الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 295الرجوع إلى "الرسالة"

الأندية الأدبية فى مصر، مقهى الفيشاوى، (لمندوب الرسالة الأدبى)

Share

أتعرف الحى اللاتينى يا صاحبى؟ أقصر الطرف، وقرّب الفكر، واقتصد فى الخيال، فلا تذهب إلى ما وراء البحار إذ تحسبه في باريس مدينة العلم والنور، وبلد الطرافة والحسن، ومبعث الفتنة والخروج على الوقار...

إلى هنا يا صاحبى! فى قاهرة المعز لدين الله، موطن المجد القديم والعز التالد والتاريخ الحافل، حيث المسالك الضيقة والدروب الملتوية والشرفات المتشابكة والسطوح  المتواصلة والبناء العتيق العتيد، الذى أفنى جدارهُ القرون  وما زال تتحلى فيه روعة الفن الشرقى الخالص، وعبقرية الذوق المصرى الصحيح...

إلى هنا يا صاحبى! حيث الأزهر يعجّ بأبنائه من سائر الأقطار، ومشهد الحسين يضج بقصاده من جميع الأمصار، وخان الخليلى معرض الكهرمان والآبنوس والصدف والعاج والسجاد الفاخر يتلهف عليه السائحون ومجانين الأثرياء؛ والغورية سوق العطر والأصباغ والألوان وكل مساحيق التجميل البلدية والأوربية تتزاحم عليها أسراب الفتيات من كل هيفاء هى منية النفس، ومن كل شوهاء هي فداء إحسان(1)، ومن كل

إلى هنا يا صاحبى! حيث يمتزج القديم بالحديث، ويختلط الطيب بالخبيث، ويتلاصق الوضيع بالرفيع، ويتساوى الأصيل بالدخيل، فتتجلى لك القومية المصرية فى تباين المظاهر واختلاف  الطبقات، وتتبين لك المفارقات فى أذواقنا وسلوكنا ومدنيتنا إذ ترى عربات سوارس والكارو ما زالت تجرجر وتكركر إلى جانب مركبات الترام والأتوبيس والفيات...

إلى هنا يا صاحبى حيث سوق البقول والأفاويه والتوابل والأعشاب، والبن بجميع أصنافه، والشاى بسائر ألوانه، واللب

الأستاذ فكرى أباظه فى جمع من إخوانه النواب والصحفين يرشفون اكواب الثاى على الفيشاوى فى ليلة من رمضان المحمص ، والحمص المقلى ، والبطاطة المشوية ، والعدس القشرى ، وما إلى ذلك من الاطعمة النهية التى يخالف فى عرضها وفى طهبها كل شروط الصحة على انها عند اهلها كل قوام الصحة والعافية ، فهى لهم ملء البطن ، ومشتهى النفس ، ورغبة العين ...

إلى هنا يا أخى! حيث درج محمد عبده وسعد زغلول وحمزة  فتح الله والسيد المرصفى والسيد القاياتى وإبراهيم الهلباوي ومحمد  أبو شادى ومحمد السباعى وطه حسين وأستاذنا الزيات وزكى مبارك  وغير أولئك ممن أعرف ومن لا أعرف من رجال مصر فى السياسة،                                     وأعلامهم فى الرياسة، ونبهائهم فى الأدب والفضل والصحافة... إلى هنا يا أخى، فذلك هو الحى اللاتينى كما يسميه الظرفاء من أهل الأدب، والنبهاء من أولاد البلد!

فى هذا الحى الذى رأيت، وعلى خطوات من مدخل خان الخليلى

عطبول رداح يفديها صاحبنا بيرم بأبيه وبروحه إذ يقول:

بأبى وروحى اللابسات خلا خلا ... الآكلات مدمساً وفلافلا

الضيق من جهة الحسين يقع مقهى الفيشاوى العتيد، فهو في موضع  بعيد عن جلبة السابلة، وضوضاء المركبات، فأحر به أن يكون فى غمرة من الهدوء والسكون، ولكن الله ابتلاه بكثرة الباعة،                                              وإلحاح ذوى الحاجة، وصوت النادل الأجش يرفعه عالياً عالياً  فى المناداة على المطلوب وشرح المطلوب فيكون له دوى وطنين لا يتحمله إلا الذين تعودوه

ومقهى الفيشاوى فى روائه آية من آيات الفن القديم، وصورة قوية من الذوق الشرقي الذي يغرق بطبعه فى التجميل، ويهول فى التزين، ويخلبه البريق واللمعان، فيحمل الصورة فوق ما تطيق من التمويه والتوشية، وكثرة التلافيف والتعاريج، وأنت تستطيع  أن تستجلى ذلك كله فى تلك المرايا الضخمة الفخمة التى علقت بجدران الفيشاوى وتجاه مدخله بالشارع...

ويهدف إلى الفيشاوى كل أدباء مصر بلا استثناء، فى فترات قد تبعد وقد تقصر، ويدمن الجلوس فيه طبقة خاصة من مفاليك                                        الأدب، وصعاليك الصحافة، وصرعى الآمال فى المشاريع الحرة، والذين عاكستهم الأقدار فى نيل الشهادات والفوز بوظائف الحكومة، ومن شطت بهم الدار من الأقطار الشقيقة فى طلب الرزق أو طلب المجد، يتلفف هؤلاء حول موائد (الشاى المفتخر)  كل مع من يشاكله ويأنس إليه، فيغرقون فى الحديث عن  أنفسهم، أو يتلهون بالنرد ولعب الورق على تدخين النارجيلة  ورشف أكواب الخمر الحلال: أكواب الشاى الأخضر والأحمر والأسود والأبيض الذى يتيه الفيشاوى بصنعه على كل مقاهى القاهرة، وكأنى بأدباء الفيشاوى يجدون فى هذه الأكواب لذة  وغناء عن أكواب بنت الحان...

وكثيراً ما ينطلق أدباء الفيشاوي على طبيعتهم، فيتشاجرون بالنادرة ويتضاربون بالنكتة، ويغرقون فى المرح إلى أبعد حد, ويرسلون الضحكات عالية قوية كلها سخرية بالحياة، واستهانة بقسوة  الدهر، واستخفاف بعبث الأيام ومطالب العيش، فهم يضحكون عن  فلسفة ونظر، وكأنهم يقولون: ولماذا يا أخى لا نضحك، وقد تحملنا من الرهق فوق الطاقة، ولقينا من الأقدار ما تنوء به عزائم الرجال؟ فيالها من دنيا لا تستحق إلا الهوان... وأدباء الفيشاوى يتباينون فى ثقافتهم، ويختلفون فى عقليتهم وإن كانوا جميعاً فى نظرتهم إلى الحياة سواء، فتجد فيهم الشيخ  الأزهرى الذى يرغى ويزبد بالقافات كما يقول حافظ، وفيهم الأديب

الظريف الذى يملأ جعبته بنوادر السابقين واللاحقين، وفيهم  الصحافى الذى يضيق رأسه بأخبار الملاهى والمسارح ونجوم السينما  والمسرح فى هوليود وعماد الدين، وفيهم من يضج لسانه بالعجمة  ويرتضخ بالعامية وكل ما عنده جملة طيبة من أسماء الأدباء فى الشرق والغرب، وهو يحسب أنه رأس المفكرين، ولله فى خلقه شئون. ويجرى ذكر الأدب والأدباء فى حلقات الفيشاوى، فيذكر من الكتاب العقاد والمازنى وطه وهيكل والزيات وأحمد أمين  وزكى مبارك وكل كاتب فى مصر، ويذكر شوقى وحافظ ومطران وشكرى والزين والهراوى والأسمر وكل شاعر حى أو غبر،                                                                      ويذكر حافظ عوض وعبد القادر حمزة وأنطون الجميل وصاحب  الهلال وإخوانهم فى الصحافة، ويذكر يوسف وهبى، وجورج أبيض وسليمان نجيب، وعزيز عيد، وفاطمة رشدى، وزينب صدقى، وأمينة رزق، ومن لا أعرف من أهل المسرح، ولكن كل  هؤلاء لا يفوزون من أدباء الفيشاوى إلا بابتسامة؛ ولست أدرى أهى ابتسامة الرضى والإعجاب أو الهزء والاستخفاف.                                                                                         وعلى كل حال فهم يرون أنه لولا معاكسة الأقدار، وقسوة الحظ  لكان أقل شخص فى الفيشاوى أكبر من أى شخص من هؤلاء فى النثر أو فى الشعر أو فى الصحافة أو فى التمثيل، كل فيما يحاوله ويرغب فيه، وجبراً لخاطر إخواننا فى الفيشاوى نلعن ذلك الشىء  المدعو بالحظ، قاتل النبوغ، وقابر العبقريات...

وللفيشاوى (موسم) يتم له فيه المجد، ويبلغ الغاية من الجلال والكمال، وذلك فى رمضان إذ تنشد النفوس الإنابة وحسن الثواب  وتطلب السهرات البريئة الطيبة فتستبدل أكواب الشاى بأكواب المعتقة، ومن ثم تجد فى حلقات الفيشاوى رجال السياسة والأدب والصحافة فى مصر، فتجد لطفى السيد باشا، وهيكل باشا،  وحفنى محمود، وعبد الرحيم محمود، ونيازى باشا، والصحافى العجوز،                                   وفكرى أباظة، ولطفى جمعة؛ وكثيراً من النواب وأساتذة الجامعة  وشيوخ الأزهر، كل منهم فى حلقة حافلة، يشدون أطراف  الحديث طلباً للسمر، واستعانة على السهر، حتى السحور

ثم يأتى العيد، فينفض السامر الحافل، ويعود الوضع  إلى مستواه، ولا يبقى للفيشاوى إلا الذين يعكفون عليه من أمثال الشاعر إبراهيم الدباغ والأستاذ عبد العزيز الأسلامبولى صاحب المعرفة، والشيخ سلطان الجهنى المحرر بالوفد، والشيخ على عامر المحرر بالدستور، صديقنا الشيخ البهى المحرر بالمقطم، والشاعر

البائس الثائر على نفسه وعلى الناس والأيام عبد الحميد الديب... وعبد الحميد الديب هذا شخصية عجيبة متناقضة، تثير فى النفس بمظهرها وبأدبها وبسلوكها كل عواطف الإشفاق والقسوة والألم والضحك. فهو يعجبك بشعره، ولكنه يغضبك بسلوكه.  وهو يضحكك بحديثه، ولكنه يؤلمك بمظهره. أشبعته الأقدار قسوة وإرهاقاً وبؤساً، وأشبعها هو استخفافاً واستهانة وزراية. وهو على حاله تلك يعتد بنفسه إلى أبعد حد، ويرفع شعره فوق  كل شعر، فشوقى مهما سما فى تقديره لا يبلغ شعره فى مفرقه، وهو ملازم للفيشاوى لا يريمه فى الضحى والأصيل والعشية، وحتى لقد يبيت على كراسيه. ولقد جاء العيد وتفرق إخوانه كل إلى شأنه

وبقى هو وحده على أفريز الفيشاوى ينشد:

يا معشر الديب وافى كل مغترب ... إلا غريبكم فى مصر ما بانا

قدمتموه الشاة قربانا لعيدكم ... والدهر قدمنى للبؤس قربانا

لقد تغير كل شىء في الحياة! ومن ذا الذي يا عز لا يتغير؟!                                                وها هو ذا معول الهدم يهدد مقهى الفيشاوى بالدمار تنفيذاً لقرار دائرة الأميرة شويكار. فهل يحفل أدباء الفيشاوى بتاريخ ناديهم  العتيق وذكرى أيامهم الطيبة فيه كما يعنى بذلك أدباء الغرب؟ هيهات!

اشترك في نشرتنا البريدية