وقع الأطباء في ألسنة الكتاب والشعراء من قديم الدهر ، فمرة كانت أسماؤهم مقرونة باسم عزرائيل :
يمشي وعزرائيل من خلفه مشمر الأردان للقبض
ومرة كانت مقرونة بالفناء والهلاك :
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر اهون من بعض
وحينا كانت هذه الاسماء ملزوقة بالجهل المركب :
قال حمار الطبيب موسي لو أصفوني لكنت أركب
لأنني جاهل بسيط وراكبي جاهل مركب !
ولقد سلم الأطباء من شر المتنبي لما أصابته الحمي وهو في مصر ، فألهاه وصفه الدقيق للحمي عن بسط لسانه فيهم ، وإذا كان الطبيب الذي داواه قد جهل شيئا فقد جهل طبائعه
يقول لي الطبيب أكلت شيئا وداؤك في شرابك والطعام
وما في طبه أني جواد أضر بجسمه طول الجمام
قد تشتمل كتب الأدب علي اكثر من هذا الشعر في الأطباء ، إلا أنه لا يهمني في هذا المقال أن استقصي اقوال الكتاب والشعراء في الأطباء وإنما الذي يهمني أن اشير إليه أن الأطباء لم يتخلصوا من تهكم المتهكمين والأدب الذي لم ينفلت من سلطانه شئ لم تنفلت منه هذه الطبقة من الناس ، فلم يخل من صلة بالأطباء إلا القليل ، أو أقل من القليل . فمن منا لم يلجأ إلي طبيب ، من منا لم يمدح طبيبا ولم يذم آخر ، من منا لم يؤلمه تدجيل فئة من الاطباء ولم يرفع ذكر فئة اخرين ؟ فالاطباء لهم نصيب وافر من احاديثنا في مجالسنا ، إلا اني اريد اذكر في هذا المقال قليلا من نصيبهم من اقلام بعض كتاب الإفرنجية ، وحسبي منهم كاتبان : مونتان وفولتير .
عقد " مونتان احد كتاب العصر السادس عشر فصلا في كتابه الخالد ، تكلم فيه على قانون الإرث ؟ فالناس يرثون تقاطيع الوجوه والأخلاق من اجدادهم ، ويرثون الاستعداد للأمراض التي وقع فيها هؤلاء الأجداد وقد ورث " مونتان من أبيه وجده وأبي جد ، وجع الحصي في الكليتين ، وورث ، مع هذه الحصى احتقار الطب فقال :
ليعذرني الأطباء بعض المعذرة ، فقد ورثت بغض طبهم واحتقاره . .
ولم يكن الطب في أيام مونتان إلا عبارة عن جهل وعن تناقض . وعن تردد ، وهذه هي الأسباب التي حملت هذا الكاتب الخالد علي التعرض للأطباء ، وقد عاني في أواخر أيامه عذابا غليظا ، ولا يتسع هذا المقام لبيان ما ينشأ عن استقرار الحصي في الكلية من العواقب ، ولم يهتد الطب في أيام " مونتان " إلي تفتيت الحصي ، فلم يتح هذا السكين من أيدي الاطباء في عصره ، ولكنه لم يبلغ ما كانوا يصفونه له من المفتتات ، فلم يغض علي تدجيل الأطباء فقد سلقهم بلسان من حديد ، وحاول ان يأتي بالبراهين على بطلان فنهم ، وإليك جملة من براهينه . قال :
" عاش والدي أربعا وسبعين سنة ، وجدي تسعا وستين سنة ، وأبو جدي ثمانين سنة بوجه التقريب من دون أن يفزعوا إلي أي طبيب كان " .
وهو يتحدي الأطباء ، فهل يستطيعون ان يدلوه على أي بيت كان ، دخله الطب فاستطاع ان يذوق فيه طول الحياة ثلاثة من ذريته متعاقبون !
ما فائدة الأطباء في رأيه إذا كانوا عاجزين عن تطويل الاعمار ؟ وأقبح من هذا ان الأطباء يجعلون الصحيح سقيما حتى لا يجد فلتا من سلطانهم ؛ فهو يقول : لماذا لا نستغني
عن الطب ما دامت الأمم القديمة قد استغنت عنه وكانت صحتها حسنة
عاش الرومان ستة قرون قبل أن ينشأ الطب فيهم ، ولما عرفوا الطب وجربوه طردوه من بلادهم على يد كانون القديم فقد برهن كانون " على استغنائه عن الطب بعمره الطويل الذي امتد إلي خمس وثمانين سنة وبعمر زوجته التي بلغت اقصي الشيخوخة . ولئن لم تستغن عن الطب لقد استغنت عن الأطباء .
فكل شئ ينفع حياتنا إنما هو طب في رأي . " كانون "
على أن " مونتان " إن كره الطب فإنه لم يكره الأطباء فقد قال : إني أجل الأطباء لا لحاجة إليهم ولكن لحبي إياهم ، فأنا اعرف فيهم كثيرا من الشرفاء فهم يستحقون المحبة ، إنى لا أنقم عليهم ولكني انقم على فنهم
هل كان " فولتير أرأف بالطب والأطباء من " مونتان "
آمن فولتير بالطب ما دامت صحته جيدة ، وقد زاد إيمانه به لما مرض ثم صح ، وعمره يومئذ تسع وعشرون سنة ، ومدح الطبيب الذي داواه ، وصح على يديه ، فقد كان طبيبه لم يتخل عنه طرفة عين ، كان يراقب كل حركاته . ولم يصف له شيئا دون ان يبين له سبب هذا الوصف ، وقد نشأ له بعد البرء رأي وجيه في باب من ابواب الطب ، قال :
" يقول فلان : إن هذا الرجل قد نقه من مرضه بواسطة كذا . . وانا مصاب بالمرض نفسه ، فينبغي لي أن استعمل الدواء ذاته الذي استعمله . . فكم من رجل مات بسبب هذا الرأي ، لا يريد الناس ان يعلموا بأن
الأمراض التي نقع فيها تختلف بإختلاف تقاطيع وجوهنا .
فقد يرتطم المرء من حيث نجا غيره ، ويهلك الإنسان من حيث سلم اخوه ،
إلا أن " فولتير " لم يدم على هذه الآراء ، فلما أصابته آلام شديدة ، ولم يستطع الأطباء ان يشفوه منها ، احتقر طبهم وتولي مداواته بنفسه ، فتبع قواعد خاصة في شرابه وطعامه وأوصي أصدقاءه ، بهذه القواعد ؛ فقد كتب إلي إحدي السيدات فقال : إتركى الهم والطب ، فقد تركت الطب وصحتي حسنة . فأين مدحه لطبيبه القديم الذي داواه في شبابه واين مدحه للطب ؟ على انه لم يقاطع الاطباء دفعة واحدة ، فقد كان يرجع إليهم ويستشيرهم ، ولكنه لم يعمل بنصائحهم . كان يهتم بآرائهم وبحوادثهم ، ولكنه لا يؤمن بأدويتهم ، فلم يكن مريضا يصغي إلي الطبيب ، ولكنه كان فيلسوفا يحكم ويستهزئ ولم يخلص من شره ابرع الأطباء فالطبيب الفلاني شفي المريض من مرضه لأنه لم يصنع به شيئا
كان يشكو وجعا في المعدة والأمعاء ، فالدنيا في نظره لا تعدل معدة صحيحة ، وقد كتب إلي سيدة ممعودة فقال : معدتك تشبه معدتي ، لقد جربت الماء البارد والماء الحار ، وجربت ضروب القواعد ، الحسنة منها والسيئة ، ووقعت في أيدي الدجاجلة والأطباء والطهاة
فمن ذكره للأطباء في جنب الدجاجلة والطهاة يعرف القارئ مقدار رأيه في الطب والأطباء في آخر عمره !
وعلى الرغم من اوجاعه عاش اربعا و ثمانين سنة
(دمشق )

