ظهرت أسماء طائفة من الأنهار وسط أنباء القتال في الأسبوع الماضي . فأضافت عنصرا جديدا ، يختلف عما ألقناه من أنباء الحرب في البر والبحر والجو . ذلك أن القذائف الجهنمية التي كانت ترسل على الجيوش المحشدة ، والمعاقل الحصينة . والسفن الجارية ، والمعامل والمنشآت الصناعية ، قد أخذت تناول الأنهار المتحدرة في أودينها ، وهي مجرى وسط خريرها وهدرها ، متدفقة بين الهضاب ،
منسابه بين السهول المطمئنة ، حتى تبلغ مصبها في البحر ، وهكذا كان الهجوم على الأنهار ظاهرة من أحدث ظاهرات هذه الحرب واتجاها جديدا فيها . وليس بمستبعد ان تكرر هذه الظاهرة في الأيام المقبلة ، قبل أن يتخذ الطرف الآخر العدة اللازمة لحماية انهاره والدفاع عنها
ولكن الانهار التي تتعرض لمثل هذا التدمير والتخريب ليست كسائر الأنهار ، بل إنها شيدت وسطها سدود ضخمة ، تعترض مجراها ، بحيث تمنع الماء من أن يجري كما يشاء . بل تضطره لان يتراكم وراء تلك السدود ، ولا يزال يتجمع من خلفها حتى تتألف من تجمعه بحيرات عظيمة ، كما يجمع الحريص المال فوق المال ويملأ به الخزائن ، فتتألف منه ثروة ضخمة ، ثم يأخذ في الإنفاق منها بتدبير وتقدير .
ومن قبل حدثنا القدماء بسد مأرب في بلاد اليمن ، وكان الماء يخزن من ورائه في بحيرة عظيمة ، تروي الحقول والحدائق ، وتشيع الخير والبركة في المروج والجنان . حتى سلطت على ذلك السد القديم فأرة حمراء الجسد صلعاء،
الرأس فأخذت تنحت الصخر وتخربه . ولم تزل به قرضا وعضا ، وتفريقا وتمزيقا ، حتي أوهنت أركانه وأفسدت بنيانه ، فتدفق ماء الخزان ، وعجل الخراب إلي الربوع العامرة ، والحدائق البائعة . وهكذا نعلم قادة الحرب الحديثة درسا عظيما من تلك الفأرة القديمة ، ولئن كانوا لم يتلقوا هذا الدرس عنها مباشرة فإنهم على كل حال قد نهجوا نهجها ، واتبعوا سنتها ، وإن كان تدميرهم اسرع وأبلغ أثرا
وسكان مصر خير من يفهم معني السدود والخزانات ، ولديهم سد عظيم في اسوان ، يحبس ماء النيل فتتألف منه بحيرة ضيقة مستطيلة تمتد من اسوان شمالا إلي ما بعد وادي حلفا جنوبا ، ويزيد ارتفاع سطحها على مستوى النهر وهو في حالته الطبيعية بنحو ثلاثين أو أربعين مترا . وللمصريين سد آخر جنوب الخرطوم عند جبل الأولياء ، يحبس الماء في بحيرة تمتد إلي الجنوب بنحو أربعين كيلو مترا
وبناء السدود من أجل الأعمال الهندسية وأخطرها . قد انتفعت به أقطار عديدة ، وجنت من ذلك فوائد اقتصادية بعيدة الأثر . ولقد كنا في مصر نشفق - حين نرى خطر الحرب يدنو من ديارنا - ان تتجه يد العدوان إلي سدنا وخزائنا فتصيب البلاد بويلات ، يرتعد الجنان فرقا ، من مجرد تصورها .
وليست كل السدود والخزانات مماثلة لسد أسوان في ضخامته ، أو في هندسة بنائه ، أو في الوظيفة التي يؤديها للبلد التي انفقت الملايين في تشييده وإنشائه . فليس في العالم سدود كثيرة تعادل سد أسوان في ضخامته ومتانته التي تتناسب مع قوة التيار واتساع الوادي ووفرة الماء وسد أسوان تتخلله أبواب عديدة ؛ لا يغلق إلا جزء منها بقدر الحاجة . ويختزن الماء من ورائه في زمن الفيضان ، لكي ينتفع به في أوان انخفاض النهر وقلة الماء . فوظيفة
خزان اسوان الرئيسية هي الري . ولم ينتفع به إلى اليوم في أي غرض آخر .
أما السدود التي أغارت عليها الطائرات البريطانية في الأسبوع الماضي فمن طراز يختلف اختلافا كثيرا عن سدنا ، ولقد خيل لكثير ممن لم يألفوا من السدود والخزانات سوي ما نعرفه في مصر ان تلك الغارات ستحرم الحقول من الماء اللازم لريها . وان المزروعات في غرب ألمانيا لن تلبث أن يدركها الذبول والجفاف من قلة الماء والحقيقة ان الماء المخزون وراء تلك السدود لا ينتفع به في الري في أقطار ترويها السماء بمطرها الوافر في الشتاء والصيف .
هذه السدود التي خربت الطائرات اثنين منها ، هي من طراز واسع الانتشار جدا في الجهات المرتفعة في أوربا ، ويخزن من ورائها الماء في بحيرات ، ذات مستوي عال ، لكي ينحدر منها الماء بقوة عظيمة ، من أجل توليد الكهربا
ولقد تكون القوي الكهربائية المتولدة من سقوط الماء من الضخامة ، بحيث تكفى لتسيير القطارات مئات من الأميال . ولادارة المنشآت الصناعية العظيمة التى لا تبعد عنها كثيرا . ولتزويد المدن بما تحتاجه من الكهرباء للأنارة ، وللنقل وللصناعات الصغيرة التى تكثر في المدن .
بل إن المتولد من الكهرباء في بعض الأقطار ومنها ألمانيا ، قد يكون من الكثرة بحيث يفضل عن حاجة القطر نفسه ، ويستطيع في هذه الحالة ان يبيع التيار الكهربائي ، وأن يصدره إلي قطر مجاور له .
وسقوط الماء من أيسر وأرخص الوسائل لتوليد الكهرباء ، ولذلك نراه قد حل محل الفحم في كثير من الأقطار . وقد أطلق عليه اسم الفحم الأبيض . وفي كثير من الجهات الجبلية ، مثل ألمانيا الجنوبية ، وسويسره وإيطاليا والنمسا ، قد بذلت جهودا جبارة في العشرين عاما الماضية للتوسع في استخدام سقوط الماء ، فاستطاعت تلك
البلاد أن تحصل على القوة اللازمة للصناعة ، ولتسيير القطارات بثمن زهيد مكنها من التقدم السريع في الميدان الصناعي والتجاري . ولقد كان الفحم الأبيض في تلك الجهات من أكبر النعم على سكانها ، لأنها فقيرة جدا في الفحم الحجري والبترول . ولقد رأت سويسره في الحرب العالمية الأولى أن سككها الحديدية توشك أن تتعطل بسبب قلة الفحم ؛ واستحالة الحصول على حاجتها منه فبادرت باستخدام سقوط المياه في إدارة قاطراتها ، وفي صناعاتها . وباتت منذ ذلك الحين في غني عن الفحم الحجري في نقلها وصناعاتها .
وربما خطر لنا أن نتساءل لماذا نبني السدود في مجري النهر ، مع أن انحدار الماء نفسه كان لتوليد الكهرباء . وصحيح ان السدود التي تبني من أجل توليد الكهرباء تكون عادة في اعالي الانهار ، وفي الجهات الجبلية ، حيث الانحدار شديد ، ولكن الانهار مهما كانت مياهها وافرة ، فأنها ليست منتظمة الجريان ، وقد يقل المطر ، فيقل الماء في النهر ، وتتعطل الآلات المولدة للكهرباء بسبب ذلك
لهذا لم يكن يد - لضمان توفير الماء دائما ، ولتصريفه بانتظام واطراد طول السنة - من ان يبني السد ، فتكون من ورائه بحيرة عظيمة ، كمد النهر بالماء في كل حين . وفوق هذا فإن اختزان الماء في بحيرة يرفع مستوي الماء كثيرا وراء السد ، فيكون سقوط الماء اعظم ، والقوة المتولدة منه أكثر .
وهذه السدود هي في العادة سدود صماء ، لا تتخللها ابواب تفتح وتغلق ، وقد يرتفع الماء في الخزان حتي يبلغ سطح السد فينحدر من فوقه إلي النهر . أما المياه التي تستخدم في توليد الكهرباء فإنها عادة تنقل من البحيرة إلي محطات توليد الكهرباء بواسطة انابيب ضخمة شديدة الانحدار
ولا تبنى هذه السدود وسط الأنهار العظيمة مثل نهر
الرين أو الطونة ، لكيلا تعوق اللاحة ، ولقلة انحدار الماء في الانهار التي تجري في السهول . بل تكون تلك السدود في الروافد العليا ، والانهار الصغيرة التى تجري في المرتفعات ولهذا فإن الانهار التي جاء ذكرها في الانباء الأخيرة ليست مما تعودنا أن نسمع به .
وبرغم قلة ما نعرفه عن الحرب الجوية وفنونها المختلفة ، فإنه يخيل إلينا ان امثال تلك السدود من الأهداف السهلة . وان وجود البحيرات المختزن بها الماء تدل عليها ، وعلي الأخص في ضوء القمر . ويلي البحيرة السد وهو جدار ضخم سمكه بضعة امتار ، وارتفاعه قليل من جهة البحيرة ،
ولكن ارتفاعه عظيم جدا من الناحية السفلي للنهر . فإذا استبان الطيار مكان البحيرة ، اتجه إلي الناحية السفلى للسد ، وأمكنه أن يلقي بقنابله الضخمة على هدف عظيم ليس من الصعب إصابته . ومهما كان بناء السد متينا محكما ،
فإنه لا حول له ولا قوة أمام القذائف الهائلة التي تزن بضعة آلاف من الأرطال . ولقد أثبتت هذه الحرب فيما اثبتته ان اداة الهجوم عند الدول المحاربة أقوى واشد من أداة الدفاع ، وان ادوات التخريب أشد واقسي من وسائل البناء والتشييد
وقد قامت بريطانيا بغارتها تلك على السدود الألمانية بواسطة تسع عشرة طائرة فقط ، وقد اصابت هدفين عظيمين أولهما السد المشيد علي نهر إيدوEdet ؟ والثاني المشيد على نهر مونهMohne ؟ ؟
فأما نهر إيدر فانه رافد من روافد نهر ويزر ومنابعه في وسط المانيا الغربي يجري من الغرب إلي الشرق ، حتي يصب في نهر ويزر الذي ينحدر نحو الشمال لكي يصب ماءه في بحر الشمال . وعلي مصب نهر ويزر تقع مدينة بريمن التي نسمع بها كثيرا في هذه الحرب ولكن نهر إيدر واقع في جبال ألمانيا الوسطى . وقد شيد عليه سد عظيم ، يحجز وراءه بحيرة طولها بضعة عشر من الكيلو مترات .
وعلى بعد خمسين كيلو مترا من هذا السد مدينة كاسل التي يبلغ سكانها نصف مليون من الأنفس ، اشتهرت بكثير من الصناعات المعدنية ، والمنسوجات وبالقرب منها مناجم للفحم .
وقد روت الأنبياء أن القنابل قد فتحت في سد إيدر ثغرة عرضها سبعون مترا وعمقها ثلاثون . وإذا انشقت مثل هذه الفجوة الهائلة ، فان الماء المحبوس في البحيرة يندفع بقوة مفظعة ، منتشرا في الوادي الذي تحته ، فيغمر الحقول والدور والمصانع ، وقد يخربها ويدمرها ويكتسحها ، وإذا كان في النهر جسر او قنطرة تفوضت دمائها وزعزعت اركانها . فإذا بلغ مدينة عظيمة مثل كاسل ، فإن الوبل ينال عددا كبيرا من السكان .
وإذا كان تخريب سد إيدر قد أحدث تلفا كبيرا ، فإن تخريب سد مونه يكون ذا أثر أفظع . لأن حوض نهر الرور من أعظم الأقطار الصناعية في أوروبا ، ومن اشد الأقاليم ازدحاما بالسكان
وهكذا قد ظهر في هذا النزاع العنيف ضرب جديد من ضروب الحرب . هدفه السدود الى تبنى في الأودية العالية ، والآثار التي تترتب على تخريب تلك السدود من نوعين : أولهما ما يحدثه الطوفان المندفع من تدمير المنشآت
وإهلاك للأنفس . مما في ذلك تحطيم محطات توليد الكهرباء نفسها . وهذا هو الأثر العاجل السريع ، الذي يتناول الإقليم المنخفض الذي يحيط بالنهر . إلي مسافة قد لا تتجاوز الخمسين ميلا ، وبعد ذلك تهدأ حدة الطوفان ويكون التدمير أقل فأقل كلما ابتعدنا عن السد
والنوع الثاني أطول مدى ، وهو تعطيل القوي الكهربائية المترتبة على هذا العمل الهندسي العظيم . فترة من الزمن قد تتجاوز العام ، ربما يعاد بناء السد ، ثم ملؤه بالماء . ولكن يجب الا نسرف فنظن أن تعطيل الكهرباء المتولدة من خزان إيدر وميوهن أحدهما سيعطل الصناعة
في ألمانيا ، فإن هنالك خزانات اخرى للكهرباء . وهنالك الفحم الكثير الذي تستخدمه المانيا في توليد القوى الكهربائية
ولكن هنالك دولة أخرى من دول المحور ، فقيرة في الفحم كل الفقر ، تعتمد علي سقوط الماء كل الاعتماد ، في إدارة مصانعها ، وتسيير قاطراتها . تلك هي دولة إيطاليا وأهم محطات توليد الكهرباء واقعه في أطرافها الشمالية في المنطقة الألبية . على بعد ألف كيلو متر من شمال تونس ولكن ليس هذا البعد مما تعجر عنه الطائرات البعيدة المدى ولا يزيد كثيرا ، عن المسافة بين بريطانيا ونهر إيدر

