لا يمكن أن نفهم معانى ألفاظ اللغة العربية فهما واضحا دقيقا يستسيغه العقل ويستعذبه الذوق وتطمئن إليه النفس إذا لم يبين الأصلى والفرعى والحقيقى والمجازى منها .
ومعاجم اللغة جميعها قديمها وحديثها، من أكبرها وهو المحكم لابن سيده إلي أصغرها وهو مختار الصحاح للرازى، ما رتب منها على وفق الحروف كاللسان لابن منظور ومارتب منها على وفق المعانى كالمخصص لابن سيده، وضعها آحاد ولم يعنوا فيها بالتزام بيان الأصل والفرع والحقيقة والمجاز، إلا إمام العربية الأكبر الزمخشرى فى كتابه أساس البلاغة، فقد التزم فيه بيان الحقيقة والمجاز، وإلا الإمام أبا القاسم الراغب الأصفهانى فى كتابه المفردات فى غريب القرآن، فإنه النزم فيه بيان أصول الكلمات، ولم تخل المعاجم الأخرى من ذكر الأصل والفرع والحقيقة والمجاز، ولكن على قلة قد تبلغ حد الندرة .
والمراد بأصل الكلمة اللفظ الذى اشتقت منه جميع ألفاظ المادة من أفعال ومصادر ومشتقات قياسية وغير قياسية، واشتملت على أحرف الأصل ومعناه بصور مختلفة، وأصول الكلمات بهذا المعنى يعرفها علماء اللغات جميعا الآن، وقد عرفها علماء العربية منذ ألف سنة كما سيأتى .
وهذه الأصول قسمان : القسم الأول أسماء الأصوات مثل طق وهو حكاية صوت لوقع حجر على حجر، فإن ضوءف وقمه حكى يلفظ طق مضاعفا، فقيل طق طق، فقد اشتقوا منه فعلا فقالوا طقطق؛ وإذ كان الصوت الذى يحكى يلفظ طق من وقع حجر على حجر
او ضرب حجر حجرا فقد اشتفوا من هذا اللفظ لفظا آخر بزيادة راء فى الوسط للدلالة على الضرب بالحصى، فقالوا طرق إدا ضرب بالحصى للتكهن، وقالوا طرق الحداد الحديد والنجار الحشايا، وسموا آلات الطرق المطارق، وسموا الذى يأتى ليلا طارقا لحاجته إلى طرق الباب، أى ضربه أو دقه، وعلى هذا النسق اشتقوا من طق نطق وانطلق وغيرها .
قال إمام العربية البارع أبو الفتح عثمان بن جنى المتوفى سنة ٣٩٢ ه فى كتابه الخصائص : وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوى الريح وحنين الرعد وخرير الماء وسجيح الحمام ونعيق الغراب وصهيل الفرس وتزيب الغلبى ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد، وهذا عندى وجه صالح ومذهب متقبل .
والقسم الثانى من أصول المشتقات أسماء الأعيان مثال ذلك الضرع وهو من ذوات الخف والظلف كالناقة والشاة مدر لبنها كالثدى من المرأة، فقد اشتقوا منه أضرعت الناقة والشاة إذا نبت ضرتهمها أو عظم أو نزل لبنها من ضرتها، وإذ كان النصيل او الحمل حين يرضع بتصافر ويتحنى، فقد اشتقوا منه الضراعة بمعنى الخضوع والتذلل، فقالوا ضرع إليه بضرع ضرعا وضراعة إذا خضع وذل وكذلك تضرع؛ وإذ كانت ضروع كل دابة متشابهة حجما وشكلا اشتقوا منه المضارعة بمعنى المشابهة، فقالوا هذا يضارع هذا أى يشابهه .
هذان الأصلان وهما أسماء الأصوات وأسماء الأعيان، هما دون غيرهما أصول الكلمات؛ فأما أسماء الأصوات فكانت أصول الكلمات فى الطور الأول لنشوء اللغة وتكونها، فلما ارتقت وتجاوزت هذا الطور وأخذ الناس يضعون أسماء الأعيان لمسمياتها أصبحت هذه الأسماء أصول الكلمات، ألا ترى العرب هربوا اللجام واشتقوا منه فقالوا
الجم الفرس، وعربوا الطيلسان وهو ضرب من الأكسية، واشتقوا منه تطياست بالطيلسان أى لبسته، وعربوا السراويل واشتقوا منه، فقالوا سروله ألبسه السراويل فتسرول فلبسها.
أما قول البصريين : إن المصدر أصل المشتقات وقول الكوفيين إن الفعل أصل المشتقات فإنما خلافهم هذا على الأصل الذى تتصرف منه الأفعال وتشاقى منه الأسماء الشقة القياسية المشهورة، كاسمى الفاعل والمفعول وغيرهما، وإن كانت القواعد التى وضعت لهذا التصريف وهذا الاشتقاق ردتها كلها إلى الأفعال لا إلى المصادر. وليس هذا هو المراد من هذا البحث، إنما المراد هو الأصل الأول الذى اشتقت منه الأفعال والمصادر والمشتقات القياسية المذكورة وغير القياسية، وهما أسماء الأصوات وأسماء الأعيان .
وأماما التزمة ابن فارس فى كتابه المقاييس، وهو أن يذكر فى صدر كل مادة منه بعض الألفاظ أو العبارات التى تدل على المعنى الجامع أو المعانى الجامعة فى المادة، فليست هذه الألفاظ ولا هذه العبارات أصول الكلمات الواردة فى المادة، إذ ليست هذه الألفاظ إلا فى النادر من بنية ألفاظ المواد، مثال ذلك أنه ذكر فى صدر مادة فصح ما يأتي : خلوص فى شئ ونقاء من الشوب : فليس شىء من هذا من بنية فصح . وذكر فى صدر مادة فشا : ظهور الشئ، وفى صدر مادة فشق : المباغتة، والمباغتة ليست من بنية فشق وهكذا .
ولم يذكر ابن فار هذه الألفاظ والعبارات وأمثالها فى صدور مواد معجمه على أنها أصول تشتق منها ألفاظ المواد من أفعال ومصادر ومشتقات قياسية وغير قياسية، وإنما ذكرها على أنها تدل على المعانى الجامعة فى المادة، فمن الخطأ الواضع والعيب الفاضح أن نعيدها أصولا للكلمات . إن أصول الكلمات هي أسماء الأصوات فى أول نشأة اللغات وأسماء الأعيان بعد تقدم اللغة وارتقائها .
أما الفروع فهي ما ذكرنه غير مرة، الأفعال والمصادر والأسماء المشتقة بإطراد وبدون اطراد . أما الأسماء المشتقة باطراد فهى أسماء الفاعلين والمفعولين والصفات الشبهة وأفعل التفصيل واسما المرة والهيئة والمصدر الميمى وصيغ المبالغة كأ كال ومنحار وغفور وسميع وحذر وهمزة، و كصيغ التصغير والنسب والجموع وغيرها، وغير المطردة مثل كبار وفاروق وغيرها .
وأما الحقيقى والمجازى فجميع أصول الكلمات، وهى أسماء الأعيان حقيقية والفروع منها الحقيقى والمجارى، وأوضح ذلك بالأمثلة الآتية :
المثال الأول: مادة ف ك ه : أصل هذه المادة الذى اشتق منه جميع أفعالها ومصادرها وأسمائها هو الفاكهة . والفاكهة الثمار الحلوة كالتفاح والموز والتين وغيرها، وقد اشتقوا منه فقالوا : رجل فكه إذا كان يأكل الفاكهة، وأعتقد أن لفظ فكه مأخوذ من فكة الرجل بفكه فكها إذا أكل الفاكهه، وقالوا فكه القوم بالفاكهة يفكههم تفيبها إذا أتاهم بها فهو مفكه وهم مفكهون، فالفا كهة الأصل وهؤلاء الأفعال والمصادر والأسماء فروع من هذا الأصل .
وقد استعملت هذه المادة فى معني فرعى مجازي، فقالوا فكه الرجل بفكه فكها : إذا طابت نفسه ومزح، فهو فكه أى طيب النفس ضحوك، وقالوا فكه القوم بملح الكلام، أضحكهم وبسطهم بها، وفاكههم كذلك، وتفاكه القوم تمازحوا، وتفكهوا بعرض فلان تلذذوا باقتنائه والأفكوهة الملحة.
المثال الثانى : مادة أ ب ض : أصل هذه المادة الذى اشتق منه جميع أفعالها ومصادرها وأسمائها هو الإباض وهو الحبل الذى يفيد به اليمير، والإباض النسا وهو عصب طويل غليظ فى الفخذ والساق، وأرجح أن الإباض وضع للنسا أولا ثم للحبل ثانيا، وعلى كل حال الإباض أصل
المادة اشتقوا منه أبيض البعير بأيضه أيضا إذا شد بالإياض رسنه إلي عضده وهو قائم لترتفع عن الأرض فلا يستطيع السير ، والابض موضع الإباض ؛ وقالوا ابيض إاضه اي فساء وأبيض وتأيض إذا تقبض وشد رجليه فالإبااض عملية الأصل ، وهؤلا ، الأفعال وما يتصرف منها من افعال أخرى ومصادر وما يشتق من أسماء فروع لهذا الأصل ، ومن المجاز في هذه المادة قولهم للغراب : متأيض النسا . اي الإباض ، لأنه يحجل كأنه مأبوض
المثال الثالث : مادة ن ف ق : أصل هذه المادة الذى اشتق منه جميع أفعالها ومصادرها وأسمائها هو النافقاء والنافقاء والقاصعاء من أسماء جحر اليربوع، وأصل القاصماء مدخل الجحر يسده بالتراب والنافقاء مخرج سرى وهو جزء من الجحر يرفقه، فإذا هوجم من ناحية القاصماء ضرب النافقاء برأسه وخرج وذهب، وقد اشتقوا من النافقاء، فقالوا نفق اليربوع ونفق وانتفق ونفق خرج من نافقائه وتنفقه غيره وانتفقه استخرجه منه، ونفق اليربوع تنفيقا ونافق نفاقا دخل نافقاءه ؟ فالأصل النافقاء، وكل هؤلاء الأفعال وما يتصرف منها من أفعال ومصادر وما يشتق من أسماء فروع لهذا الأصل.
وقد استعملت هذه المادة فى معنى فرعى مجارى ففى اللسان : نفق اليربوع ونافق دخل نافقاءه ومنه اشتق المنافق فى الدين، والنفاق فى الدين هو الدخول فى الإسلام من وجه والخروج من آخر، مشتق من نافقاء اليربوع، وفى المفردات : نافقاء اليربوع : وقد نافق اليربوع ونفق ومنه النفاق وهو الدخول فى الشرع من باب والخروج عنه من باب، وعلى ذلك نبه بقوله : " إن المنافقين هم الفاسقون " أى الخارجون من الشرع . وفى المخصص: وذكروا ان المنافق أخذ من التافقاء كأنه يخرج الإيمان من قلبه فيذهب م ٨ ص ٩٣ ص ٩.
المثال الرابع : مادة ع ص ا : أصل هذه المادة الذى
اشتق منه جميع أفعالها ومصادرها وأسمائها هو العصا، وهي العود، اشتقوا منه فقالوا : عصاء بالعصا يعصوه عصوا ضربه بها وعصى بها أخذها وعيمى يعصى إذا لعب بالعصا، واعتصى الشجرة قطع منها عصا، واعتصى على عصا توكأ عليها واعتصى العصا كذلك وعصاء عصا أعطاه إياها.
وشيهوا السيف بالعصا وقالوا عصى بسيفه وعصا به يعصو عصوا أخذه أخذ العصا أو ضرب به ضربه بها، وفلان يعتصى بالسيف أي يجعله عصا .
وكفوا بالعصا عن الضرب والعنف فقالوا فلان صاب العصا وصليب العصا : إذا كان عنيفا يضرب الإبل بالعصا، وهذا مذموم، ثم قبل إنه لصلب العصا أى أنه صلب فى نفسه وليس ثم عصا، وقالوا فى ضد ذلك : رجل أين العصا رقيق حسن السياسة قليل الضرب بالعصا وذلك ممدوح .
ومن الحقيقة عيصى الرجل فى القوم بعصاه يعصى أخذ يضرب فيهم بلا مبالاة، ولا يفعل ذلك إلا رجل خارج على العرف والطاعة، فهو عاص غير مطيع، ومن هنا اشتق العصيان فهو مشتق من العصا أو هو كما قال الإمام الراغب الأصفهانى فى معجمه مفردات القرآن : عصى يعصى عصيانا إذا خرج من الطاعة، وأصله أن يتمتع بعصاه . فعلى كلتا الحالين العصيان مشتق من العصا وليس لمادة ع ص ! أصل غير العصا وهى العود.
وأما ما يظن من أن الأصل يستعمل بمعنيين المعنى السائد فى المادة ومأخذ الكلمة، فأنى أعتقد أن المعنى السائد فى المادة ليس أصلا، وإنما هو معنى المأخذ نفسه، والمأخذ لا يمكن أن يكون أصلا لمادة إذا لم يكن معناه دائرا فيها، فأصل المادة شئ واحد لا اثنان، وهذا الشئ هو المأخذ، فالشد فى مادة أبض لبس أصلا لها، وإنما هو
مأخوذ من أصل هذه المادة وهو الإباض أى الحبل او النسا كما تقدم، والمصيان وهو المصدر ليس أصلا للمادة، وإنما هو مأخوذ من أصل المادة وهو العصا كما تقدم .
هذه هي اصول الكلمات وفرومها وحقائقها ومجازلتها وإن من أوجب الواجبات إذا أردنا أن تدرس اللغة دراسة مجدية نبلغ بها ما تريد من فهم معانى ألفاظها فهما واضحا دقيقا يستسينه العقل ويستعذبه الذوق وتطمئن له النفس أو تؤلف فيها تآليف على هذا النحو، أن ننشد هذه الأصول والحقائق والمجازات، وإلا كان عملنا تافها لا يستحق جهدا ولا وقتا ولا مالا ولا تقديرا .

