الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 618الرجوع إلى "الرسالة"

الأطياف الأربعة

Share

أخرجت لجنة النشر للجامعيين أخيراً كتاب   (الأطياف  الأربعة)  للأخوة الأربعة الأساتذة حميدة وأمينة ومحمد وسيد قطب

(كتاب كتبه أخوة في الدم، أخوة في الشعور، كلهم  أصدقاء، يقطعون الحياة كأنهم فيها أطياف، هم أنفسهم كل ما  يملكون في الكون العريض. إنهم أبداً يحلمون وقد يتفزعون  في الحلم ولكنهم إليه يعودون. أودعوا خطراتهم صفحات هذا  الكتاب، فاحتوى عصارة من نفوسهم وظلالاً من حياتهم)

يصف الأدباء الأربعة صوراً خبروها في حياتهم، وحوادث  مرت بهم، بعضها يبعث على الأسى، وبعضها يكتنفه الأمل  وبعضها يستدر العطف. لوحات فنية رسمها كل منهم بريشته  الخاصة وتفكيره الخاص فأخرجوا منها مجموعة يصح أن تزين  معرضاً. لقد كشف ذلك الكتاب عن أسرة تعيش في دنيا

الأدب، يرتفع أفرادها مرة إلى أفق الخيال البعيد، ثم يهبطون إلى  دنيا الحقائق الملموسة، وما يلبثون حتى يحلقوا قي عالم الأطياف والرؤى أهدى المؤلفون كتابهم إلى   (أماه)  التي عاشوا وهي معهم  غرباء في القاهرة، فلما مضت عنهم تفرقوا في الكون العريض  كتابات ضالة ليس لها جذور، وأطياف هائمة ليس لها قرار.  ولقد اتصف الصديق الكريم الأستاذ سيد قطب بالوفاء وتسربل  بالإخلاص. وتلك الصفة وذلك اللباس يتجليان رائعين فيما  كتب من فصول عن (أماه تلك الملهمة التي لا يفتأ الأستاذ  قطب يردد ذكراها ويحس بالوحشة إليها. وما أجمل اللوحة التي  أبدعها قلمه حين قال مخاطباً إياها   (قفي. . . قفي نصمد لعجلة  الزمن العاتية كي لا تدور فتسحق كل عزيز وتدفن الماضي الذي  نعيش على هداه. ظللي يا أماه حياتنا بجناحيك الرفيقين، ولا  تحسري هذا الظل عن مواقعه التي تفيأناها. عيشي معنا يا أماه  في هواجسنا وأفكارنا، ولا تبالي أن يلذعنا ألم الذكرى كل  لحظة، فهو ألم رفيع عزيز، يغذي من نفوسنا ما كان يغذيه عطفك،  ويملأ من وجداننا ما كانت تملؤه رعايتك. جنبينا الفراغ القاتل،  والسلوى الرخيصة. . . يا أماه) .

والحق أن كتاب     (الأطياف الأربعة)   ممتع يلتذ القارئ  بقراءته حتى ليكاد يستعيد بعض فصوله مرات ومرات؛ فإن  الصور الخاطفة التي ساقها مؤلفوه، والمشاعر السامية التي أودعوها  صفحاته، والتحليلات النفسية البارعة التي عرضوها فيه، دلت  على قدرة مشاعة بين أخوة أربعة، وفطنه مشتركة بينهم، ولباقة  أدبية يتميزون بها ويتحلون.

غير أنني أريد أن أهمس في آذان الكتاب الأفاضل، ولا  اظنني متحاملاً عليهم، إن مصنفهم اتشح بالسواد واكتنفته  مسحة قاتمة من الحزن تكاد تبلغ مرتبة التشاؤم. حتى الغلاف  لم يسلم من ذلك الخمار الأسود القائم يجلل صدره. أما كان يجدر  بهم أن يضيفوا إلى     (الأطياف الأربعة)   طيفاً خامساً مرحاً أو  باسماً؟ أما كان من الأفضل أن يكون الكتاب معرضاً لصنوف  المشاعر، بين فرح وحزن، وابتسام وعبوس، وجمال ودمامة؟

والكتاب فيما عدا ذلك قطعة أدبية فنية رائعة، تحس حين  تقرأه اتساقاً وانسجاماً بين فصوله المختلفة تفصح عن مكنونات  قلوب كاتبيه السمحة، وميولهم الأدبية الرفيعة.

اشترك في نشرتنا البريدية