قرأت لأعرابية قديمة قولها: أظل ارعي وأبيت أطحن ... والموت من بعض الحياة أهون فقرأت في إيجازه البليغ كتاب عيشها المفعم بالكدح والشقاء، وألفيت في وصفها لحياتها وصفاً صادقاً لحياة أعرابية اليوم هزني هزاً فقلت
(أظلُّ أرعى وأبيت أطحن) ... ليليَ كَدْحٌ ونهاري شَزَن1
يَطْوي حياتي بالشقاءِ الزمن ... (والموت من بعض الحياة أهون)
يا ليت شعري والورى تمتحن ... تسوؤها الأيام ثم تحسن
أكلَّ دهري ارتعي وأطحن؟ ... يُسْلِمُني ذاك لذا ويَقْرِنُ
ما طلعت شمس ووافى مُدجن ... أما بدهري ليَ يومٌ أيمن؟
لا أضطني فيه ولا أمتهن؟ ... أذوق فيه العيش وهو ليّن؟
أَقِيلُ في هجيره وأسكن! ... ويحتويني الليل وهو محسن؟
فيلفيَ الراحة جسمي الضمن؟ ... وتطعم السهاد مني الأجفن؟
لُماظَةً تُريحني يا وسن ... ولَفْتَةً تُسعدني يا زمَن
لم أدر ما العيش ولا ما السكن ... لكنه شيءٌ رَوَتْهُ الألسن
جَهِلتهُ وإن وَعَتْهُ الأذُنُ ... هل لي أن أدري ما لا أزكن؟
سلني عن البؤس، فعندي العلن ... من أمره والباطنُ المكتمنُ
إن فؤادي للهموم موطنُ ... فَهْوَ بها مُحَنَّطٌ مكفَّنٌ
ينحت جنبي الضحى والموْهن ... كأن صرف الدهر بي مرتهن
كم أكلتْ قلبي الرحى إذا أطحن ... وبَتَّ تأوينيَ هذا الشزَن2!
عشيري البَهم وداري الدِّمن ... وزاديَ الجشب ووردي الآجن
ثوبيَ أسمالٌ وجسمي دَرِنُ ... أَرْحَضُهُ بعَرَقي فيأْسَنُ
وأرفأ الجيب فيهرا3 الرُّدُنُ ... لكن عرضي وافرٌ لا يمهنُ
أبيض لم تَلُثْ نقاه الظِّنَنُ1 ... حَسْبُ الحصان2 أن تطيب الألسن
بها فلا تزُنّها3 أو تطعن! ... تجوع بنت يَعْرُبٍ وتغبن
وهي على لؤم الزمان تحصِن! ... رجنت يا ليل فلسْت تظعن4
قل لي متى أنت بصبح مؤذن؟ ... أأنت دهر في الظلام مُمْعِن؟
أم صبحُكَ المشرقُ يومَ أُدْفَنُ؟!

