فى اليوم السابع من شهر مارس للسنة الملادية ١٦١ مات الإمبراطور الرومانى الأروع النبيل أنطونينوس بيوس بقصره فى لوريام ميتة وقورة هادئة جديرة بأن يخم بـــها حياة كحياته المثالية الرفيعة . ولما شعر يدنو الآجل ووشك الرحيل أحكم تدبيره ، ونظم شؤون أسرته الداخلية ، وأصدرأمره بنقل تمثـــــــال الحظ المصنوع من الذهب من حجرته إلى حجرة ابنه المتبنى مرقفس أوربليوس ، وكانت التقاليد المرعية أن يوضع هذا التمثال فى حجرة الإمبراطور الجالس على العرش ، وأغمض الإمبراطور الصالح بعد ذلك
جفنه وودع عالم الدثور والفناء ، وقد شمل الحزن عليه الإمبراطورية جميعها ، واقيم له في كل قلب مأتم ، وتيارت شتى الطبقات في الاحتفال بمنعاء ، وتكريم ذكراه ، والإشادة بيره وتقواه ، والتحدث عن خلاله الكريمة ، ومناقبة البارعة ، وكيف لم يظلم أحداً ، ولم يسفك في خلال حكمه قطرة واحدة من الدم ! .
وكاد يكون من حق أنطونينوس بيوس أن يظفر بالسبق والتبريز في حلبة الفضائل الإنسانية ، والمحاسن الملوكية ، لولا أنه اختار خلفاً له قد استطاع أن يساميه في الفضائل والمناقب ، ويرجحه بالذكاء الخارق ، والشخصية المحبة الجذابة . وقد كان انطونينوس رقيق القلب ، جم العطف ، كثير البشر والطلاقة والإبناس ، وكان فيلسوفاً دون أن يدعى ذلك ويفخر ، ويتعالى على الناس ، وكان مرقس فيلسوفا مفكرا نظرياً مخلص السعى ، عف النفس ، قد ابتلي بـهذا المرض الغريب وهو داء البحث الذى لا يهدأ فى نواحى النفس ، والــكشف عن ميولها ودوافعها ، ورفع النقاب عن اوهامها وأضاليلها ، وهو داء بقربه من أبناء هذا العصر ، وبنبت له المودة في قلوبـهم ، ويجملهم
يطفون عليه ، ويعرجون علي ذكراه، ويـمجبون بشخصيته ويفيدون من حكمته ، ويستريحون في ظله الظليل ، وبـهلون من نبعه الشيم الفرات .
ومثل مرقس أوربليوس ممن يشرفون الإنسانية ، ويظهرون ثنا مراقى السمو التى يمكن أن يبلغها الإنسان على ضعفه وعجزه وقصوره ، وليس أدل على ما قد يرتفع إليه الإنسان في مدارج النبل والعظمة الأخلاقية من تلك الأمثلة الطبيبة والنماذج الصالحة التى تأتى من هؤلاء الذين وضعهم القدر فى أرفع الدرجات ، وأسمى المنازل ؛ فمرقس اوربليوس كان حاكم أعظم امبراطورية عرفها التاريخ فى عصر من أزكى العصور ، وكانت الدنيا عليه مقبلة ، وعنه راضية ، وفي بدء أزمة البسط والقبض ، وأمنة الأمر والنهي ، ومع ذلك الجاء العريض والنفوذ العظيم استام لنفسه حياة الزهد والورع ، وطريق الحكمة والفلسفة ،
وغض جفنه عن كل ما يريب ، وشمس وتأبى على الدنيا والغربات والنقائص والهفوات ، وظل فى جلبة الملك ولحبه وحركته وصخبه محتفظا بخلقه القويم ، ونفسه العالية . ولست أزعم أن هذا الرجل العظيم كان معصوماً من العيوب ، موفى من العثرات ، فإن الكمال فى هذه الدنيا لم يكتب لأحد ، ولم يرزقه إنسان . وإرتست ربنان وهو من أشد المؤرخين والفلاسفة تحمساً له لم يعفه من اللوم والنقد والتفنيد . ولكن الذى نستطيع أن نؤكده فى ثقة واطمئنان وقد قبله أنصاره وخصومه أنه من الأفراد القلائل فى التاريخ الإنسانى الذين اقتربوا من الكمال وكانوا قدوة صالحة ومثلا عالياً . وقد نشأ اوربليوس فى أسرة الأنطونينوسيين ، وكانت الحكمة والفضيلة ورائيتين فى هذه الأسرة النبيلة ، وكانت حكومة الأباطرة ترفا وتراجان وهادربان وبيوس أنطونينوس تغشاها روح الفلسفة وتنزع إلى الإصلاح وأداء الواجب على خير وجه . وكان الإمبراطور يرى أن وظيفته العالية لم تخرج عن
كونـها نوعاً من أنواع الخدمة الدنيا ، فلا باقى باله إلى إحاطة العرش بــهالات النور والبهاء ، ومظاهر العظمة والأبـهة ، ولا يسترهب الناس ولا يستذلهم ، وإنما بتحري جهده إسعادهم والاخذ بيدهم والنهوض بـهم ، فلا يعنيه ويهمه ولا بقيمه ويقعده سوي صيانة مصالحهم ويدبير الرخاء لهم ، وقد نفى هؤلاء الأباطرة الفلاسفة المنشككون عن الملك ذلك الغموض والخفاء والروعة الكاذبة والقداسة الزائفة ، واحترموا سلطة السناتو ورفعوا كلمته وانقادوا لأوامره .
وفي مثل هذا الجو المشبع بالاعتدال والحكمة درج مرقس أوربليوس ، وقد رآه الإمبراطور هادريان وهو فى الثامنة من عمره فأعجب به واسترعى نظره محياه الهادىء الحزين وكراهته للكذب والخداع وإيثاره الصدق والأمانة
وقد قضى طفولته ويواكر أيامه فى الريف بين أحضان الطبيعة ، وتلقى دروس البلاغة والفلسفة وسائر ضروب المعرفة على أحسن مفكرى عصره وخير أساندته ، ومال إلى مذهب الروافيين ، وأخذ نفسه بقوانينهم الأخلاقية الصارمة ؛ فى الثانية عشرة من عمره كان يلبس الثياب الخشنة الغليظة ، ويأبى إلا أن ينام على ألواح من الخشب عارية مجردة ، وكان يقتضى الأمر تدخل والدته لتنصحه وتلح عليه فى وجوب وضع بعض الفراء فوق تلك الألواح الخشبية إبقاء على صحته وراحته . وكان يعيش معيشة الراهب الذى يقسم وقته بين العمل المتصــل والتأمل والتفكير المستمر ، وكان وجهه شاحبا لا يظهر فيه اثر نضرة النعيم ولا ترف الملك ، وكان فى عينيه اثر الإجهاد والتعب ، وكان لا يعنيه سوى مسألة القيام بالواجب واتبـــــــاع الوصايا الأخلاقية
ومثل هذه النشأة الجافة الصارمة الشديدة الوطأة على الطبيعة الإنسانية لا تسفر فى أغلب الأوقات عن خير كثير ، وقد ينتهى هذا الشغلف والتقشف إلى العبوس والإريداد
وتحجر القلب ، وتبلد العواطف ، والحذلقة البغيضة ، والتفيهق الـممقوت . فما الذى صان مرقس أوريليوس عن ورود هذا المورد الراكد الـمطن والضرب فى الصحراء القاحلة الحديثية ؟ تفسير ذلك هين ، فقد كان ملء عينيه مثل حى للفضيلة الإنسانية هو الإمبراطور أنطونينوس الذى كان يجله ويحترمه ، وقيمة الإنسان الأخلاقية رهن بقدرته على الإيجاب والتقدير ، فمرقس أوربليوس بلغ ما بلغه من السمو الأخلافى والرقى النفسى لأنه رأى إلى جانبه أجمل مثل من أمثلة الحياة الكاملة الفاضلة ، وكأنه كان يشير إلى ذلك حينما كتب فى تأملاته يقول : " حاذر حتى لا تصبح قيصراً وتصطبغ بتلك الصبغة ، وهذا من الأمور التى يسهل الانفاس فيها ، فانظر لنفسك ، وكن صريحاً
مخلصاً مستمسكا بالفضيلة والتواضع والجد والوقار ، وتحر العدل ، واخش الله ، وترفق بالناس ، وعاملهم باللين ، واجهد فى أداء الواحب ، واعمل على ان تكون كما ترضى لك الفلسفة ، واحترم الآلهة . وادفع السوء عن البشر . وهذه الحياة قصيرة المدى ، وكل ما تستطيع ان تغنمه من فوائدها هو التقوى والأعمال النزيهة الخالصة ، ولتكن قدوتك فى اعمالك جميعها أستاذك انطونينوس ، وتشبه ، فى اتباعه الدائم لما يوصى، العقل ، وسيره على منهج واحد فى مختلف الظروف والأحوال ، وطهارة نفسه ، وهدوء نظرته ، ورقة روحه وعذوبتها ، واحتقاره للشهرة والمظهر الكاذب ،
ونفاذه العميق الولاج . وانظر كيف كان لا يغادر موضوعا من الموضوعات إلا بعد أن يوسعه بحثاً وتنقيباً ويحيط بكلياته وجزئياته ويستوعية استيعايا ، فلا تند عنه شاردة ولا واردة ، وكيف كان يحتمل ما بوجه إليه من اللوم والتأنيب الظالم دون ان ينبس بكلمة ، وكيف كان يسد أذنيه عند سمــــــاع أقاويل السوء ، وكيف كان ينظار إلى أعمال الناس وأخلافهم ويدرسها دراسة منزهة عن سوء الظن والرغبة في استنباط العيوب والتهدى إلى المساوىء والتزام السفسطة والمقالطة ،
وكان يراعى الاقتصاد فى بيته وملبسه وطعامه ، وكان رأيه الصبر والجلد والعكوف على العمل حتى المساء . وتذكر حبه لاصدقائه وكيف كان يحتمل المعارضة ، والسرور الذى كان يلم بنفسه حينما كان يأخذ بالرأى الذى يفضل رأيه ، وتقوا التى لم يكن بـها أدنى أثر للاعتقاد بالخرافات ، فكر فى ذلك كله وتشبه به فى هذه الصفات جميعها حتى تلقى ساعتك الأخيرة بنفس مطمئنة وضمير خالص كما لقيها " .
على أن القدوة الصالحة والمثل الحى لم يكونا كافيين لتجنب مرقس أوربليوس الخشونة والجفاف والعنف الذى أسوق إليه مثل هذه الفلسفة الزاهدة المترفعة . وإنما يضاف إليهما سجاحة الخلق وسماحة النفس التى لم يكن لها نظير في الرقة والعذوية والرحمة والحنان ، وقد كانت قسوته مقصورة على نفسه ، وقد قضى حياته فى دراسة كيف يقابل الإساءة بالإحسان ويلقى الشر بالخير . وبعد إحدى تجاربه الحزينة للالتواء البشرى جلس فى المساء ليكتب ما يأتى : " إذا استعامت أن تصلحهم وتقوم اعوجاجهم فافعل ، فإذا أعباك ذلك فاعلم أنك أوتيت الرحمة لتشملهم بـها ، والآلهة أنفسها تتولى هذه الكائنات برحمتها وتعبها على نيل المال والمجد والصحة ، فانعم وتفضل كما ينعمون ويتفضلون" .
وفى يوم آخر يظهر أن الناس أفرطوا فى الإساءة إليه ، فقد كتب فى سجله الخالد حينما تاب إلى نفسه فى هدأة الليل : " هكذا نظام الطبيعة ، والناس الذين هم من هذا الطراز لا يستطيعون العدول عن ذلك ، وليس لهم فيه حيلة ولا عنه مذهب ، واستعجابنا من ذلك يشبه دهشتنا حينما نري شجرة التين وهى تحمل التين ، وتذكر أنك أنت وخصمك بعد فترة جد قصيرة سيمضى بكما الموت وسرعان ما يغمر جسميكما النسيان " .
وكانت خواطر العفو الشامل والغفران العام كثيرة الطوان بنفسه ، وفى لحظات نادرة كانت تبلو هذا المطف
السمح بسعة خفية كما فى قوله " خير وسيلة للانتقام من المسيئين هو أن لا تصبح مثلهم "
وقد وجه إلى نفسه فى ذات يوم هذا اللوم ) لقد نسيت رابطة القرابة المقدسة التى تربط كل إنسان بالنوع البشرى ، ولبست هى قرابة الدم والمولد ، وإما هى أنـهم يشتركون فى نفس الفهم والذكاء ، وقد غاب عنك أن روح كل إنسان مستمد من الله ، وأننا لا نملك ما لنا ، فأطفالنا وأجسادنا وأنفاسنا كلها مستعارة من السماء ، كل ذلك على ما يظهر قد نسيته " .
وكان في حياته العملية سهل الجانب دمث الأخلاف بريئاً تغلب عليه البساطة مثل أغلب الناس الطبيين ، وكان جم التواضع بغير رياء ولا تظاهر ولا ادعاء أو مغالطة للنفس ، ومن حكمه البارعة أنه كان يعتقد أن الرجل الشرير شقى بما فى نفسه من الشر ، وان الشرير شرير على الرغم منه ، وكان يرثى لحال الذين لا يشبهونه فى أخلاقه ولا يسيرون فى الناس سيرته ، ولكنه كان فى الوقت نفسه يعتقد أنه ليس من حقه ان يفرض على الناس مذهبه ويلزمهم بافتفاء أثره والاهتداء بـهديه .
ولم تغب عن عينه الفاحصه وخاطره الجوال سخافة البشر وخستهم وضمة نفوسهم ، ولكن كان يأتى له كرم أخلاقه وصفاء نفسه إلا ان يتمض الطرف من ذلك ويغالط فيه نفسه ، وربما كان هذا التمامي المقصود المتعمد من لوازم النفوس النبيلة ومن عيوبـها ، ويقرب من ذلك قول أبي تمام :
ليس النبى يسيد فى قومه لكن سيد قومه التغابى
وأصحاب هذه النفوس الكريمة الحيم يرون أن الدنيا ليست على ما يريدونه لها من الـــكمال فيخدعون أنفسهم ليروها على الصورة التى يريدونـها لها ، وهذا النوع من التباله بضابق فى بعض الأحيان قراء تأملات مرقس أوربليوس ودارسى سيرة حياته ، وهو فى تأملانه بشى على أساتذته
ويشيد بقدرتـهم ، ويغالى بقيمتهم ، ويجعلنا نظن أن كل من حوله كانوا من ذوى الفضل والرجحان ، ولكنه حينما يسندنى الكواكب لينظمها عقود مدح لأخيه فى التبىنى وشريكة فى الحكم الدعو لوشياس قبراس - ذلك الرجل السادر الخليع - يثير تعجبنا ودهشتنا . لقد كان الإمبراطور الفيلسوف الصالح يستهدف للوهم حينما يحمله قلبه الطبيب ونفسه الخيرة على أن يخلع صفاته الكريمة على قوم غير جديرين بـها ولا هم أهل لها .
ولا نزاع فى أننا هنا نلقاء نفس كبيرة وقلب عظيم . فهل كان عقله عظيما كنفسه كبيراً كقلبه ؟ يؤكد لنارينان أنه كان عظيم القلب والعقل ، وربنانى من أعرف الناس به ، وأقربـهم إليه ، ويستدل على ذلك بقدرته الفائقة فى النظر إلى ابعد أعماق هاوية الواجب والغوص فى مسارب
الوعى ، ومجاهل الضمير ، وإن كان ينكر عليه عدم اجترائه وتردده فى إنكار ما هو فوق الطبيعة . وبقول ربنان : " إننا نفهم غرضه وندرك مغزاه حينها يتحدث عن فظاعة الدنيا إذا خلت من الله والمناية الإلهية ، ولكن الذى لا نستطيع أن نفهمه الفهم كله هو كيف استطاع أن يتحدث حديثاً جدبا عن تدخل الآلهة فى شئون البشر فى حالات خاصة من حالات تدريب الإرادة ؟ " ويري ربنان أنه لا يستطيع أن يفسر ذلك النقص فى ثقافة مرقس أوريليوس إلا بضعف تربيته العلمية . على ان الذي يجب أن نسلم به أن مثل هذا العيب ليس له أهمية تذكر ، فقد كان اعتقاده بالحياة الأخلاقية قائماً على إيمانه بالعقل والطبيعة ، وهو فى ذلك عصرى للغاية .
