وبدأت الألعاب الأولمبية عند استكمال البدر الأول بعد الانقلاب الصيفى ، أي بعد استواء الليل والنهار طولا في الحادي والعشرين من يونيو ، أي في عز الصيف والصيف في تلك العصور القديمة هو الصيف في هذه العصور الحديثة ، أعني أنه في أوربا فصل الشمس وفصل الحروب معاً . فالألعاب الأولمبية كانت تأتي والحرب الدائمة بين الإغريق قائمة ، فتفرض علي دولهم شهر الحرام ، فتضع الحرب أوزارها وتسكن السيوف حيناً في أغمادها ولعل من أجل هذا أن الإغريق ، لما أنشأوا نسخا ثلاثًا اخري كبري من تلك الألعاب الأولمبية ، تنعقد على نمطها كل أربع سنين ، جعلوها تتوالي في سنوات متعاقبة ، حتى يكون في كل سنة منها شهر حرام ، فتكون الأشهر الحرم في كل السنين . وجعلوا لكل من هذه الألعاب ربا يحميها ، توكيدا للطاعة وحقنا للدماء .
وشغلت الألعاب الأولمبية النصف الأول من هذا الشهر الحرام . وملأوا النصف الثاني بالتعبد ، فضحوا الأضاحي وسيروا المواكب للمعابد ، واتخذوا من قدسية هذا الشهر فرصة لعقد الأحلاف بين طوائفهم وشعوبهم . فإذا تحالفت طائفتان أعلنتا حلفهما في تلك المجامع حتي تكون عليه شهود لاعد لها ، ثم هما نقشا صيغته على عمود من حجر ليكون شاهد صدق في الغد إذا عزت الأشهاد ، وقد يصدق الحجر الميت وتكذب الأحياء .
ويحضر المتنافسون في الألعاب إلي أولمبيا قبل هذا الشهر الحرام بأشهر ، ليتسع لهم الزمن للتدرب . وكان لهم مكان خاص للتدريب سموه الجمناسيوم Gymnasiam .
وهو تدرب لا غناء عنه للاعب . ويحضر أيضاً قضاة الألعاب زمانا قبل الموعد المضروب ، وهم ثمانية ، يقيمون في خيام بيض ثمان ، يختارون من عشائر الآبليين الثمان والأيليون قريش الإغريق .
وتمر الأشهر وتقترب الأيام الموعودة ، فيؤذن المؤذنون في جنبات البلاد بأن هدنة الله جاءت ، والزمن الحرام حل ، والحرب كائنةً ما كانت لا بد واقفة ، وأن اتخذوا وجهتكم أيها الإغريق نحو الأرض الحرام من أولمبيا . وتزيد الأيام الموعودة اقترابا فتري الطرقات قد ازدحمت بالقبائل تأتي من كل فج ، وهي تنحدر إلي تلك البقعة الخضراء من ذلك السهل الواسع في غرب البلاد . وعلي اختلاط تلك الجموع لا تعدم أن تتبين العين فيهم رسل الدول الإغريقية في عرباتهم الرسمية ، عليهم حلل وظائفهم ، وإلي جانبهم الأضاحي والقرابين .
ويطلع فجر اليوم الأول من تلك الأيام فيذهب المتبارون قبل كل شئ إلي حيث القضاة ، وفي حضرتهم يقيمون الدليل ويأتون بالبينات علي صفاء دمائهم الإغريقية ، فلم يكن يقبل لدخول تلك الألعاب إلا كل إغريقي عريق . ثم هم يشهدون الأشهاد على بياض صحيفتهم الدينية ، وصحيفتهم المدنية ، وانهم بريئون من الدم عند الله والناس . وتضحي الأضاحي أمام القضاة فيضع المتبارون أيديهم عليها ، ويؤدون الشهادة من فوق الدم الجاري بأنهم قضوا عشرة أشهر كاملة غير مقطوعة يتدربون في الجمناسيوم ، ويأخذون عهداً على أنفسهم أنهم في الألعاب القدسية التي ستكون لن يخدعوا أو يختلوا ثم هم يسيرون إلي الملعب ، ويسمونه إستاديوم Stadium ، وفيه يخلعون ثيابهم حتى جلودهم ، فيكونون عرايا كما نزلوا من بطون أمهاتهم . ولم يكن يؤذن للنساء بدخول الملعب أبداً ، فمن دخلته منهن حق عليها الموت .
ويقف المتبارون على الخط الذي منه يبدأ السباق . وعندئذ
ينادي المنادي في الناس أن يتحدوا في المتسابقين أي لاعب فسد دماً أو ساء خلقاً . فإن صمتوا نفخ في البوق فبدأ السباق . وهكذا ينتقلون من سباق إلي سباق ، ومن مباراة إلي مباراة ، يوما بعد يوم ، حتى تتم الأيام وتفرغ الألعاب .
وكان من أخطر مباراتهم سباق الجري ، قصيره وطويله . وتفننوا فيه ، فكان منه ان يتسابق المتسابقون في دروعهم الكاملة وهي من حديد .
ومن مباراتهم النط ، وقد يزيد المتباري اندفاعه فيه بأثقال من حديد يضعها في يديه ، ثم يديرها بساعديه ، ليقذف بها إلى الإمام ويقذف جسمه معها ، فيبلغ بالنط طولا علي الأرض لا يبلغه بدون أثقال .
ومن مباراتهم المصارعة ، وهي كمصارعة اليوم ، إلا أن الفتي المصارع كان يدهن جسمه بالزيت ثم ينثر عليه الرمل ، وكانت غاية كل مصارع أن يلصق أخاه بالأرض
فان فعل ذلك ثلاثا كانت له الغلبة . ولم يكن له ، كما هي الحال اليوم ، ان يذهب بالصراع وراء ذلك ، فيستمر المتصارعان فيه وهما علي الأرض طريحان .
ومن مباراتهم الملاكمة ، ولم تكن تختلف كثيراً عما نعلم منها ، إلا أنـهم كانوا علي الأرجح يلكمون الوجه من جوانبه . ولم يكن يباح القتل في الملاكمة إلا أن يكون غير مقصود ، فمن أثقل على خصمه حتى افترسه كان جزاؤه الطرد والعقاب الشديد .
ومن مباراتهم رمي الأقراص الثقبلة والقذف بالحراب .
ومن مباراتهم سباق الخيل ، وسباق العجلات تجرها الجياد . وكان لها مكان خاص يسمي الهيبودرومس Hippodroms , ومعناها مجري الخيل . وكانت وكانت حظيرة طولها نحو من ٣٠٠ متر في أكثر من مائة عرضا - يقسمها على طولها جسر من التراب ، يفصل رائح الخيل وغاديها . وكانت العجلات تجرها الجياد العتيقة
مثني ورباع . وقد يستعاض عن الجياد بالبغال وكل في حياة الناس نافع . ولم يكن يدخل هذه المباراة إلا الأثرياء لفداحة نفقاتها عند السباق وقبله ، ثم من بعده . فكانت رهان الملوك والأقطاب ، يحضرونه أو هم ينيبون فيه عنهم النواب .
وكانت جائزة الفائز تاجاً من ورق الزيتون ، يرفعه القاضي من فوق منضدة من ذهب وعاج . فيضعه على رأس الفائز ، ويضع في يده سعفة من نخيل وينادي المنادي في الناس ، فيعلن اسمه واسم آبائه واسم دولته . ويأخذ مكانه في الموكب وهو يسير إلي معبد زيوس ، فينثر أحبابه عند قدمة الأزهار ويغنون في تمجيده الأغاني وينقش اسمه في سجل الإغريق . فإذا هو عاد إلي بلاده بدأ التكريم من جديد . وكان الأتينيون يمنحون أبطالهم خمسمائة دراخمة وطعاما بالمجان في مضيفة الدولة طول الحياة . وكان الأسبرطيون يمنحون أبطالهم مواضع الشرف من القتال ثم يأتي دور الشعراء فيخلدونهم في الشعر . ثم يأتي دور المثالين فيخلدونهم في الحجر .
وعند المثالين نقف مهلة . ونقفها لنقول إن تلك الملاعب كانت مصدر الوحي في النحاتة عند الإغريق . بل هي أصل النحاتة وأصل هذا الفن الجميل عندهم فمثّال اليوم إذا شاقه الفن جاء بأنموذج من بني الناس ، ذكر أو أنثي ؛ وفي معزل عن أعين الرقباء عراه ، وظل ينقل منه عاريا معني ما يري من جمال . وما هكذا كان الحال عند الإغريق . فما كانت تنقصهم النماذج في تلك الملاعب واللاعبون فيها دائماً عراة. عراة في استحمامهم ، عراة في تدريبهم ، عراق عند السباق والجموع محتشدة فما كان على الفنان إلا أن يرتاد تلك الملاعب في مواسمها ، وفيها بري أحسن صور الإغريق في شباب وقوة . وهو لا يراها رؤية الحجر ، بل يراها في حركتها ، وفي سكونها ، وفي ارتخائها وفي تصلبها ، وفي تطاولها
وتقاصرها ، ويراها وهي قائمة وقاعدة ومستلقية . فيري فيها مظاهر الحسن فيقتبسه . ويري فيها مظاهر القبح فينتبذه .وقليلا يا وجده في تلك المحاشد فالشباب والفتوة إذا اجتماعا في خلق الله لا ينتح منهما إلا الجميل .
من أجل هذا كان أول صور الإغريق في الحجر صور الذكور العارية وقد ظلت هكذا خير صورهم حتي في أوج الفن وازدهاره عندهم بين القرن الخامس والرابع قبل الميلاد . ففنهم الحجري هذا كان فنا رياضيا بدنيا .
وقد يمج الذوق الحاضر بؤية تلك الصور الماضية تعريها عريا كاملا فاضحاً . ولكن ذوق ذلك الزمان كان غير ذوق اليوم . فما كان ذلك الذوق يري في العري معرة أو يرى فيه انفضاحا ، إلا أن يكون العرب في عارية . فالنساء مثلوهن في الحجر ولكن في ثياب . وبرعوا في تمثيل الثياب وتصوير طياتها وشفها وانسجامها تمثيلا
رائعا . وذلك أن النساء كن في عزلة في ذلك الزمان ، فلم يكن يغشين تلك الملاعب . ولم تكن امرأة محترمة تظهر في حمام عام ، وبقي اكتساء النساء في الحجر حتي جاء المثال إيرا كستليس Praxiteles في القرن الرابع قبل الميلاد ، فخرق العرف ، وصور امرأة عارية ، هي الآلهة أفروديت Aphrodite , بنت الإله الأكبر زيوس ،
أفروديت ، وهي غير المذكورة في المقال ، وعريها غير كامل فضرب للإغريق مثالا للجمال الأنثوي أشجاهم إشجاء نسوا معه أن عري النساء مما لا يجـــــــــــــمل إعلانه هذا الإعلان وإشاعته في طبقات الناس وهم مشارب مختلفة وأخلاق متباينة . ومن بعد هذه صار عري النساء في الحجر عادة .
ومن عجيب أمر الإغريق أنـهم مجدوا الجسم الإنساني تمجيدا لم يضارعهم فيه من الأمم القديمة والحديثة مضارع . إن الجمال في عصرنا الحاضر جمال طبيعة ، جمال جبال ووديان ، وجمال سماء وماء ، وجمال شمس غاربة وقمر مشرق . وهو جمال الشجر والزهر ، والفراش والطير ثم هو يمتد ، ولكن من بعد ذلك ، إلي جمال الحيوان ،
فيجد الجمال في الكلب والخيل ، فإن وصل إلي الجمال الإنساني تركز في الوجه واليدين . وما هكذا كان الجمال عند الإغريق . لقد كان جمالا في نظرنا مقلوباً فبؤرة الجمال عندهم جسم الإنسان - ساقاه وفخذاه وساعداه ؛ وجذعه وعضله في تقبضه وانبساطه . ثم يأتي من بعد كل هذا الوجه . ثم يأتي من بعد كل هذا جمال الحيوان والنبات والأرض . فجسم الإنسان أول وتلك ثوان .
قال أفلاطون في جمال الأشياء : " إن الجمال في الطبيعة الجامدة جمال مبهم لا يلم علمنا بدقائقه ، فإذا صوره مصور لم نستطع أن نمتحنه عن قرب ، أو ننقده عن خبرة فنرضي عندئذ بصورة منه مبهمة . أما إذا صور المصور أبداننا ، أدر كنا سريعاً مواضع الخطأ في تصويره . فلكثرة ما رأينا هذه الأبدان ، ولكثرة ما تأملناها ، صرنا نقادا قساة لمن لا يحسن هذا التصوير إحسانًا كاملا . "
وأين كثرت رؤيتهم إياها ؟ وأين كثر تأملهم أياها ؟ في الإستاديوم ، معرض الفتوة في الفتيان ، ومهبط الوحي للفنان .

