لا اختلاف بين الناس في أن الحياة لا تقوم بغير اوكسيجين ، وان هذا الغاز الحيوي إذا انعدم توقفت الحياة بشتي صورها فلا يبقى حيوان ولا نبات .
ولكن الواقع أن بعض فصائل البكتريا يعيش من غير أوكسيجين . وقد أجريت تجارب ثبت بها أن بعض الحشرات واليرقات استمرت على قيد الحياة في مستودعات محطة الإغلاق على الرغم من رفع درجة حرارتها إلي درجة الغليان ، وقد استمرت هذه الحشرات ويرقاتها على قيد الحياة بعد وضعها تحت آنية زجاجية مفرغة من الهواء وقد أسفرت هذه التجربة عن نفس النتيجة حينما أجريت على بعض أنواع الأسماك والحيوان ، وقد ذهب العلماء إلي أبعد من ذلك فأدخلوا في هذه الآنية غازات سامة فلاحظوا أن بعض هذه الأحياء قد استمرت على قيد الحياة .
وقد أجهد العلماء أنفسهم للوصول إلي تفسير لهذه الظاهرة حتى اهتدى أحدهم إلى التعليل الوحيد المعقول ، وهو أن هذه الكائنات الحية التي تستغني عن الأوكسيجين انحدرت من فصائل كانت على قيد الحياة في العصور الجيولوجية الأولى ، أي قبل ان تنتظم أحوال كوننا الأرضي على النحو الذي نراه ، وقبل أن يصبح هواؤه على هذه
الصورة وبهذا التركيب الذي نجده عليه اليوم ، فكانت أجهزتها مهيأة على نحو يلائم الجو الذي كانت تعيش فيه ، وهو جو نعتبره نحن اليوم ساما لكثرة ما كان يخالطه من الغازات السامة ولقلة ما كان فيه من الأوكسيجين .
ويظهر هذا بوضوح في بعض أصناف الأسماك ، فقد ثبت أن من فصائل ما ينمو ويتكاثر في جو مشبع بغاز ثاني أوكسيد الكربون ، وليس فيه من الأوكسيجين شئ ، ومن المعروف أن بيض الدجاج يفرخ في غاز ثاني أوكسيد الكربون . وتمتاز خياشم بعض الأسماك بظاهرة غريبة ، هي تصفية الهواء من الأوكسيجين .
ومن فصائل نمر البحار (( الشارك )) ما يعيش في مياه لا تزيد كمية الأوكسيجين الذائب فيها على سنتيمتر مربع في كل ألف سنتيمتر ، ومع هذا فهي موفورة القوة والنشاط ولو كانت تحتاج إلى مقدار الأوكسبجين الذي يستلزمه العلماء لحياة الأسماك لوجب أن يمر في خياشم هذا الشارك أربعة براميل ضخمة من الماء في الدقيقة ، وهو أمر غير محتمل ، لأن حجم هذا النوع لا يزيد على حجم الرجل العادي ، وقد قام العلماء بتجارب أثبتت أن هذا الصنف من السمك لا يحتاج إلا إلي شئ ضئيل جدا من الأوكسيجين . وقد أدت هذه التجارب بأحد العلماء إلي القول بأن نشاط الكائن الحي لا يتأتي من تأكسد الغذاء فقط ، وإنما من عوامل أخري لم تكتشف حتى الآن .
