الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 445الرجوع إلى "الثقافة"

الأمم والسياسة والاداب

Share

الشائع المتعارف أن الأمم تتحري في سياسانها الدولية وعلاقاتها الأممية مصلحتها الخاصة ، ولا تفكر كثير ولا قليلا في الصالح العالم الذي يعود على الإنسانية بالنفع ويرفع من شأنها ، ويزيل من طريقها العقبات ، ويجنبها العثرات ؛ ومن ثم كان من الغفلة المضحكة والسذاجة التي يتنادر بها الساخرون والكلبيون ان ينصح أحد الناس من ذوي النيات الحسنة والحماسة المشبوبة لدهائين السياسة وأساطينها باتباع أصول الآداب ، والتزام المبادئ الشريفة وكرائم الأخلاق في توجيه السياسة ، ووضع الخطط ،

ومواجهة المواقف ، وعلاج الأزمات والمشكلات ؛ والملحوظ بوجه عام أن معظم رجال الأعمال يضيقون ذرعا بمن يذكرهم بدواهي العطف والرفق ، والمروءة واللين ، ومجافاة الأثرة والطمع والجشع ، ويستثقلون ظله ، ويرون نصحه أو وعقله من قبيل الحديث المعاد والقول المملول ، بل لعل بعضهم يرونه من قبيل العجائب والغرائب والمناكير التي لا يروقهم سماعها ، ولا تهش لها نفوسهم ، وإذا كان هذا هو حال رجال الأعمال حتى الذين يعملون منهم في مجال ضيق وناحية محدودة ، فما ظنك بالساسة ذوي الأخطار الذين بضطلعون بالأعباء الجسيمة المبهظة ، ويعملون في الميادين الفسيحة المترامية ؟ ولا نزاع في ان الجهاد في هذه الميادين الرحاب يستلزم المضاء واليقظة وحضور البديهة وخفة الحركة وسرعة البث ؛ ومسألة الاستمساك بالآداب والأخلاق من شأنها أن يخلق التردد والوساوس ومراجعة النفس ومناقشتها الحساب ، وهي أمور تساعد الفرصة السانحة على الإفلات ، وتفسد الخطة ، وتحبط التدبير ؛ فليس عجيبا أن يمقتها الساسة ، وينتكر للقائلين بها أصحاب الأعمال ،

وإذا كان الأمر كذلك فما علاقة الأخلاق والآداب والفضائل إذا بالسياسة ؟ الم يكن المفكر السياسي الكبير

مكيافلي معذورا في فصله السياسة عن الأخلاق وتفريقه بينهما بألفاظ صريحة لا جمجمة فيها ولا تردد ؟

ولكن العجيب حقا اننا رغم ذلك نكثر من نقد مكيافل ، ونخطئه في قياسه واستنتاجه وتحليله وتخريجه ، وتهمة بأنه اسرف إسرافا لا مزيد عليه في فصله الأخلاق عن السياسة ، ونعزو سبب الفوضي الدولية السائدة إلي أن الدول لا نراعي شريعة الأخلاق ؛ والأدخل من ذلك في الغرابة ان الدول الكبرى في الحرب الأخيرة كانت تخوض غمرانها وتستهدف لأهوالها صوتا للاخلاق ودفاعا عن الحريات وضمانا للعدالة ؛ وكان أشد ما وجه إلى النازيين هو استخفافهم بالقوانين الدولية واستهانتهم بالعدالة ، وكانت تعلن تلك الدول عزمها على تأسيس نظام دولي يقوم على القانون والعدل لا على شريعة الأدغال وأحكام القوة

وقد ظهر بين رجال الدول الكبري من كان ينصح بالكف عن الاستعمار والاغتصاب والاستغلال ، ويقول بابقاء كل ذي حقه ومنح الأمم المغلوية على أمرها حريتها ، فعلى الإنجليز أن يتركوا الهند لأهلها ، ويكفوا عن انتقاص حقوق المصريين ، وان يرفعوا يدهم عن الامم التي فرضوا عليها سلطانهم في عقلة الزمن وفي عهود الرجعية والتأخر ، ثم لماذا نطالب الدول بالوفاء بوعودها وترفع الصوت ببطلان الاستعمار ؟

ألا يتضمن هذا نوعا من الإيمان بالمبادئ الأخلاقية والاعتقاد بأنها تسود العلاقات البشرية والأعمال الأممية رغم شكنا في ذلك وإنكارنا له ؟

وهناك مجموعة من القوانين والمبادئ والمراسم واللوائح تسعى القانون الدولي " وبعض الأمم تراعي أحكامه وتحترم نصوصه في بعض الأوقات ، ولكن هذا القانون ليس قانونا بالمعنى المألوف في القوانين السائدة المحترمة في البلاد التي يعيش بها الإنسان ؛ فالدولة لا تنصح لنا باتباع القوانين ، ولا تستشفع بنا في تنفيذها ، وإنما تهددنا

وتنذرنا ، ولا تحجم عن معاقبتنا والاقتصاص منا إذا خرجنا على تلك القوانين أو تجاهلنا وجودها ، ووجود قوة الكبح من تسول له نفسه مخالفة القانون جزء من صميم القانون ، ولكن ليس هناك مثل هذه القوة لفرض أحكام القانون الدولى ، وأحكام القانون الدولى من هذه الناحية ليست قانونا بالمعنى المألوف بالرغم من أن المحاكم تأخذ بها وتبني عليها . وإنما هي من قبيل النصائح الأخلاقية والوصايا الأدبية ، وقد انفقت الأمم المتحضرة على اتباعها واحترامها ، وبعض الأمم تأخذ بها حينما يروقها ذلك

والفكرة القائلة بأن الأمم تعمل في المسائل الدولية بدافع من مصلحتها الخاصة تؤكد لنا ان شريعة الأدغال هي السائدة في المسائل الدولية والعلاقات الأمية ؛ ومعنى ذلك أن الأمم لا تستطيع أن تكبح أثرتها وتحد من مطامعها ، وأنها لا تتظاهر بالاستمساك بالأخلاق والتعلق بالعدالة إلا إذا كان في ذلك مساحة خاصة لها ؟ وقد جاء كشف القنبلة الذرية ، وهو أمر خطير من غير شك ، وأخطر نواحيه انه لو استمرت المشكلات الدولية تعالج بالأساليب المعهودة لجاء الوقت الذي لا تستطيع فيه الأمم أن تحقق مصلحتها الخاصة ، لأنها تكون قد زالت عن وجه الأرض كما تختفى الرغوة قبل أن تظفر بالمصلحة المشودة

ولكن هل حقيقة أن الأمم لا تحركها سوى المصلحة الخاصة ؟ وهل الدوافع الأدبية لا تاثير لها في سياسة الامم وتدبير امورها ؟

لقد أشار هلتر في كتابه المعروف كفاحي " إلي أن قوة السلاح لا تنجح إذا لم يلهمها مثل أعلى ، وإلى ان الناس لا يوفقون في خوض غمار الحرب إلا إذا اعتقدوا أنهم يحاربون من أجل فكرة كبيرة ، ومثل أعلى سام ، وهم لا يحاربون من أجل غاية مادية أو مصلحة خاصة ، وقد فطن هتلر إلى أنه لا يستطيع ان يحمل أمة كالأمة الألمانية

على الحرب بدافع الاسباب المادية ، ولو انه وعد الالمان بالثروة الواسعة والرغد الشامل والخفض العميم لما لبوا كلمته وانقادوا لأمره ، ولذا ابتكر لهم عقيدة مناسبة ، وطلع عليهم بمثل أعلى ، وجعلهم يصدقون بأنهم إما يريقون دماءهم قربانا لهذا الهدف السام ، ومن أجل تلك النية الكبرى ؛ ففكرة النبل والبطولة والمثل الأعلى هي التي حفزت الألمان واستطارت جنابهم واستهوت البابهم ، وهي فكرة أدبية ودافع أخلاقي .

كذلك حال الإنجليز في الحرب الكبرى ، ففي أوائل تلك الحرب غزا الآلمان البلجيك ، وكان ذلك الغزو يسئ إلي مصلحة بريطانيا ، لان استيلاء دولة قوية على ثغور القتال الإنجليزي والشواطئ القارية المواجهة لإنجلترا يهدد سلامتها ويخل بالتوازن الدولي ، ولكن السير  إدوارد جري وزير خارجية إنجلترا في تلك الحقبة أثر ان يعرض الأمر على الشعب البريطاني في صيغة أخلاقية ، وذكر لامته أن ألمانيا قد نكثت بعهودها الأدبية ، واعتدت على حياد أمة صغيرة قد ضمنت حيادها ، فلماذا وضع السير إدوارد جري الامر هذا الوضع ؟ لأنه كان يعلم بغريزته السياسية أن الأمم لا تتحرك بدافع المصلحة وحدها ، وإنما تستثار وتستنهض بدافع الغايات الأدبية

ربما يبدو للساخر المستهزي بالطبيعة الإنسانية أن يقول إن دافع إنجلترا إلي خوض غمار تلك الحرب كان المصلحة ، وإن السير إدوارد جرى كان يعلم ذلك ولكنه خدع الشعب البريطاني وخيل له أن المسألة من المسائل الأدبية الأخلاقية كما خدع هتلر الشعب الألماني ، ولكن  الواقع انها سخرية رخيصة ونقد غير موفق ؛ فأكثر الزعماء من طراز جري وهتلر يعتقدون بصدق ما يذهبون إليه ، فجري كان يعتقد بمصلحة بربطانيا ويؤمن بهدفها الأدنى ، وهو مخلص في رايه وعقيدته ، وكذلك كان هتلر

يعتقد بسمو غابة الشعب الألماني ، بل كان يعتقد بذلك إلى حد التعصب والهوس .

على أننا لو فرضنا أن امثال هتلر وجري وفرانكلين روزفلت وويلسون وغيرهم من الدجالين المنافقين الذين يقولون بالسنتهم ما ليس في قلوبهم ولا يؤمنون بغير المصلحة والأثرة والمطامع ، ولكنهم يخدعون أممهم بالتغني بأنشودة المبادئ السامية ، لما غير ذلك من الأمر شيئا ، لأنه يرينا في صورة واضحة أن أمم الأرض لا تحركها سوى الدوافع الأدبية ، وان من الخطأ الاعتقاد بأن الأمم لا تتحرك بغير دافع المصلحة .

وعنصر الحق في الرأي السائد هو أن مستوي الأداب الدولية ليس في درجة السمو الذي يريده انصار الإنسانية ويحلم به محيو السلام والخير للبشرية ، وهناك شئ اسمه الآداب الدولية ، ولكن معيار الآداب بين الدول انزل من معيار الآداب بين الأفراد المهذبين في الأعمال الفردية

وهذا هو سبب ذيوع فكرة أن الأفكار الأدبية ليس لها مكان في عالم السياسة والعلاقات الدولية ، وان الأمم تشمل بدافع المصلحة وحدها . ولعلنا نبالغ في تصوير الأمر بهذه الصورة بعض المبالغة ؛ فنحن نري مستوي الآداب الدولية الهابط فيؤثر ذلك في نفوسنا تأثيرا شديدا محملنا على البالغة والإسراف وإنكار وجود الآداب الدولية جملة وإطلاقا

ولكن لماذا وجد هذا الفرق المحسوس بين مقايبس الأفراد الأدبية ومقاييس الأمم والدول ؟

يعلل الكتاب السياسيون والاجتماعيون ذلك بأسباب عدة مختلفة ؛ ولعل أمس تلك الأسباب بموضوعنا هو أن الفرد في علاقاته بغيره من الأفراد يعمل في حدود مجتمع له قوانينه المرعية المكفولة ، ولكن ليس هناك حكومة للحكومات أو دولة للدول ، فالدولة تشرف على علاقات

الأفراد بعضهم ببعض ، ولكن ليس هناك أمة للأمم ولا دولة للدول ، ولنا نظر القوانين الدولية مطرحة مهملة هابطة نازلة ، لأنها تنقصها قوة التنفيذ والأداة التي لغرضها فرضا ومحقق وجودها .

ويمكن أن نستخلص من ذلك أن انحطاط الآداب الدولية ليس امرا محتوما لانه في طبيعة الأشياء ، او لان الأمة أو الدولة تسمو على الآداب ، أو لأنها بتكوينها خارجة على الآداب ، أو أن الأداب لا تتطبق عليها ، فان الناس سواء كانوا مجتمعين في شكل جماعة او في صورة امة هم الناس ولهم نفس المشاعر الأدبية والطبائع الأخلاقية ، كالأفراد الذين تتكون بهم الجماعة وتتكون منهم الامة ، وغاية ما في الأمر ان الأمم ينقصها النظم المحترمة والقوانين الرعية في علاقاتها المتبادلة .

ولا ينتظر بطبيعة الحال أن تكون هناك آداب دولية من مستوي أرفع ومقياس اسمي إلا إذا كانت هناك حكومة عالية دولية ، ويري بعض المفكرين أن الحكومة العالمية الدولية التي لا ترفع الأداب الدولية بغير وجودها واستقرارها لا بد آتية ، لأنها نتيجة محتومة للتطور السياسي العالي ، فقد ترقى العالم من نظام الأسرة إلى نظام القبيلة ، واعتقل من نظام القبيلة إلي نظام الأمة ، وليس من المحتمل أن يقف تطوره عند هذا الحد ، ولابد ان يبلغ غايته في النظام العالي الرتقب .

ولكن هذا التطور المحتوم يقتضي زمنا ، وربما يستلزم مئات السنين ، والمأمول في العصر الحاضر ان كشف القنبلة الذرية سيسرع بالإنسان في سبيل الوحدة العالمية وخلق الحكومة التي تشرف على الحكومات .

والمشكلة المحيرة هي اننا لا نستطيع أن نرتفع بالأداب الدولية إلا إذا كانت هناك حكومة عالمية ، ولا نستطيع في الوقت نفسه ان توجد الحكومة العالمية إلا إذا سمونا

بالآداب الدولية ، فكيف الخروج من هذه الورطة ؟ أكبر الظن أننا لا نستطيع الإفلات من هذا المأزق إلا إذا تخلصنا من أساليب تفكيرنا القديم الذي كان ملائما للظروف العالمية السابقة والذي أصبح لا يلائم العصر الحاضر ؛ فقد كانت الأمم في المهود السالفة تستطيع الاكتفاء بذاتها والاعتماد على نفسها ، وان تعيش في عزلة عن العالم ، ولكن هذه الحالة غير ميسورة في العصر الحاضر ، فقد توثقت العلاقات بين الأمم وتكاثرت الروابط والصلات ، وليس في مستطاع امة ان تستغني عن سائر

الأمم وتقتصر على مواردها ، وبرغم ذلك لا تزال الأمم تفكر بالعقلية القومية في الوقت الذي أصبح فيه الموقف يستدعي التفكير بالعقلية العالمية

فالموقف الآن يستدعي علاج طرائق التفكير عن طريق تعديل اساليب الغربية والتعليم والتثقيف ، وفي الوقت متسع لإنفاذ البشرية من أهوال الحرب العالمية الثالثة . وطريق الخلاص واضح وهو نبذ الأفكار الضيقة المحدودة والأخذ بأفكار أبعد مدى وأوسع افقا واكثر مسابرة للأحوال العالية المستحدثة .

اشترك في نشرتنا البريدية