الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 51الرجوع إلى "الثقافة"

الألغام أو الموت العائم

Share

عادت الألغام إلى الظهور ، وامتلأ البحر مرة أخرى بهذا الموت العائم ! لقد كنت طوال الحرب الأخيرة أقود السفن ذهابا وجيئة وسط لجج مفعمة بالألغام ، وكان للحلفاء ألغام مبثوثة ، فى وسطها طرق ومعابر تحرسها المدمرات ، وكانت المساحة الملقمة تبدو فى صورة موج هادئ برئ ، ومن تحته من المفرقعات ما يكفى لاغراق عشرة من أكبر الأساطيل وأعظمها : كان تحت الموج عشرات بل مئات من الألغام ، وليس فى مظهر الماء وشكله ما يسترشد به الربان الحائر ، وهو واقف على جسر سفينته المشحونة بأنواع الحبوب والمآكل ، يحدق فيما أمامه من الزبد الطافى واللج المائر ، فلا يهديه طرفه إلى شئ . وإذا صوت كصوت الرعد ، وبركان من الماء الثائر وفجوة واسعة الشدقين ، قد بدت في جانب الباخرة ؛ وإذا الهلاك قد حل بسفينة عظيمة ، وحمولة من الطعام ثمينة ، ولئن أسعد الربان الحظ ، فقد يجد الوقت الكافى لانزال زوارق النجاة إلى الماء .

وفى الحرب الأخيرة قد فقد الحلفاء والمحايدون من السفن ماحمولته خمسة عشر مليون طن . أكثرها ذهب ضحية الألغام ، وكان المفقود فى المدة من مارس إلى يونيو سنة ١٩١٧ وحدها محو مليونين ونصف مليون طن !

يزن اللغم المغمور (أي العائم تحت سطح الماء ) نحو ثلثمائة رطل ووزنه مع ثقالته نحو ١٤٠٠ رطل ، ويتصل بكل لغم أهداب دقيقة حساسة طويلة قد يبلغ طولها عشرين مترا طافية على صفحة الماء ، ويكفى أن تمس الباخرة أحد هذه

الأهداب ، حتى يقضى على سفينة جميلة ، ويضيع معها أحيانا عدد من كرام الملاحين .

في الحرب الماضية كان الألمان يستخدمون الغواصات التى من المرتبة الثانية لبث الألغام العائمة فى مسالك الملاحة المطروفة ، وفى أى مكان يظن أن البوارج البريطانية قد تجتازه ، ولقد يحدث أحيانا أن تقبل غواصة تحت ستار الليل لبث ألغامها ، وبينما هى منهمكة فيما هى فى سبيله ، إذا شعاع باهر من النور ينمرها ووابل من القنابل ينصب عليها من البارجة المختفية ، وهناك تغرق الغواصة بمن عليها في مثل لمح البصر ، ويكون الحظ فى هذه المرة فى جانبنا ، وقد وقينا بهذا شر مئات جديدة من المنايا العائمة التى تهدد الربان المسالم بالويل والثبور .

على أن الألغام قد الحقت بنا فى تلك الحرب ضررا طبقا ؛ وحسبنا أن نذكر مثالا واحدا وهو السفينة همستير التى كانت نقل اللورد كتشنر ، وقد غرقت بسبب لغم أصابها . ولقد كانت البوارج البريطانية التي أغرقتها الألغام أكثر عددا مما أغرقته القنابل والطربيد . ولكن الخسارة لم تحل كلها بفريق واحد ، فقد استطعنا نحن أيضا أن نغرق مائتين من غواصات العدو . وقد هلك أكثرها بسبب ألغامنا .

كلفت مرة فى الحرب الماضية أن أقود سفينة محملة ديناميت من انكلتره إلى بمباى . وحدث ما شئت هما جاش بصدرى من العواطف حين طلب إلى أن أقوم بهذا الواجب ! فقد كانت الغواصات فى البحر الأبيض

المتوسط كالأسماك احتشادا ، والألغام تسبح فى كل مكان كأنها الأعشاب فوق صفحة القدير . ومع هذا لازمنى الحظ الحسن ، ووصلت بسلام . وعند ما ألقيت المراسى في مرفأ بمباى أخذ رجال السلطة هناك ينظرون إلى كأنى شبح خارج من وسط المقابر . وقال لى قائلهم : (( إن هذا من طالعك السعيد أيها القبطان ! وإلا فكيف نجوت من مخالب البارجة ولف وربئها كارل يرجر ؟   إنه يطوف بها فى بحر الهند ، وقد صاد بها عدة سفن ! )) .

كانت ولف هذه طرادة ألمانية حمولتها ستة آلاف طن ، مسلحة بأربعة مدافع من عيار ست بوصات ، وطالما اجتازت الحصار البحرى مرارا ، وفى كل مرة كانت تحمل خمسمائة من الألغام الطافية لتبثها فى مختلف البحار .

ولا بد لى هنا أن أشير إلى أن بث الألغام العائمة - التى تقضى على السفن من جميع الأنواع ، لا فرق فى هذا بين سفينة حربية ، أو ناقلة الجرحى ، أو سفينة تجارية ، وسواء فى هذا المحارب والمحايد - إن بث هذه الألغام مخالف تماما للقانون الدولى . ولكن ألمانيا لم تكن تكترث للقانون الدولى فى تلك الحرب ، وهاهى اليوم قد عادت تبث الألغام مرة أخرى .

وفى أثناء الحرب الأخيرة وضعت بريطانيا نحو مائتى ألف من الألغام ، وكان بعضها يجمل بمثابة حاجز قائم يشتمل على نحو عشرة آلاف لغم ، وكان هنالك حاجز عظيم من الألغام طوله نحو مائتى ميل يشتمل على صفوف من الألغام بعضها فوق بعض ، ومنها ما هو متعمق فى البحر نحو ثلثمائة قدم ، وكان هذا الجدار الهائل من الألغام يشتمل على ما لا يقل عن ١٢٠٠٠٠ لغم ، وبواسطة هذين الحاجزين استطعنا أن نضيق نطاق نشاط الغواصات الألمانية ، بحيث أصبح فى فاتحة عام ١٩١٨ مقصورا على البحر الشمالى .

وقد بنت عشرات الآلاف من الألغام من حول السواحل البريطانية ، لكي تحمى نقطا حيوية خطيرة ، وكم من غواصة ألمانية جاءت تزحف من تحت الموج مخترقة لجج هذه البحار ، وهى تحاول انتهاز الفرصة للإيقاع بسفننا ، ذهبت ضحية بعض ألغامنا المبثوثة حول سواحلنا ،

إننا - معشر الملاحين - قد استهدفنا لكثير من الأخطار بسبب الألغام الآلمانية ، وكم من ربان من أصدقائى وزملائى قد نسف هو وسفينته نسفا . وقضى هؤلاء نحبهم وهم يؤدون لوطنهم أجل خدمة ، إذ ينقلون إليه الطعام والغذاء . . إن الملاحين البريطانيين لم يرهبوا يوما أن يلاقوا مثل هذا الموت ؛ ولن يرهبوا أن يلاقوه فى أى وقت من الأوقات .                       (مترجمة عن عدد ديسمبر من مجلة بارايد )

اشترك في نشرتنا البريدية