لست أدري المصدر الأول المثل الذي يجري علي ألسنتنا بأن "إختلافهم رحمة" . ولا أدري لمن يرجع ضمير "هم" . ومن هم أولئك الناس أو تلك الطائفة التي يكون إختلافها رحمة للعالمين ، فليس في إختلاف الإخوان والأصدقاء والأرواح والأحزاب رحمة ظاهرة ولا باطنة . فمن عساهم يكونون أولئك السادة الذين إختلافهم رحمة وإتفاقهم نقمة ؟ .
من الجائز أن هذا الإختلاف الذي تتولد منه الرحمة هو إختلاف النحويين ، وهم طبقة من الناس تختلف لحسن الحظ إختلافاً كثيراً ، حتى تستطيع أن تقول إنها ما وجدت على سطح الأرض إلا لكى تنشر ظاهرة الخلاف في جميع الأقطار والأمصار . فلقد إتفق النحويون فيما بينهم على أمر واحد وهو أن شخصاً أسمه زيد سيتولى
ضرب شخص آخر إسمه عمرو علي مدى القرون والأحقاب والأجيال . أما فيما عدا ذلك فقد شاع بينهم الإختلاف والإنشقاق ، فكان إختلافهم نعمة ورحمة ، لأننا إستطعنا أن نتكلم ونكتب ونخطب دون أن نخشى إرتكاب الخطأ أو الوقوع في الزلل . لأننا لن نعدم مذهباً من المذاهب النحوية يكون ذلك الخطأ عند أصحابه هو الصواب بعينه . ولا يزال بين زملائي من يذكر الكتاب الرابع المدارس الثانوية وفيه تلك العبارة الجميلة التي تبرق بين سطوره : " أما اسم كذا فلك أن ترفعه أو تنصبه أو تجره ..." لقد كانت هذه العبارة أحب العبارات إلى نفسي وأشهاها إلى قلبي . وهي عندي جديرة بأن تنقش بماء الذهب على صفحات من خالص الدمقس .
ومن منا لا يذكر دهشته عند ما سمع لأول مرة
مطلعاً للمتنبي يقول فيه ؛ باد هواك صبرت أم لم تصبرا؟ لقد دهش الناس في زمن المتنبي لهذا المطلع كما دهشنا نحن . ولكن كان في ركاب المتنبي شخص نحوي أسمه أبن جني - ولا أعرف لماذا كان أبوه جنياً مع أن والدته من الإنس - وقد تولى أبن جني الدفاع عن مطلع المتنبي دفاعاً عظيماً لا يقل عن دفاع الروس عن ستالينجراد . فأذعن الناس لحجته الدامغة ، وأيقنوا أن مطلع المتنبي مطابق تماماً لأحدث الأساليب النحوية .
فاختلاف النحويين رحمة من أكرم الرحمات .. وهنالك طائفة أخرى يرى الناس أن إختلافها رحمة . ولعلها هي الجماعة التي يقصدها الناس بهذه العبارة أكثر من سواها . ألا وهي طائفة الفقهاء أصحاب المذاهب الدينية ، وبين يدي وأنا أ كتب هذه السطور بعض الفتاوي في موضوع له خطره وشأنه في حياتنا . وقد قالت دار الإفتاء فيه : إنه مباح إطلاقاً عند الحنفية ، مباح بشروط عند الشافعية ، مكروه عند المالكية ، حرام عند الحنبليين . لا شك أن إجتهاد الفقهاء رحمة كبيرة للناس . فقد مكنهم هذا الإجتهاد من أن يختلفوا ، وأن يجني عباد الله من هذا الخلاف وسيلة للتيسير والتخفيف ..
أنتقل الآن من ميدان النحو والفقه إلي الميدان الذي عودت القراء أن أتحدث فيه ، وهو ميدان السياسة الدولية ، فهنا مجال واسع عظيم لكي نطبق فيه مبدأ "الإختلاف رحمة " وحسبي أن أقصر الكلام على ناحية واحدة ، ونوع واحد من أنواع الخلاف ، وهو أن إختلاف الدول التى يسميها الناس "الدول الكبيرة" فيه رحمة بالدول والشعوب التي يسميها الناس " الصغيرة " .
في عام ١٨٩٥ سولت لإيطاليا نفسها والنقش أمارة بالسوء - أن تغير على الدولة الحبشية.وعاهلها في
ذلك الوقت منليك الثاني الإمبراطور الوطني العظيم ، وكان هنالك دولتان كبيرتان ترقبان ما يجري في هذا الركن من العالم ، بإهتمام شديد ، وهما بريطانيا وفرنسا.
فأما بريطانيا ، فلم تكن راضية كل الرضى عن هذه المغامرات الإيطالية ، ولكن كان هنالك أمر تخشاء وتتحاشاه أكثر من التوسع الإيطالي ، وهو التوسع الفرنسي .. فقد إحتلت فرنسا إقليم جيبوتي ، أو الصومال الفرنسي ، على بوغاز باب المندب ، مهددة بذلك طريق المواصلات إلي الهند . كما إحتلت مساحات عظيمة في غرب إفريقية وحول بحيرة تشاد ، وكان يخشى أن تحاول وصل مستعمراتها في الشرق بممتلكاتها في الغرب وفي ذلك من الخطر ما فيه . لذلك رأت بريطانيا أن تشجع أو على الأقل تغض النظر عن التوغل الإيطالي في إريترية ، وعن المغامرة الإيطالية في الحبشة ، لعلها بذالك أن ترى السياسة الفرنسية والسياسة الإيطالية يلغي بعضها بعضاً ، ويدفع الشر بالشر.
هذا ما كان من أمر بريطانيا ، وأما ما كان من أمر فرنسا فإنها عجبت أشد العجب من إيطاليا وهي تلك الدولة التي لم تولد إلا بالأمس ، والتي كان لفرنسا فضل كبير في إيجادها من العدم - كيف تسول لها نفسها أن تجاري الدول العريقة في الحضارة والاستعمار ، وأن تحاول منافستها في سياسة الاغارة والعدوان ! إن هذا المسلك العجيب ينطوي على جرأة منقطعة النظير . لهذا لم تحاول فرنسا أن تخفي سخطها على السياسة الإيطالية . . ولكنها لم ترد أن تقاومها برجال فرنسيين ودماء فرنسية مع وفرة الأحباش والدماء الحبشية . فإكتفت بأن أتاحت للنجاشي العظيم الحصول على عدد كبير من المدافع المتينة والذخائر الحربية الثمينة . ولم يفتها أيضاً أن تتقاضى أجراً على هذه الخدمة الجليلة بأن مكنت لبعض رعاياها من الحصول على إمتياز
مد الخط الحديدي من جيبوتي على بوغاز باب المندب ، إلي العاصمة الحبشية أديس أبابا.
وأثمرت المساعدة الفرنسية والمهمة الحبشية الثمرة المرجوة ، فسحق الجيش الإيطالي ، ومني بالهزيمة الشنيعة في عدوة ( مارس ١٨٩٦)وأرتد الإيطاليون على أعقابهم خاسرين . ولم تقع هذه الضربة على إيطاليا وحدها . بل على السمعة الأوربية والشهوة الاستعمارية أيضاً . إذ إستطاعت دولة إفريقية أن توقع الهزيمة بجيوش دولة أوربية .
وهكذا كان الأختلاف بين فرنسا وبريطانيا وإيطاليا رحمة من غير شك بهذا الشعب الحبشي البريء النبيل الذي إستطاع أن يشيد دعائم إستقلاله وأن ينعم بهذا الاستقلال أربعين عاماً أي لغاية عام ١٩٣٥ ... في هذا العام كانت تلك الدول الأوربية نفسها فرنسا وبريطانيا وإيطاليا ، مع الأسف الشديد مؤتلفة لا مختلفة . وثار الطمع الأشعبي مرة أخري بالنفس الإيطالية . فأكدت لها فرنسا في مؤتمر ستريزا بأنها " لا مانع " عندها من أن تغير إيطاليا على الحبشة ما دامت تترك فرنسا في سلام في تونس ولم تكتف فرنسا بهذا ، بل سلمت لايطاليا بنصيب الأسد في سكة الحديد الحبشية الممتدة من جيبوتي إلى أديس أبابا . وكان ممثل فرنسا في مؤتمر ستريزا هو بعينه المسيو لافال الذي كان لا يألو جهداً في إكتساب رضى إيطاليا .
ولذلك كانت فرنسا تؤيد إيطاليا في مغامرتها الحبشية الثانية كل التأييد . أما بريطانيا ، فقد كان موقفها من المغامرة الفاشية ، موقفاً غريباً فقد كان نصفها يؤيد ، ونصفها يتظاهر بالمعارضة والوثائق التي نشرت إلي اليوم تدل على أن العنصر المؤيد كان أشد قوة ونفوذاً في الحكومة البريطانية ولكن عندما إفتضح الأمر أو أوشك أن يفتضح إستقال وزير بريطاني وحل آخر محله عملاً
بالتقاليد البريطانية المأثورة . وفي وسعنا أن نقرر أن الدول الثلاث كانت راضية في ذلك الوقت كل الرضى - أو معظم الرضى - عن الغزو الإيطالي ، فكانت العاقبة ضياع إستقلال الحبشة فترة من الزمن كما هو معروف .
وقد ساقنا الحديث عن مسلك الدول الكبرى حول الحبشة في أواخر القرن الماضي ، إلى الإشارة إلى الإختلاف السائد بين الدولتين الفرنسية والبريطانية ، في ذلك الوقت لم تكن إحدي الدولتين تحاول إخفاء ما تكنه من العواطف المتجهمة نحو جارتها ، وكانت كل منهما تبذل الجهود الجبارة لمناوأة الآخر في ميدان الإستعمار عامة وفي القارة الأفريقية بوجه خاص . وقد كان لنا - نحن معشر المصريين - من وراء هذا الإختلاف بعض الرحمة . فقد أرادت فرنسا أن تحتل أعالي النيل في عام ١٨٩٨ ، فاعترضها الجنرال البريطاني كتشنر . ووقف بجيشه أمام قوة صغيرة يقودها ضابط فرنسي شاب إسمه مرشان . . التقى الجمعان في قاشودة ، حيث رفع الفرنسيون الرية الثلثة الألوان فأجاب كتشنر على هذا التحدي بأن رفع الرابة المصرية العثمانية !
فياله من يوم مجيد ، ونصر عظيم للراية المصرية ، قد أحرزته بسبب الإختلاف الكبير . والهوة السحيقة ، التي كانت تفصل بين بريطانيا وفرنسا في ذلك الوقت كانت فرنسا لا تكف عن مناوأة السياسة البريطانية في وادي النيل ، حتى إضطر كبار الساسة وأولو الأمر في بريطانيا إلي أن يعلنوا مراراً أنهم سيرحلون عن وادي النيل بسرعة ، وأن إحتلالهم لمصر ما هو إلا إجراء مؤقت ثم دارت الأيام دورتها وعقدت فرنسا وبريطانيا إتفاقهما المشهور في عام ١٩٠٤ ، فإذا وعود الجلاء تختفي ، فلا يبدو لها أثر وإذا جيش الإحتلال يتضاعف عدده وتزايد عدته . ويذكرنا الأتفاق الفرنسي البريطاني في عام ١٩٠٤
بالاتفاق المتمم له بين بربطانيا وروسيا في عام ١٩٠٧ ، الخاص بإيران قبل ذلك التاريخ لم تكن بريطانيا راضية عن سياسة روسيا القيصرية في إيران ، لاحباً في إيران ، بل شفقة من أن التوغل الروسي يهدد من مركز بريطانيا في الهند . ودام الخلاف وبين الدولتين زمناً إستطاعت فيه إيران أن تنظم شئونها بعض التنظيم ، وأن ترسم ونامجها للتقدم والإصلاح . وكان من سوء حظ إيران أن إنفقت الدولتان بعد إختلاف ، وصفت علاقتهما بعد الكدر .
فقسموا إيران إلى مناطق نفوذ : الأولى روسية في الشمال ، والثانية بريطانية في الجنوب ، وبينهما منطقة " محايدة " ! ولا أظن أن من الناس من يشك في أن هذا الاتفاق كان نكبة على إيران ، كما كان الأختلاف رحمة من قبل .
والآن نستطيع أن ننتقل إلي ميدان السياسة الدولية في زماننا هذا . ففي العالم اليوم خمس دول يقال إنها هي الدول الكبرى ، وهي فرنسا والصين وبريطانيا وروسيا والولايات المتحدة ، ولكن هنالك من يرى أن الدول الكبيرة ثلاث فقط ، وذلك يحذف كل من فرنسا والصين ، فكلتاهما لا تعد كبيرة إلا بشيء كثير من التجاوز والتسامح .
وسواء أكانت تلك الدول الكبيرة خمساً أو ثلاثاً ، فإنها من غير شك تريد اليوم أن تقود العالم كله ، وهي تزعم أنها تقوده إلى الخير . ومنذ أن إنتهت الحرب التي شنت على دول المحور ، قد ساد بينها الإتفاق تارة ، والأختلاف تارة أخرى . وليس من الأسراف في شيء أن نقول إن الإختلاف بينها كان أكثر ظهوراً من الإتفاق . وكان الإختلاف يدور دائماً حول السيطرة والتسلط على بعض الأقطار ، أي أنه خاص بالميدان الاستعماري ، أي بنفس الميدان القديم - ميدان التناحر والتكالب الذي كان
سبباً في إثارة الحرب العالمية الشعواء في عامي ١٩١٤ و ١٩٣٩ . وقد ظهر الاختلاف في صورة حارة بين الإتحاد السوفياتي من جهة وبين بريطانيا من جهة أخرى . ومن حسن حظ الاتحاد السوفياتي أن له في جامعة الأمم المتحدة دولتين ، هما جزء منه ، ولكن لهما مكانين مستقلين في تلك الهيئة ، وهما أوكرانيا وروسيا البيضاء ، إلي جانب المكان الأ كبر الذي يحتله الإتحاد السوفياتي نفسه . وقد رأت الحكومة السوفياتية من الخير أن تدع لأوكرانيا إثارة مسألة إندونسيا في مجلس الأمن . فكان هذا عملاً سياسياً بديعاً سواء أكان ذلك من ناحية الشكل أو الموضوع .
فأما من ناحية الشكل فإن تولى حكومة أو كرانيا نقد السياسة البريطانية يجعل من الممكن أن يقول الناس أن ليست حكومة الاتحاد السوفياتي هي وحدها التي إشمأزت من السياسة البريطانية في إندونسيا ، وبذلك يكون الإختلاف من الناحية الشكلية إختلافاً بين بريطانياً وأوكرانياً .
أما من ناحية الموضوع ، فقد أحسنت روسيا كل الإحسان باختيارها إندونسيا بالذات . لأن قضية العدل والإنسانية فيها واضحة كل الوضوح . وقد أمكن لروسيا أن تشير إلى بعض الأعمال الشاذة التي إرتكبها البريطانيون ، فلقد ذهبوا إلي إندونسيا - في زعمهم - لإجلاء الجنود اليابانية عنها ، فاذا هم يسخرون هؤلاء ، الجنود للتنكيل بالوطنيين من أهل إندونسيا . وهذه الوصمة الهائلة لم يحاول وزير بريطانيا - على الرغم من لباقته - أن ينكرها أو يقندها . . وقد أحرج أشد الإحراج عندما طلب منه أن يسمح بإرسال لجنة تباين أو تشاهد ما يجري في إندونسيا . ولو كان المسلك البريطاني بريئاً لا غبار عليه ، لما خشي من أن توضع التصرفات البريطانية تحت ضياء الحقيقة الساطع ولما تردد في الترحيب بأية لجنة تطلع أو تحقق كما نشاء .
إن رفع قضية إندونسيا إلى هيئة الأمم المتحدة كان
مظهراً من مظاهر الإختلاف بين بريطانيا وروسيا . ولا شك أن هذا كان لصلحة قضية الوطنيين الأندونسيين ولا يزال إختلاف الدول الكبرى - مع الأسف الشديد - من أهم العوامل في أن تنال الشعوب الضعيفة شيئاً من العدل والانصاف . ولكن هذا لا يرجع إلى أن الإختلاف في ذاته رحمة . ولو أن الدول الكبرى كانت كلها تسلك مسلكاً نظيفاً مبرأ من كل عيب ، وتنشد العدل والأنصاف في سياستها ، لأمكنها أن تتفق على البر والتقوي ، وعلى إتباع المبادئ الإنسانية السليمة في السياسة العالمية . وعند ذلك يكون إتفاقها مصدر نعمة وسلم ورخاء لها ولجميع الشعوب .

