الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 620الرجوع إلى "الثقافة"

الأمثال عند مختلف الأمم

Share

) ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ( . ) ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بمالا يسمع إلا دعاء ونداء (

) مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ( " قرآن كريم "

وجاء في الإصحاح العاشر من سفر الأمثال من كتب العهد القديم : ) الابن الحكيم يسر اباه . والأبن الجاهل حزن أمه ( .

و ) من يجمع في الصيف فهو ابن عاقل ومن ينام في الحصاد فهو ابن مخز.

و ) فعل الرذيلة عند الجاهل كالضحك ، أما الحكمة فللذي فهم ( .

ويقول جلال الدين السيوطي في كتابه المزهر في علوم اللغة وأنواعها : قال أبو عبيدة ) ١ ( : الأمثال حكمة العرب في الجاهلية

والإسلام ، وبها كانت تعارض ، فتبلغ بها ما حاولت من حاجاتها في المنطق بكتابة غير تصريح ، فيجتمع لها بذلك ثلاث خلال : إيجاز اللفظ ، وإصابة المعني ، وحسن التشبيه

وقد ضربها النبي صلى الله عليه وسلم وتمثل بها هو ومن بعده من السلف .

وقال الفارابي المثل ما ترضاه العامة والخاصة في لفظه ومعناه حتى ابتذلوه فيما بينهم ، وفاهوا به في السراء والضراء . واستدروا به الممتنع من الدر ، ووصلوا به إلى المطالب القصية ، وتفرجوا به عن الكرب . وهو من أبلغ الحكمة ، لأن الناس لا يجتمعون على ناقص أو مقصر في الجودة . أو غير مبالغ في بلوغ المدي في النفاسة .

والأمثال قد تخرج عن القياس فتحكي كما سمعت ، ولا يطرد فيها القياس فتخرج عن طريقة الأمثال .

وقال أبو عبيدة في المثل : ) أجناؤها أبناؤها ( أي الذين جنوا على هذه الدار بالهدم ، هم الذين كانوا بنوها ) قال ( : وأنا أظن أن أصل المثل " جنانها بنانها " لا أبناؤها ، لأن فاعلا لا يجمع على أفعال إلا أن يكون هذا من النوادر لأنه يجيء في الأمثال ما لا يجيء في غيرها . .

ويقول شيشيرون : " إن الأمثال كالبحيرات التي يستطيع المرء أن يستخرج منها الملح فيضعه حيث يشاء " . " والأمثال يستطيع المرء أن يحيك خيوطها في نسيج كل حديث يجري به لسانه .

" والأمثال تصلح أن تحفظ عن ظهر قلب لتتلي وتروي في مناسباتها " .

ويقول " سرفانتس " : المثل جملة موجزة تضم في ثناياها خبرة زمان طويل .

ومن الأمثال ما ينبئك عن موطنه وبلده . فأنت إذا سمعت المثل الإنجليزي الذي يقول Make your hay  وترجمته الحرفية : " جفف البرسيم في اليوم الشامس " أيقنت أنه مثل انجليزي ، ذلك لأن الشمس قلما تصحو في بلاد الإنجليز

وأنت إذا سمعت الأمثال الأتية حكمت أنها عربية المنبت والموطن :

١ - ) أوسع من الدهناء ( و ) أوحش من مفازة ( والدهناء والمفازة هما الفلاة .

٢ - لا حر بوادي عوف ) وعوف هذا كان رجلا منيعا ، أى انه يقهر كل من حل بواديه ( ، فكل من فيه كالعبيد له لطاعتهم إياه .

٣ - وهل ينبت الخطى إلا وشيحه وتغرس إلا في منابتها النخل

٤ - آلف من حمام مكة .

٥ - سماعك بالمعيدي خير من أن تراه

٦ - أتبع الفرس لجامه ، والناقة زمامها .

٧ - أبلغ من قس ) وقس هذا هو أحد حكماء العرب ( .

٨ - رجع بخفى حنين .

٩ - شنشنة أعرفها من أخزم ) قاله أخزم جد حاتم الطائي . كان ابنه أخزم يضربه ثم مات في حياة أبيه ، وترك بنين ، فوثبوا يوما على جدهم فأدموه ، فكان هذا المثل ، أي أن ضربهم له خصلة يعرفها من أبيهم أخزم .

١٠ - أن ترد الماء بماء أكيس . .

ومن يقرأ المثل الذي يقول : " ليس كل كاهن يستطيع أن يلبس حذاء لونر " ؛ أيقن أن قائله بروتستانتي من شيعة " لونر " .

كما أن من يقرأ المثل القائل : " إن الموت جمل ينبخ بباب كل بيت " ، لا يشك أبدا أن هذا المثل يرجع إلى

أرومة عربية ، وإن كان الأتراك قد تبنوه ، وضعوه إلي مجموعة أمثالهم

والأمثال في كل أمة تبقي ما بقيت تلك الأمة ، فهي لا تهرم ولا تبلى جدتها . وكثير من الأمثال قد جاوز حدود بلاده . وغزا امما أخري فأصبح ذا صبغة عالمية ؛ وكثير منها قد انحدر إلينا من خلال القرون المتغلغلة في القدم ، وكثير منها قد قاوم أمواج البحار ، وتصدي للرياح الهوج ، ولذلك فإن عسيرا على المرء ألا يلفي بالا إلى الأمثال ، وقد أصبحت ذخيرة من ذخائر المعرفة الإنسانية . وأنت تري أن بعض كبار الفلاسفة ومشهوري الأدباء والشعراء ممن رزقهم الله الحجى ، وأتاهم العبقرية والنبوغ ، قد جعلوا من الأمثال حلية لأقوالهم ، وطرازا لقصائدهم ؛ وإن كان بعض الذين لا يعجبهم العجب يرون أن الأمثال إنما هي كقدح الراكب التي يعلقها في اخرة الرحل .

من أولئك الفلاسفة . والأدباء والشعراء الذين كانوا يحفلون بالأمثال ويقدرونها حق قدرها : الفيلسوف " أرسطو " فقد جمع منها كثيرا . ولم ير في جمعه للأمثال ما يحط من قدره .

ثم الشاعر " شكسبير " الذي بلغ من إ كباره لها أن اتخذ منها عنوانا لبعض رواياته ؛ فسارت تلك الأمثال مسير الشمس في كل بلدة كقوله Measure for measure وكقوله  Well that ends well وكذلك الكاتب " سرقانتس " الذي يجيء في الخالدين تاليا لشكسبير ؛ فقد جعل الوصيف " سانشو يانزا " في رواية " دون كيشوت " لا يفتح فمه إلا لينثر الأمثال نثرا .

وأنا أختتم المقال بقوله تعالى : ) وتلك الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ( . .

اشترك في نشرتنا البريدية