الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 134الرجوع إلى "الرسالة"

الأشباح لفكتور هوجو

Share

وا حسرتاه! ما أكثر ما رأيت من غادات هصرتهن يد المنون! هذه سنة القدر! الفريسة ينتظرها الهلاك، والعشب تنتظره المناجل المشحوذة القاطعة، والزهور توطأ تحت أقدام الراقصين الناعمين في الحفلات، والماء ينفد من وديانه، والبرق لا يومض إلا قليلاً، وأبريل الحسود يحرق بصقيعه أشجار التفاح المزهوة  ذات الأزاهير الفواحة، التي تتساقط كأنها ثلج الربيع. نعم، هذه سنة الحياة. يعقب الليل الشاحب النهار الضاحك.  وتعقب اليقظة كل شئ، إما في النعيم وإما في الجحيم. ويلتف المدعوون الجشعون حول المائدة الكبيرة، إلا أن كثيراً منهم يهجرونها قبل نهاية الطعام

-  ٢ -

ما أكثر ما رأيت من غادات يمُتن! إحداهن وردية اللون  بيضاء البشرة؛ وأخرى كأنها لم تنصت إلا للألحان السماوية؛  وأخرى ناحلة قد أسندت جبينها المحنّى على ذراعها؛ ثم فارقتها  الروح كما يفارق العصفور غصن الدّوح وفنن الروض إحداهن شاحبة ضالة، استولى عليها الهذيان فما تنطق إلا اسماً  لا يدّ كره أحد، وثانية تفنى كما يفنى النشيد على الأوتار، وثالثة  كانت تحتفظ بابتسامة الملاك الجميل الرحيم، لما لفظت  نفسها الأخير

فما أشبههن جميعاً بالزهور المرتجفة التي أعجلها القدر إلى الموت! وبالطيور الحائمة التي غمرتها الأمواه مع أعشاشها الطافية! وبالحمائم الوديعة اللطيفة التي وهبها الله العالم! فوا لهف نفسي عليهن! طواهن الثرى في غياهبه، وما قضيْن  بعد من العمر لبانة!

دعوني أتيه في ظلمات الغاب الدامسة، وأطأ بأقدامي أوراق  الشجر اليابسة، فأنا لا أصدق أن جميع هؤلاء الفتيات الساحرات  قد متن، وذوت نضرتهن وخمدت أصواتهن؛ ولا أكاد  أصدق أن هذه المشاعل البراقة قد خبت أنوارها، وتلك الورود  الزاهية قد هصرت أعوادها ما نفسي إلا أخت لهذه الطيوف الجميلة، أما الحياة والموت  فلا يفصلهما فاصل ولا قانون فأنا طوراً أساعد خطواتهن وطوراً آخذ أجنحتهن فأموت  مثلهن أو يعشن مثلي في رؤى عجيبة لا توصف وتلبس أفكاري أشكالهن وصورهن ويخاطبنني قائلات: تعال! ثم يتراقصن متشابكات مترابطات حول رموسهن  ويتوارين عن عياني بهوادة، لا يخلفن لي غير الحلم والذكرى

-  ٣ -

إنما أذكر منهن واحدة أسبانية: ملاك غض الصبى؛  أبيض اليدين. قد رفعت النهدين وعقدتهما زفرات بريئة.  العين حوراء تلمع فيها نظرات فتنة وسحر والجمال مجهول أمره، هذا الجمال الذي يتوج بهالة من النور  والضياء جبين من بلغت الخامس عشر ربيعاً. لم يقض الحب عليها، فالحب لم تخطر بعد لذائذه ومعاركه  في فؤادها العاصي بالرغم من هتاف الناس عند مرورها:  ما أجملها! كانت تهوى الرقص وهذا الرقص قضى عليها فرفاتها لا يزال يرتعش رعشة الهدوء والسكون كلما  رقصت حول كوكب السماء في الليلة المصحية غيمة بيضاء كانت تعشق الرقص أشد العشق، وكانت تظل قبل كل  حفلة ثلاثة أيام ولياليها تفكر فيه وترى من أجله أحلاماً زاهية،  وترى نسوة وعازفين وراقصين كلهم يحفون بها وترى الحلي اللامعة، والعقود الساطعة، وهذه النسائج  الرقيقة الناعمة، وتلك النفائس البراقة المتلألئة، وهذه الشرائط  الخفيفة التي تشبه أجنحة النحل اللطيفة: كلها وزهور وورود  كانت تملأ في الحلم عينيها وتسحر نفسها

فإذا كانت الحفلة، ألفيتها لاهية ضاحكة مع رفيقاتها، تقبل  حيناً وتدبر حيناً في المخامل الحريرية

والمروحة بين أصابعها تضغط عليها والألحان المرحة تنتشر  من حنجرتها فتوافقت الموسيقى الصادحة ونغمات البيانة السابحة لله ما أبهج النفس التي تتمتع برؤية هذه الكاعب ترقص  وتزهو!

ثوبها يهتز بنجومه المتلألئة اللازوردية، وعيناها  السوداوان النجلاوان تلمعان تحت خمارها الحريري الرقيق لمعان  نجمتين تضيئان على جبين الليل من خلف سحابة مظلمة كل ما كان يكمن فيها كان رقصاً ضحوكاً ومرحاً متوثباً. ما أشبهها بالطفل! - كنا نبتهج بالنظر إليها في دعتنا  الكئيبة؛ لأن القلب لا يجد متعة في الرقص فحسب، فالرماد  يعلو حول الألبسة الحريرية والسأم يظهر وسط اللذائذ السماوية

ما هي فكان الرقص يهيجها ويثيرها، وكانت تحلق - وهي  نشوى بنفحات القيثارة الفخور - في فضاء من الحبور، وفي  جو من السرور وكانت الزهور الجميلة، ومصابيح الذهب المتوهجة، وجلبة  الأصوات المرتفعة، وضجيج الخطوات المنتقلة، تستهويها وتلذها ما أسعدها وهي تثب وسط الجمع، كأن مشاعرها تضاعفت  وازدادت ونمت! فلا تدري حينذاك أتتدحرج خلال السحب، أم تصطاد  خلال الغاب، أم تطأ بأقدامها أمواج البحار؟

وا حسرتاه! إذا ما قرب انبثاق الفجر وجبت العودة  إلى القصر وهنا تضطر الراقصة الساذجة إلى الوقوف على عتبة الباب  منتظرة المعطف وهنا تحس وهي ترتجف أن نسيم الصباح الندي يلامس  كتفها العاري الفضيّ فيعقب الغد الحزين واليوم الكئيب ليلة الرقص الهائجة! وداعاً أيتها الرقصات الصبيانية، وداعاً أيتها الزينة؛ أيتها الحفلات الجميلة، أيتها الأغاني العذبة، واللذائذ الحلوة،  والعيون المشرقة!

فلقد خلفتكنّ جميعاً عيون منطفئة، وأدواء معضلة

-  ٤ -

ماتت فتاتنا - وما جاوزت ربيع الخامسة عشرة من عمرها! ماتت في وفرة شبابها، وروعة جمالها، بين نظرات تعبدها،  وعيون تقدسها ماتت على أثر خروجها من حفلة راقصة، فتفتت أكبادنا حسرة عليها؛ ولبسنا لباس الحداد من أجلها ماتت وا أسفاه! بين ذراعي أم ضاع صوابها وغاب رشادها، لم يرحمها الموت فانتزعها انتزاعاً بيديه الباردتين لكي يضعها  في القبر، وهي ما تزال في أهبة لحضور حفلات تالية لله ما أسرع الموت في اختطاف تماثيل الجمال!

.أما تلك الزهور التي كانت تزين بالأمس رأسها، وتتفتح  أكمامها على صدرها، فلقد ذبلت في الرمس، قبل أن تنشد فتاتنا  نشيد الهوى والعرس

-  ٥ - وا رحمة لأمها التاعسة! إنها تجهل حظها العاثر تلك الأم التي أضمرت لابنتها من الحب والحنان شيئاً عظيماً؛ ألم ترع طفولتها الشاكية الحزينة؟ ألم تقض لياليها ساهرة تهدهد لها المهد لتغفو وتنام؟ رحماك رب! لم يفدها ذلك. فالفتاة ماتت، وهي ترقد الآن في تابوتها القاتم شاحبة  اللون، كاسفة الوجه، فريسة للحشرات والديدان

فإذا ما أيقظتها في ليلة جميلة من ليالي الشتاء حفلة  خاصة بالموتى، تقدم إليها - ليتولى أمر زينتها - شبح رهيب  ذو ضحكة مروعة فيقول لها: هلمي حان وقت الرقص!

ويطبع على شفتها البنفسجية قبلة باردة جليدية، ويمر  أصابعه العقداء، أصابع هيكل عظمي، على خصلات شعرها  الطويلة المتموجة، ثم يسوقها مرتجفة مهتزة، إلى الرقص النادب  المشؤوم، إلى تلك الموسيقى الجوية المتصاعدة في الظلام، حيث  يكون القمر في الأفق القاتم شاحباً عريضاً، وقوس قزح مصبوغاً

ببريق الياقوت والمسجد، وتكون الغيوم ذوات أهداب من لجين

-٦-

يا أيتها الفتيات اللواتي تشوقهن ملاهي الرقص الضاحك! لا تنسين تلك البنت الأسبانية التي انطفأت شعلتها إلى غير  عودة! ولا تنسين أنها كانت تنتقل من حفلة إلى حفلة باشة  فرحة، فتقتطف بيد مسحورة، أزاهير العمر العبقة، وتكسب  روحها لذائذ الحياة الطاهرة، وتملأ عينها بزاهي الألوان الساحرة على إنها مضت إلى عتبات الموت سريعاً، فقضت كما قضت  أوفيليا(١) التي جرفها السيل وهي تقطف الورد والزهور،  فراحت غريضة الشباب والجمال في ظلمات القبور

حلب

اشترك في نشرتنا البريدية