حوضا جافا ذا مدرجات لإصلاح قطع الأسطول المصرى الصغيرة . وقد كشف الإنجليز عنه بعد أن نزحوا مياهه وأعدوه للغرض نفسه . ولكن لم تكد البحرية البريطانية تنتهي من إعداده حتى انتهت الحرب فاستغني عنه !. ثم رصيف ٤،٣ وهذان يطلق عليهما اسم رصف الترانس ، وتقابل الأبواب ٤ و٥و ٦ وترسو عليه زوارق البوليس البخارية وقوارب النزهة ، ثم تتوالي الأرصفة حتى نمرة ٨٤ والأبواب حتى باب ٥٤ والمخازن حتى ٤٧ عدا المخازن الملحقة الغير منمرة ، ومستودعات شركة الإيداع ومستودعات وفناطيس شركات البترول والسماد .

ومحيط الميناء العظيم . وهو محيط دائرة غير كامل من ناحية مدخل البوغاز يمتد إلى ما يقرب من عشرة أميال ، علاوة على الأرصفة المتداخلة العديدة وما بينها من مساحات مترامية من الأرض الفضاء والمخازن والمنشآت وأرصفة الفحم الهائلة . .

وقد كانت السلطات العسكرية البريطانية ( برية وبحرية ) تشغل هذه الأرصفة والمخازن وتستغلها لأقصى حد . . حتى إنها استولت على ثلاثة أرباعها وكدست عتادها الحربي فيها وعليها . . وهذه كانت كالينبوع الذي لا ينضب . . توزع مادته المتدفقة إلى ميادين الحرب المختلفة بالأيدي المصرية من مهندسين وبرادين ومخزنجية وكتبة ومتعهدين وبحارة وحمالين وسواقين للسيارات وحراس بنسبة ثمانية مصريين إلى واحد من الإنجليز أو رعايا الإنجليز !!

وكانت قطع الأسطول البريطاني منتشرة في الميناء الداخلى والخارجي مربوطة إلى المخطاف . . تاركة الأرصفة لعشرات

بواخر النقل الهائلة من مختلف الجنسيات التى تتألف منها مجموعة الحلفاء . وهذه البواخر لعبت دورا عظيما تحت نظام القوافل . . وكانت هدفا دائما لطائرات الألمان والطليان كل ليلة . ولكن لا تلبث في الصباح أن يجتمع عليها الأيدي المصرية الصلبة والأذرع المفتولة وتظل تعمل في شجاعة وصبر في تفريغها ونقلها إلى المخازن وإلى داخلية القطر . . وهذا العتاد الحربي يبقي في المستودعات حتى ينطلق مرة أخرى إلى حومة الميادين . جهود جبارة ساهم فيها المصريون بأ كثر من ثلاثة أرباع دون كلل أو ملل ! جهود لو لم تقدم لارتبك الحلفاء وما دارت عجلة الإمدادات والتموين بمثل السرعة والبراعة والدقة والبسالة التى كسبت الحرب ..

وكان الميناء بطبيعة مركزه الفذ الهدف الذي عملت طيارات الأعداء على سحقه . . ولكن جنود المدفعية المصرية البواسل فوتوا عليها هذا الغرض! فظلت العجلة دائرة تدافع عنها قنابلنا ويضحي الشعب الإسكندري والميناء الباسل دون تردد حتى تم كسب الحرب !

لقد كان ميناء الإسكندرية عنوان فخار لنا تدل به علي الأنام ، لأنه هو الميناء الذي كسب حربين . . وكان جنود المدفعية المصرية رمز الصبر والبطولة ، لأنهم ثابروا وقاوموا وأجادوا فكانوا فخر الوطن . . أما شعب الإسكندرية قبل كل من تظلهم سماء مصر . فكان الباسل دائما . وهو نفس الشعب الذي ساهم جدوده في نصر صلاح الدين عام ١١٧٤ علي الفرنج . . والقليلون غير أهل الإسكندرية من يعرفون كم كانت غارات الألمان والطليان المتوحشين قاسية شديدة على الثغر الجميل الباسل الراسخ الصامد . فقد كانت الغارة الواحدة تظل مستمرة الأوار أكثر من ست ساعات في بعض الليالي المقمرة . ولكنها كانت تقابل أحسن استقبال من جنود الدفعية المصرية البواسل . . فلم يمكنوا القراصنة الطيارين من إصابة منشات الميناء ؛ وكانت تنتهي الحال بهم إلى عدم إصابة الهدف أو إلقاء القنابل خبط عشواء على الأحياء الآمنة فتفتك بالمدنيين المسالمين العزل من السلاح . .

ويكشف ضوء الصباح عن مخازي الوحشية والفشل

العسكري الذي سيبقي وصمة عار لاصقة بأولئك الذين يدعون المدنية وهي منهم براء . . ويعم السخط ويصبح هذا الفشل . . بل هذا الإجرام الفاشل موضع سخرية أهل التغر كما كان موضع سخطهم وحقدهم . . وقد قال الكثيرون إنه كان في مقدور الألمان والطليان أن يخربوا المواصلات ويصيبوا البلاد في مرافقها الحيوية لولا أنهم كانوا مشلولي الحركة تقريبا أمام موقف مصر ، لأنها لم تعلن الحرب رسميا على المحور . واكتفوا بهذه الغارات على الأهداف العسكرية الإنجليزية في الميناء وكوم الناضورة ومبني التلغراف الإنجليزي فاختلف قياس الأهداف بنصف سنتي تقريبا فكانت الإصابات لأما كن تبعد عن الهدف الواحد بمقدار خمسين مترا أو مائة . مثل نكبة المقروزة . . وكان المقصود حوض الإنجليز العوام ... وحارة اليهود وباب الجير ، وكان المقصود كوم الناضورة المليء بالإنجليز ومدفعية الإنجليز ومبني دائرة راتب باشا وكان المقصود مبني التلغراف الإنجليزي . . وهكذا . .

وهزأ الميناء الباسل بكل عدوان الألمان المسلح وقابله بصبر وشجاعة . . وظل يدافع ويناضل شامخ الأنف مرتفع الرأس حتى خرج من المعمعة منتصرا ظافرا . بعد أن فوت على الأعداء سحقه . . وبعد أن نجا بفضل بسالة حكومتنا من معدات النسف التي أعدها الانجليز له والألمان على أبواب الأسكندرية . هذه الألغام التي أزيلت فور طلب رفعة رئيس الحكومة الحازم . .

وهكذا أنقذت الإسكندرية وأنقذ الميناء العظيم الذي كسب حربين بدفاعه المجيد . . والذي ظل يدفع عنه جبروت الطغاة بضروب من البسالة والصبر . . لقد خرج البلد مطعون الفؤاد دامي الجراج بما فقد من أوراح . ولكن الميناء خرج ظافرا منتصرا . . وانتصاره هذا دين في أعناق الحلفاء... بل الإنجليز ... وقد اعترفوا به . . ولكن ... ما أكثر نكران الجميل ونكث العهود وعدم الوفاء عند هؤلاء الذين أخلفوا وعودهم قرابة سبعين مرة  !!.

اشترك في نشرتنا البريدية