الإحسان لفظ جميل ، تستعذبه الأذن ، وعمل جميل تطرب له النفس ، حديثه طالما أثلج الصدور ، واعاد إلي القلوب اطمئنانها ، وإيمانها بأن بني آدم بخير ما دام غنيهم يحسن إلي فقيرهم وقادرهم يمد يد المعروف إلى عاجزهم وقويهم يبدي العطف على ضعيفهم ، وكبيرهم يحنو علي صغيرهم ، وعالمهم ينير السبيل لجاهلهم
فأي عجب بعد هذا في أن نرى الإحسان متعدد الأسماء والألقاب ، فهو الإحسان والعرف والمعروف ، والصداقة ، والتضحية ، والأريحية وهلم جرا . وأي بدع في أن نرى الشعراء - وهم الألسنة الناطقة لبني الإنسان تسبح بحمده وتشيد بذكره :
ولم أر كالمعروف ، أما مذاقه فحلو ؛ وأما وجهه فجميل .
ولما للإحسان من عظيم الأثر ، وجليل الخطر في الحياة البشرية ؛ نراه بتخذ في حياتنا صورا شتي ، ووجوها عديدة . والمحسن الكريم كثيرا ما يمعن النظر ، ويطيل التفكير قبل ان يقرر : إلى أي وجوه الإحسان يتصرف ، وفي أي سبله ينفق . ولئن كان أكثر الناس يتوهم أن وجوه الإحسان جميلة كلها ، وطرقه تفضي جميعا إلي الخير ، وإلى البركة ؛ فإن هذا لم يمنع الناس من التفان وإمعان الفكر في أي وجوه الإحسان اجدى على بني الإنسان ، وأيها ابلغ اثرا علي مدى الزمان ، بحيث يكون
الهدف منه المنفعة الآجلة ، لا الفائدة العاجلة الزائلة ، والجرع أروي ، والرشيف أنقع .
لهذه الأسباب تعددت وجوه الإحسان . فمن رجاله من يؤثر بناء مستشفى ، او مدرسة او مسجد ، أو دار لإطعام الفقراء واشباه الفقراء ، أو ملجأ للأيتام او مأوي لمن تقدمت بهم السن ، وحرموا مساعدة الأهل . . ومنهم من يفضل ان يرئب للفقراء والمعوزين ، والذين أخني عليهم الدهر رزقا منظما يأتيهم بإطراد في كل يوم أو كل شهر - وهذا الرزق قد يكون عينا أو نقدا - ومنهم من يري الا يكون إحسانه مقصورا على أبناء وطنه ، بل يؤثر أن يعم ولا يخص ؛ فتراة بقف المال لسكان الحرمين : أو يرسل البعثات إلي الأقطار البعيدة والأقاليم النائية ، لنشر الدين او التعليم ، أو إنشاء المعاهد الصحية والأندية التهذيبية ، والمنشآت الثقافية للبنين وللبنات ، في كل أرض وتحت كل سماء .
وهكذا تقدم العالم في العصور الحديثة ، وتعدد نشاطه وتنوع ؛ فتعدد الإحسان أيضا وتنوع ، واتخذ صورا شتي وفنونا كثيره ،ودخله شيئ غير قليل من الابتكار والخيال . وها نحن - أولاء اليوم نشهد مولد نوع جديد من انواع الإحسان ، وضروب ستحدث من ضروب المعروف إلا وهو الإحسان الدولي ، الذي تتولاه الدول - ممثلة في حكوماتها ؛ وتتفق فيه من ميزانياتها . . وأرجو ألا يخلط أحد بين هذا النوع الجديد ، وبين الطراز القديم الذي كان النشاط فيه صادرا من هيئات مستقلة عن الحكومة ، مثل مؤسسة ركفلر ، والبعثات التبشيرية وما شاكلها . فالنوع الجديد يمتاز - أو على الأقل يختلف - بأن الآراة التي تشرف عليه وتباشر تنفيذه ، هي الحكومة بوزرائها ومصالحها وإداراتها المختلفة ؛ وهي تتولي الصرف عليه من الأموال العامة . المأخوذة من دافعي الضرائب .
وبين يدي الآن وصف المحاولة الأولى لتطبيق هذا المبدأ الإنساني الجديد ، وهو مبدأ الإحسان الدولي . ولكني أريد ، قبل أن أفصل الحديث عنه ، ان أذكر أن من الخطأ الذي يقع فيه كثر الناس ان يتوهموا ان وجوه الإحسان خير كلها . بل لقد أثبتت التجربة أن من الأعمال التي تدعي إحسانا ما هو شر ، وفساد للنفوس . فلم يكن من الخير في يوم من الأبلغ أن تنشأ النكايا التي تؤذي العشرات أو المئات من العاطلين والكسالي ، الذين يؤثرون عيشة القعود والراحة ، على العمل والخدمة ولقد أوقفت أموال كثيرة لما أطلق عليه بوجه عام اسم (الخيرات) تفسر القائمون بالأمر هذه الخيرات بأنها هبات تمنح للشحاذين الملحقين ، الذين يزعمون أنهم كانوا يوما ما في رغد من العيش ، ثم أخبي الزمان عليهم . وما يليق ممثلهم أن يعملوا أو يتكسبوا ، مع وفرة الصحة وقوة الجسم . ولا تريد أن تطيل الحديث عن هذا الضرب من الإحسان الذي هو أدنى إلي الإساءة ؛ فقد أصبح من البديهات المعروفة لكل مشتغل بالشئون الاجتماعية ، أن المساعدة التى تؤتي ثمرتها هي التي يصحبها مجهود يبذله الشخص الذي يمنح المساعدة ، وهي وحدها التي يصح أن تسمى إحسانا
ننتقل الآن إلي الطراز الجديد من الإحسان الذي تبذله دولة لدولة . والمثال الذي بين يدى أت من امريكا ، وليس يبدع أن يكون مصدره في العالم الجديد . فلقد كان أبناء الولايات المتحدة سباقفين في ميدان الخيرات على ضروبها وأشكالها . ونحن نري أمام أعيننا في ديارنا ، وفي الأقطار المجاورة لنا مؤسساتهم ومنشآتهم الخيرية ، وكلها تشهد بزعات قوية نحو الإحسان ، ومقدرة عقليمة على محاراة هذه النزعات . ولكننا اليوم نشهد عهد تطور جديد في هذه الأعمال الخيرية وذلك بدخول حكومة الولايات المتحدة هذا الميدان بنفسها بأموالها الطائلة
فقد سنت أمريكا مبدأ سمته " سياسة حسن الجوار " أو " سياسة الجار الكرريح " - Good neighbour police- والجار الكريم شديد الرغبة أبدا في ان يغدق الخيرات على جيرانه المحتاجين ، أو الذين يظن فيهم الحاجة والعوز . وهو شديد العطف على جيرانه ، إلي درجة أنه قد يري فيهم حاجة لا يحسون هم بها . ويلحظ فيهم عوزا يجهلونه كل الجهل
وقد تكونت سياسة حسن الحواز في امريكا بالتدريج ، ولكنها توطدت وتأكدت في المؤخر الذي عقدته جمهوريات امريكا الشمالية والجنوبية والوسطي في شهر يناير عام ١٩٢٣ في مدينة ريو دي جانيرو. وهنالك اتجاه عند بعض المفكرين ان يتوسع في تطبيق مبدأ حسن الجوار بحيث يشمل العالم القديم ، متى ظهر نجاحه في العالم الجديد .
وقد بادرت حكومة الولايات المتحدة باتخاذ إجراءات سخبة كريمة لتضع سياسة الجار الكريم موضع التنفيذ . إذ من البديهي انه إذا أريد بهذه السياسة ان تخرج عن كونها مجرد امان صالحة ، وعواطف نبيلة سلبية ، فلا بد من تعزيزها بأعمال ومشاريع ايجابية ، تشتمل على معاونة الجار القادر لزميله العاجز ، ويذل الغني المساعدة اللازمة لحجاره المحتاج
وغني عن الذكر أن تقدم الولايات المتحدة ، وتفوقها في الميدان الثقافي والاقتصادي بحتم عليها ان تكون هي البادئة بالنهوض بهذا العبء، لهذا بأدرت حكومتها فأرصدت لمشروع حسن الجوار مبلغ ستة مليارات من الدولارات(اي الف وخمسمائة مليون من الجشبهات بسعر القطع الحالي ) وذلك لمساعدة أقطار في امريكا الوسطى والجنوبية يبلغ سكانها ١٢٠ مليونا من الأنفس ، فتكون المساعدة المقررة بنسبة اثني عشر جنيها لكل فرد من السكان . وهذا من غير شك مبلغ ضخم ، ولكن تقرب فهمه من فكر القارى المصري تذكر انه : لو ان مصر من أقطار العالم الجديد ، لسكان من الجائر أن ينالها مساعدات قيمتها مئتا مليون من الجنيهات . وهو كما ترى
مبلغ لا يستهان به ، وتستطيع حكومة مصرية حازمة ، شديدة التدبير ، حسنة التصرف ، ان تفيد الامة به فوائد جمة .
وهنا نعرض للقارئ من غير شك أسئلة عديدة وهي كيف تنفق هذه المساعدات في الجمهوريات الامريكية ، بواسطة اي الهيئات ؟ وفي أي الوجوه يكون الإنفاق ، وهل هي مساعدات متكررة في كل فترة من السنين ، أم هو مبلغ واحد غير قابل للتجديد
إن المقال الذي بين يدي من وضع أحد أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكيين ، وقد شاهد بنفسه تنفيذ سياسة حسن الجوار ، والمشروعات التي تنفق فيها تلك الأموال . وهو شديد النقد لحكومته ، ولا بفرها على صنعها هذا . ومن الجائز أنه شديد التحامل ، مسرف في نقده . ولكن هذا لا يمنعنا من ان ننظر في اقواله وتوليها ما تستحقه من الاهتمام .
ولابد لنا أن نبدأ بأن نتقي فكرة أن حكومة الولايات المتحدة تبغي من هذه المساعدات زيادة في نفوذها السياسي فإن من الخطأ ان شكر انا نشهد اليوم في الشعب الأمريكي وفي حكومتة نزعة قوية إلى إقامة بنيان العالم ، على مبدأ سليم من التعاون والمساعدة . وان من المعقول جدا أن يكون أول اتجاه عملي في هذا السبيل - في الناحية السلمية - هو مساعدة دول العالم الجديد المجاورة لها
أما الهيئات التي تقوم بتنفيذ تلك السياسة فتتألف من مندوبين عن حكومة الولايات المتحدة ، يتعاونون مع الهيئات المحلية في كل حكومة من الحكومات .
وأما الوجوه التي تتفق فيها تلك الأموال فأكثرها مشروعات نافعة يزعم الشيخ المذكور أنها 12,000 مشروع ، وتشمل ألف نوع من أنواع الأعمال العامة . يذكر منها صاحب المقال - ولا شك أنه يري إلي النقد أكثر مما برعي إلي الشرح : - ) ١ ( مشروعات في تزوبلا وبلاد المسكسيك لنقل الأسماك إلى البحيرات
والأنهار في البحيرتين ، من أجل تحسين إنتاج السمك في هذين القطرين ( ٢ ) وأموال كثيرة أنفقت في إعداد مؤلفات علمية عن سكان أمريكا الجنوبية الوطنيين وثقافتهم ونظمهم الاجتماعية ( ٣) اصلاح الأراضي التي خربت ما بين بيرو وأكادور في أثناء الحرب التي دارت بينهما منذ بضع سنين . ( ٤ ) إنشاء المرصوفة المعبدة ، في داخل عدد من الجمهوريات .(٥) إنشاء مجار في كثير من المدن . ) ٦ ( شراء مساحات كبيرة من الأرض للتجارب الزراعية بقصد تحسين الزراعة . ) ٧ ( إنشاء المستشفيات وإعدادها بالأدوات الحديثة على الطراز الأمريك . وقد بلغ عددها إلي وقت كتابة ذلك المقال ثلاثين من المستشفيات الكبيرة إلي جانب مائتي مستوصف صغير ونستكفي بهذه الأمثلة دليلا على توع الأعمال والحهود المبذولة في تنفيذ سياسة حسن الجوار ولعل أهم وجوه النقد التي سردها الكاتب ثلاثة : أولها : أن حكومة الولايات المتحدة تريد أن تصوغ الجمهوريات الأمريكية على غرارها ، وأن تطبعها بطابعها بطريقة مفتعلة . ثانيا : إن وكلاء الحكومة الأمريكية في الجمهوريات المختلفة قد أفسدوا الحياة الاقتصادية فيها مما يبذلونه من الأجور العالية ) وهي نحو أربعة أمثال ما كان يتناوله العامل من قبل ( . وأنها قد خلقت في كل جمهورية حالة من الرخاء المقتعل ، ستظل قائمة ما بقيت المساعدة الأمريكية ، فإذا زادت أو نقصت نقصا كبيرا فسيكون لزوالها أثر سئ في النظام الاقتصادي
والنقد الثالث الموجه إلي هذه الشروعات بوجه خاص وهو أن كثيرا منها يقوم على هذه الساعدة التي تبدلها حكومة الولايات المتحدة ، دون ان يكون هنالك مجهود تبذله حكومة بعض الجمهوريات المساهمة في تلك الأعمال ، فان في هذا مخالفة لابسط فواعد المساعدة التى وضعها علماء الاجتماع الامريكيون انفسهم ، وهي أنه كل ساعدة تأتي من الخارج يجب ان تكون على قدر المجهود
المبذول في الداخل . وأن من العبث أن نمد الأيدي إلي انهاض من لا يبذل جهدا في النهوض بنفسه
هذه خلاصة - لا تخلو من القصور لحديث هذا المجهود الجديد في نوع جديد من أنواع الإحسان . وليس من شك في ان كل محاولة جديدة في ميدان مبتكر سيصحبها دائما اغلاط لابد ان تصححها التجربة على مضي الزمن . ولا يسع المنصف إلا أن ينظر بعين الرضا لما فامت ( حكومة الولايات المتحدة ، وان يتمني لها في جهودها النجاح والفلاح
كذلك لا يسع المصري المخلص إلا أن يتمني ان يتمكن قطرنا من النهوض بنفسه وان بتوفر على إصلاح شئونه بماله الخاص دون ان يتطلع إلى الإحسان الدولي الذي ينتظر أن يتقرر كمبدأ عام وكجزء من تنظيم العالم كله وإيجاد هيئة دولية تشرف على توريع تلك المساعدات
وإن المرء ليذكر اليوم ما حدث منسد عشرين عاما . حين تقدم رجل من كبار رجال الإحسان في امريكا ، إلي الحكومة المصرية بعشرة ملايين من الدولارات ، لكى تتفقها حكومتنا في إنشاء متحف جديد للأثار المصرية ، ومعهد لدراستها . وقد رأت الحكومة أن تعتذر من عدم قبول الهبة . ربي لما متحفنا القديم ، ومعهدنا المتواضع
يذكر المرء اليوم هذا الحادث ، ثم يقارن به ماجاء في صفحة ٢٠ من تقرر عن إصلاح التعليم في مصر " من تعلم إلي تلك المساعدات الدولية ، التي لن تمنحها الأفراد بل الحكومات ، ممثلة في هيئة دولية او غير ممثلة ، فيري التغيير الكبير الذي طرا على تفكيرنا . ومع اننا من غير شك احسن ظنا اليوم بالمساعدات الدولية مما كنا سابقا ؟ فإن كثيرا منا - على ذلك - يشفق أن يسن نواينا وشيوخنا دستورا للتعليم في مصر ، يعبرون فيه صراحة عن أملهم في المعونة التي تأتبنا في المستقبل ، والتي من غيرها لن نستطيع تثقيف أبنائنا وبنائنا
