لا نريد أن نقول أن فن القصة القصيرة الذي ولدته ظروف معينة مرت بأوربا فن مستحدث في أدبنا ككل لون فني جاءنا ضمن ألوان الثقافة الغربية، ولكنا نريد أن نسجل ظاهرة غريبة هي أنه رغم الأزمة التي يعانيها هذا الفن هناك، فأنا نجده هنا يلقى انتعاشا كبيراً عند آبائنا الشيوخ والشبان على السواء. وليس لهذه الظاهرة من تعليل سوى أن هؤلاء الأدباء يمرون بالحالة التي ولدت هذا اللون من الفن بأوربا.
نسوق هذا الكلام بمناسبة كتاب (الأعماق) - آخر مجموعة من القصص القصير ظهرت لعبد الرحمن الخميسي وذلك حتى نتبين دوافعه إلى كتابة القصة وطريقته في كتابتها وأسلوبه فيها وتحقيقه لها.
وكل من يقرأ هذه المجموعة يدرك أنها سجل تجارب مؤلفها في الفن. فالقصة الأولى قصة شاعرة وتتلوها قصة مؤلف موسيقي وقصة ممثل. ولا أدري لماذا وقف الكاتب عند هذه الفنون ولم يتناول بقية الفنون الأخرى! أهو ارتباطها بالجو القصصي؟ أم أن المؤلف لا يريد إلا أن يصور التجارب التي مرت به والفنون التي عالجها؟.
ولعل مما يؤكد الرأي الأخير العنوان الذي اختاره لكتابه ليدل به على محاولته في الاستبطان (Introspection) والوقوف عند تصوير الحالات النفسية للشخصيات التي يعرضها. وسنناقش هذه المسألة بعد أن نقول إنه لا يقف عند رجال الفن ويترك سواهم من رجال المجتمع بل إنه ليتناولهم ومجتمعهم من خلال نظرته إلى الفن والفنانين.
أما الاستبطان فيحتاج إلى وقفة كبيرة يحسن أن نترك ضيحها للمؤلف الذي يرى أن القصة جولة نفسية لا تتحقق إلا إذا استحضر القصاص إلى خياله حالة شعورية لبطل القصة ينزلها
إلى وجدانه ويديرها في أعصابه وذهنه. حتى لينقلب الكاتب إلى شخص آخر. . وأن عليه بعد أن يخرج من ذاته. أن يصبح شخصين. ولا يستطيع الناقد إلا أن يقف عند هذا التعريف لأن المؤلف ينقد نفسه ويحدد اتجاهه، وهو اتجاه طيب إذا نظرنا إلى سيل القصص الذي أخذت المكتبة العربية تغص به، لأن أصحابه لم يتحددوا بعد ولم يقفوا جدياً عند اللون الفني الذي يتفق وإمكانياتهم.
أما (الخميسي) فله شأن آخر: فهو حين بدأ حياته الفنية كان يصوغ تجاربه النفسية قصائد شعرية، ولم يتزحزح عن موقفه في كل ما كتب حتى إننا نستطيع أن نقول دون تحرز أن قصصه ذات طابع شعري، وأن القصاص فيه امتداد للشاعر القديم مع تغير الشكل الفني - هذا الشكل الذي أمده به الأدب الأوربي الحديث والذي يبدو وعي المؤلف به واضحاً حتى أنه حين يؤرخ المجموعة في مقدمة الكاتب يروي هذا التاريخ بشكل قصصي بديع، بل أنه في أكثر قصصه يمهد لجو القصة بخلق راو لها يكسبها طابع الحكاية الفنية. ثم لا يقف عند هذا بل أنه يبدأ القصة من قمتها حتى يثير شوق القارئ إلى متابعته في روايتها، ويظل في إثاراته للقارئ، بأن يملأ القصة بالمواقف والعقد حتى ليقطع بالقارئ شوطاً طويلاً تنبهر فيه أنفاسه - أن لم تتقطع. ولكنه رغم ذلك يظل محتفظاً بالقارئ إلى آخر الرواية دون أن يدعه يفلت من يده حتى يشهد له بأنه كامل السيطرة على طريقة أدائه للقصة. وهو إذ يصنع كل هذا لا يصطنع الرواية كالكتاب الذين يفتعلون جو القصة حين يسيرون حسب قواعد البناء القصصي المحبوك، بل لأن القصة تعيش في نفسه وتمسك به دون هوادة إلى حد يدفعه إلى أن يظهر نفسه بأن يكتبها يرويها لغيره. ولهذا تراه يبدأ الكثير من قصصه من النهاية حتى يعيش القارئ التجربة معايشته الزمنية لها في اللحظة الصادقة التي يكتبها فيها. ولا نريد أن نقول إن هذا أسلوب العصر الذي
نعيش فيه ونستشهد بالقصة السينمائية - آخر أشكال القصة الفنية، ولكنا نقول أن هذه هي الرواية وهذا هو فن الراوي الصحيح. ويحق لنا وقد أبدينا إعجابنا ببدايات قصصه أن نتناول بالتحليل طريقة إنهائه لها. وهنا نجده يجعل تلك النهايات في بعض القصص نهايات حاسمة ليس فيها فرجة يستطيع القارئ أن ينفذ خلالها. وهذه طريقة يخرج عليها في بعض القصص الأخرى ولا يسعنا إلا أن نشير عليه بضرورة استمراره في الطريقة السليمة التي تجعل القصة مفتوحة أمام القارئ بما تحمله من عناصر الرمز والإيحاء.
ونخلص من الشكل الفني للقصص إلى الجانب الموضوعي فيها فنجد أنه يخشى أن يفوت القارئ ما ترمي إليه القصة من فكرة، ولذا نجد عنصر الفكر واضحاً في قصصه حتى إنه يقول في المقدمة "كل ما أرجو هو أن أكون قريبا من جوهر الفن. من حقيقة الفكر. . وعندئذ تهون كل قرابين الحياة" ورغم أننا لا نستطيع أن ننفي أن الأدب فيه جانب فكري فإن المؤلف لا يفكر أن القصة موضوعها الحياة، والحياة أرحب من أن تضغطها فكرة.
وندع هذا كله لتنتقل إلى مضمون القصص نفسه، ومعظمه يدور حول اليأس والانتحار والموت: فهذه "رسالة المنتحرة" و "رأيت بعد موتي" و "ليتني ما كنت" و "الموتى يتحكمون في الأحياء" الخ. . . وهذا تشاؤم أملاه التزامه لجانب الفكر وطلبه لأعماق المجتمع الذي تتحرك فيه شخصياته. ومن هنا تراه يهتم بالواقع النفسي لهذا المجتمع ليصور من خلاله واقع الناس. وعالم الأعماق مهما كان الكاتب موضوعياً في تصويره فإنه لا يستطيع إلا أن يقدم نماذج من الشخصيات القريبة إلى نفسه، ولا يستطيع إلا أن يلونها بألوان هذه النفس. ولكن المؤلف استطاع أن يخرج مع كل ذلك بأن ابتعد عن الرموز والغوامض التي تهوم في عالم الأعماق السحيق.
ويأتي بعد ذلك الأسلوب وهو أسلوب مشرق يغلب فيه ضمير المتكلم بحكم أن عالم الأعماق لغته الأنا ولا بدمعه من تقديم المونولوج الداخلي الذي تمتلئ به نفوس الشخصيات وتجد ألا
مندوحة لها عن الإفضاء إلينا به. وهنا نجد المؤلف يصل إلى القمة التي يهدف إليها من تقديم هذا اللون النفسي من القصص. وعبد الرحمن الخميسي الذي لم يقفز إلى عالم القصة طفرة كما قفز سواه - بل دخله دخولاً طبيعياً: بعد أن عالج الشعر وأعاد صياغة بعض قصص ألف ليلة، قد حقق بهذه المجموعة القصة الفنية كأحسن ما تكون القصة في المادة والشكل.

