جلست الأميرة نتبنا بنت فرعون فى إحدى شرف قصر أبيها ذى العمد الشاهقة بطيبة ، تدقق النظر فى الأفق بعينيها الواسعتين الجميلتين اللتين صيغنا من ماس أسود ، مساها تبصر المركب الذى يعود بزوجها المحبوب الأمير هوروس إلى الوطن ، وكان قد سافر بعد الزواج من الأميرة مباشرة إلى أقطار الشام للحرب ... كى يثبت هناك سلطان مصر الذى كان يمتد فى ذلك العهد السعيد إلى تخوم العراق ... وكان فرعون أيضا الذى تقدمت به السن ، ولم يكن له وريث ذكر ، لا يقل عن ابنته اهتماما بعودة الأمير ، إذ سوف يخلفه بعد موته فى الدود عن مصر وعن حدودها الواسعة البعيدة المترامية الأطراف ... مرت الأيام تباعا ولم يعد الأمير ولم ترد عنه ولا عن حروبه أنباء ... فازداد قلق الأميرة ولم يعد فى استطاعة ندماء القصر تسليتها والترفيه عنها رغم كل محاولة ، ولم يفلح كذلك مهرج القصر باطا القزم فى إضحاكها بحركاته البهلوانية ، وهو الذى كان فيما مضى يجعلها تغرق فى الضحك من أعماله ... مسكينة الأميرة !كيف يراد منها أن تسلو وقلبها يذكرها بمحبوبها فى كل دقة من دقاته ؟ رأت الأميرة ذات يوم وهى تجلس كعادتها بالشرفة ، ترقب المراكب القادمة من الدلتنا ، سنونة تمرأ أمامها متجهة إلى الغرب ، فأخذت تناجبها : أيها السنونة المحبوبة ... هلا حملت إلى زوجى حى وأشواقى ؟ أبنها السنونة المحبوبة ... هلا عدت إلى بأنبائه وأخياره ؟ ولكن السنونة استمرت تطير دون أن تكترث بالأميرة ؛ فكان عجيبا أن لا نفهم السنونة اللغة المصرية ... وهى لغة العصافير ؟ ... ولكن ما للقصر مائجا هاتجا على غير عادته ؟ لقد وفدت إليه رسل من قبل الأمير!...
من أجل هذا ترى القصر كله فى فرح وحبور ... وهؤلاء الندماء يضحكون ملء أفواههم وهم يتبادلون التهانى لما علمت الأميرة بهذا النبات السعيد جعلت تعدو كالطفلة فى طرفات القصر قاصدة الحجرة التى ينتظرها فيها رسل الأمير ؛ وهرول فرعون كذلك نحو الحجرة دون مبالاة بمقامه السامى الرفيع ، والدماء أيضا أقبلوا كلهم يدفعهم التطفل وحب الاستطلاع ... تقدم كبير الرسل من الأميرة فحنا أمامها محبيا ثم نهض باشارة منها فقال : أميرتى . إننا يحمل إليك هذه العلبة بأمر من زوجك الأمير هوروس . ثم قدم إليها علبة صغيرة أخرجها من جيبه ... فأخذ الندماء عند ذلك بنظر بعضهم إلى ببعض فى عجب ، مستصغرين الهدية ... ولكن أحدهم صاح : ربما حوت هذه العلبة الصغيرة بخورا للآلهة ، وهو كما تعلمون نفيس ونادر جدا . فأمن الآخرون على كلامه مرددين : أجل هو لاشك بخور الآلهة ! ... ثم استلمت الأميرة العلبة بيد مرتجفة قائلة : ولكن منى يعود الأمير ؟ قال كبير الوغد فى تردد : أميرتى . نحن لا نعلم شيئا ... فالت : ألم يعطكم لى كتابا ؟ قال : كلا ! قالت تخاطب نفسها : عجيب هذا : ربما وضع لى الأمير كتابا داخل العلبة حتى لا تقع عليه أعين المتطفلين ... ثم أخذت تعالج فتح العلبة فى فلق واضطراب ، ولكن لم تكد ترفع عنها الغطاء حتى أعمى عليها ... فقال أحد الندماء الذى لم يمكنه قصر قامته من مشاهدة ما يجرى تماما أصديق بجانبه طويل: أهو بخور الآلهة ؟ وهل هو قوى الرائحة إلى حد أن يغمى على الأميرة بمجرد فتح العلبة ؟ فقال الآخر : لم يكن بالعلية بحور الآلهة ... قال الأول فى دهشة : إذا ما كان بها ؟ فأجاب الآخر فى حزن : هو شىء أغلى وأعز من بخور الآلهة ... هو قلب الأمير ، بعث به إلى زوجه ( كرمة ابن هانئ )
