كثيرا ما يكون للخوف من المرض ما للمرض نفسه من أثر في تحطيم القوي تماما وجعل الإنسان غير قادر على العمل فهذا الخوف قد يجعل من الشخص السليم مريضا يلزم الفراش ، ويعتقد اعتقادا جازما أنه مريض بعلة أساسية على الرغم من عجز الفحص الطبي عن العثور على ما يثبت وجود هذه العلة عنده .
ومع ذلك فإن مثل هذا المريض يفضح نفسه عادة بما يبدو بين أقواله وأفعاله من تناقض ، فكيف ينسي مثلا لمن يدعي مرضا شديدا في القلب أن يعمل في حديقته طول النهار تحت أشعة الشمس القاسية ، أو أن يشتغل في محل عمله أو متجره شغلا شاقا متواصلا دون أن تبدو عليه
علامات واضحة لمرض القلب ؟ والرجل الذي يدعي الإصابة بقرحة في معدته كيف يفسر إقباله على الأكل بشراهة وهو خارج بيته حتى إذ ما آوى إليه عاف الطعام وزهد في الأكل !
إن المرض الحقيقي لا يحفل بالمجتمعين حول المريض ، أما الخوف من المرض فيزداد في الغالب أو ينقص في حضرة أشخاص معينين أو غيتهم ، ومن هؤلاء بصفة خاصة الوالدان والزوجة ( إن كان المريض متزوجا ) فأعراض المرض الذي يدعيه الشخص لزداد شدة في حضرة من يمثون إليه بصلة قوية . ولذلك ينزل مثل هذا الإنسان بمن حوله من الأعل ما لا قبل لهم بتحمله من الآلام والقسوة (الفكرية بصفة خاصة ) فبمجرد دخوله البيت يتحول إلى مستشفى وتستحيل الزوجة ممرضة ، وبتحتم على الأطفال أن يكفوا عن اللعب ويلتزموا السكون .
وفي مثل هذه الأحوال قد يصير القلب أو المعدة أو عضو آخر من أعضاء الجسم ، مهيمنا قاسيا علي أقرب الناس
إلى المريض واعزهم عنده ، بينما تدو على هذا المريض سيما الآلم المبرح لما تسببه أعراض مرضه (لا شخصه بالطبع ) لهؤلاء الأعزاء من متاعب ومشاق .
فهذه زوجة تدعي حب زوجها وتتظاهر به بل وتعلنه للناس ، ومع ذلك تحرم زوجها هذا من اليوم الليلة في أثر الأخرى ، فتراها تنام في النهار عدة ساعات ، فإذا ما آوى الزوج في المساء إلي بيته حتمت عليه أن ينظفه ، وأملت عليه ، بين فترات الأنين الذي يصدر عنها ، ما يجب عليه أن يقوم به ويعمله ليتم هذا التنظيم على الوجه الأكمل .
ومما يحز في نفس هذا الزوج ويغيظه أنها كانت قبل مرضها قليلة الاهتمام بشئون المنزل لا تؤدي من واجباتها فيه إلا القليل النادر ، ولكنها الآن وهي تصدر له الأوامر والتعليمات قد صارت شديدة الحرص على ألا نفوسها أدني صغيرة ، وألاتغفل عن أية دقيقة من دقائق العمل . ثم هي إلى جانب هذا تنقله بطلباتها الشخصية واحدة بعد أخري ، فيظل المسكين رامحا غاديا في خدمتها وخدمة منزلها حتى يهلك
هذه الأمور كلها وأكثر منها تحدث بالفعل في عالم الواقع لا في عالم الخيال وحده . ثم إن مرضي العقل والنفس يكونون على جانب عظيم من الذكاء والحدق ؛ ففي استطاعتهم مثلا أن يحموا ويكرهوا في تسعس واحد ، مستغلين الحب إلي أقصي حد ، ومتنصلين من الكره بلباقة فيتسونه إلي ما بهم من علة
وهذا لخوف من المرض بنشأ أول الأمر عادة في الطفولة ، ويرجع في أكثر الحالات إلي الوالدين أنفسهم . فالخوف من المرض هو الرباط الذي يربط الطفل في صغره بوالديه ، فإذا ما شب وترعرع كان هذا الخوف ذريعة لاستمرار الطفل في كتف الوالدين وملازما لهما ، ويصدق هذا بصفة خاصة على الأشخاص الدين يعز عليهم أن يخلصوا
من تلك الضلات العائلية التي تربط أفرادها ، وعلى الأشخاص الذين إذا ما واجهتهم صعوبات الحياة التي لا قبل لهم بها لجأوا إلى والديهم تحت ستار المرض والضعف الجثماني يلتمسون لديهم المعونة.
فالطفل الذي ربي على تقديس النظافة إلي حد غير عادي قد ينشأ عنده نوع من الفزع من كل ما هو غير نظيف ، يكون في أول الأمر خوفا من المرض ، ثم لا يلبث أن يصير مرضا واقعيا . وعجز الإنسان عن العمل الجثماني قد يكون نتيجة نظرته لنفسه واعتباره إياها حليفة الفشل خصيمة للنجاح
وهناك أفراد عديدون لا يستطيعون إتمام طفولهم في سن الخامسة ، ومن هؤلاء ، نجد ٥ أ و ٦ % يظلون اطمالا مدى الحياة ، لاسيما أولئك الذين يستسلمون للأمراض النفسية.
وهناك طائفة أخري كثيرة العدد من الأشخاص الذين يهدفون إلى التوفيق بين الحالتين ، الرجولة والطفولة : فيتقبلون حالهم الحديدة بشرط أن يحتفظوا بالقدم فيصيرون اطفالا كبارا قد تم تضجهم من الناحيتين العقلية والجسمية ، لكن حياتهم لا تزال متعلقة بأهداب الطفولة من الناحية العاطفية
وكل كبير في العادة يحتج بشدة على من يعتبره طفلا ، لكن بقدر وجود من يعترض من هؤلاء الكبار على موقف التبعية الحقير الذي يؤدي به إليه ما يتصنعه من مرض قد لا يشعر هو بأنه مجرد وهم وادعاء لا أكثر .
وهناك صنف من الناس قد تركز تفكيرهم في جسمهم إلى حد كبير ، بحيث يصير الواحد منهم دائرة معارف للأمراض متنقلة ؛ وعلي الرغم من أن متاعبه (إن وجدت ) قد تكون ناشئة عن علة في عضو أو عضوين من جسمه فهو يصر على أن يكون كل عضو من أعضائه بغير استثناء موضع شكوى وألم وتبرم ، يوما بعد يوم .
فاذا ما أفاق من نومه في الصباح شكا من أنه متعب إلي أكبر حد ، ثم أخذ يستعرض كل أوجه النشاط التي قام بها في اليوم السابق عله يعثر على سبب لما يشعر به من تعب . ولا شك في أنه سيجد لهذه العلة سببا يرتاح إليه . وأي شيء يصلح لأن يكون السبب المنشود ، فقد يكون الفطيرة التي ختم بها غداءه بالأمس لم تختبر جيدا أو لم توافق معدته ، ثم يتذكر أنه منذ تسع سنوات أكل في عيد ميلاد شقيقه فطيرة شبيهة بهذه فأنعبته في اليومين التاليين ، وقد يعزو سبب تعبه إلى اضطراره للوقوف في المترو او الترام في عودته لمنزله مساء اليوم السابق ، أو إلي ضيق حذائه أو إلي غير ذلك من الأسباب الوهمية .
فكل شئ وأي شيء يمكن أن يتجمع ويتركز على جسمه فيفسر أعراض المرض الذي يشعر به ! وعلى مر السنين يصبح الوسط الذي يعيش فيه بأسره مصدرا لجميع تلك التأثيرات الضارة بصحته : ضوء الشمس والمطر ودرجة الحرارة والريح والضغط الجوي والربيع والصيف والخريف والشتاء وإقامة بناء بجوار مكتبه . كل شئ في الوجود يصلح لأن يكون مصدرا لمتاعبه الجثمانية .
مثل هؤلاء الأشخاص يؤذون عقولهم بقدر ما يؤذون أجسامهم فهم لا يقدرون ما يتمتعون به من نعم ، وإنما يكبرون ويبالغون فيما ينالهم من نقم . ويقحمون سوء الظن لا سوء التقدير في جميع شئونهم المالية والدينية والرياضية والمهنية والزوجية والاجتماعية ؛ فهم يغلفون أنفسهم في شعور من الضمة ويتسلط عليهم مركب النقص النفسي
ويقترن بكل شعور بالنقص كهدا (عقليا كان أو جسميا ) شعور آخر مضاد ( وإن خفي) بالقوة والنفوق ، فتري الواحد من هؤلاء يفتخر بأنه يعرف أثر ارتفاع الحرارة وانخفاضها في جسم الإنسان . وكذلك أثر التغير الذي يحدث في ضغط الهواء أو في رطوبته ، ويعرف كيف يتقي تلك الآثار السيئة ، ويدعي أن ثماني نقط فقط
(لا سبعا ولا تسعا )من دواء ما تحدث النتائج المبتغاة ويعرف بالضبط ماذا سيحدث له لو أكل أكثر مما ينبغي أو أقل مما يجب ، ويعرف مني يستحب لبس الصوف ومتى يستحب لبس القطن ، وهكذا .
هذا من ناحية المعلومات العقلية والجسمية ، وأما من الناحية العاطفية فإن هذا الشخص يكون عبدا لماضيه أو بالأحري لطفولته ، وبخضع نفسه لكل إنسان كما كان يخضعها لوالديه ، هذا نوع من التروستانيا كالسرطان لا علاج له ، وهو يتغلغل في شخصية الإنسان كلها متى كان مريضا بمثل هذا المرض النفسي .
وخير نوع من أنواع العلاج لمثل هذه الحالات هو أن يمنع الطفل من أن يستمر فى التوعك ويسايره ويرتب نفسه عليه ، وأن يمنع كذلك الوالدون من تشجيع الضعف والمرض عند الأطفال بقصد استبقائهم تحت رعايتهم وفي كنفهم وهم كبار كما كانوا وهم صغار
ولنضرب مثلا لواحدة من الحالات التي توضح كيف أن المتاعب تنشأ دائما من هذين العاملين اللذين نشير بمنعهما ، والتي توضح أيضا كيف أن الأطباء يكونون أحيانا شركاء للوالدين المخطئين في العمل على إفساد الطفل دون أن يشعروا بذلك .
فهذا شاب خجول يستحي بصفة خاصة من جسمه النحيف ويبذل قصاري جهده في إخفائه عن أعين الناس ، وقد استطاع بواسطة شهادة طبيب أن يحصل على إعفاء من مزاولة الألعاب الرياضية المدرسة ، ولم يشترك مع زملائه كذلك في ألعابهم العادية غير الرسمية ، كما أنه لم يذهب معهم إلى الحمام قط .
وقد تبين أن سبب هذا كله يرجع إلى أن أمه قد عاملته كما تعامل البنات حتى شب وكبر ، فكانت تطيل شعره إلى أن بلغ سن التاسعة ، وظل يلعب "بالعرايس"
حتى بلغ سن السابعة عشرة ، ولو أنه اضطر أن يفعل ذلك في خلوته مع أمه وحدهما .
كما تبين فوق هذا أن الشهادة الطبية التي أعني بها من الألماب الرياضية لم يكن الباعث للطبيب على كتابها رأيه الشخصي في هذا الشاب ، وإنما كان طبقا لرغبات الوالدين وتقريرها من ابهما . وهذا امر شائع جدا ، فالطبيب الذي لا يقر الوالدين على رأسهما في طفلهما بهم بالجهل او سوء التقدير ، ويعرض عنه الوالدان ، وسرعان ما تبعثران على الطبيب الذي بقر وجهة نظرها ، وهذا هو الذي يشهد له بطول الباع والمهارة .
وهكذا قضى الشاب حياته كلها في ضعف من الناحية الجنائية ، وإن كانت ناحيته العقلية قوية ، مع ان الناحية التي اهملها على جانب عظيم من الأهمية بالنسبة للشباب ، فهي التي تجعل منه رجلا كامل الرجولة . ولكنه أحس ببطء وتدريجيا عرور الزمن موقفه
الحقيقي ، وأخذ يري نفسه كما يراه الغير ، وبدأ يصلح من شأنه ويتشجع ، وإذا كان لم يبلغ من القوة العضلية ما يرجو فلا تنقصه الشجاعة على أي حال في الوقت الحاضر . لكن لاشك في أن ضعفه وما حرم منه من صحة ومتاع ومرح أثناء دراسته بالمدرسة ، وما أثقل عقله من متاعب بهذا السبب ، ترجع إلى تصرف الوالدين أو أحدهما .
فهلا يجد أمثال هؤلاء الوالدين عظة في مثل هذه الحوادث فيرحموا أبناءهم وبناتهم من نتائج مثل تلك الأخطاء ؟
