الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 39الرجوع إلى "الرسالة"

الإسماعيلية، الملقبون بالحشاشين (١)

Share

مقدمة

هذا بحث موجز لطائفة الإسماعيلية التى عرفت أخيرا عند أهل  التاريخ بطائفة الحشاشين، والتى تركت فى تاريخ الإسلام فى القرن  الرابع الهجري أثرا كبيرا، وتاريخ الإسماعيلية قديم يرجع إلى عام  ثمانمائة وأربعين للميلاد، بعد ان انتشر الدين الإسلامي وساد كثيرا  من الأقاليم والبلاد، فقام بانتشاره دعاة فى أقاصى الجهات وأدانيها  يحاولون الحط من قدر الرسول، ويخترعون الأحاديث الملفقة  اختراعا يقلل من هيبة الدين الإسلامى، وينزل به من مستواه  الرفيع، وكان أنشط أولئك القوم وأكثرهم تحمسا (ابن ديصان)  ويقال انه الجد الأعلى لعبد الله المهدى الفاطمى (٢) صاحب الدعوة  بأفريقية، فقد كان يكره بنى العباس ويود لخلافتهم الزوال، فبث  دعاته فى بلاد الفرس حوالى عام٨٤٠ م حيث تبعه خلق كثير،  وألف كتابا فى الزندقة سماه (الميزان) وألف ممن تبعوه عصابة  سرية نسبت نفسها إلى إسماعيل بن جعفر الصادق فسميت بالإسماعيلية،  ثم انتشر اتباعه بمرور الزمن فى جزيرة العرب والشام وأفريقية،  وظلوا نحو قرنين ونصف قرن، تسرى تعاليمهم فى جسم الدولة  الإسلامية كسريان السم فى العروق، حتى جعل منهم الحسن  (ابن الصباح) أخيرا عام تسعين وألف للميلاد طغمة سياسة تقلب  الممالك وتخرب العامر من الديار، وتسفك الحرام من الدم،  وتعمل فى مختلف البلدان سلبا ونهبا وقتلا، وتدمن تعاطى  الحشيش حتى لقبوهم بالحشاشين وسماهم الفرنجة Assassins وأطلقوا هذا الاسم على كل قاتل سفاك، وبقوا على تلك الحال

حتى قضى عليهم عام ١٢٥٦م، أي سنة ٦٥٤ هـ بوفاة خليفة الحسن  ابن الصباح الأخير ركن الدين بن محمد، ولا يزال للإسماعيلية إلى  يومنا هذا اتباع ومريدون، ولكن شتان بين مالهم الآن وما كان  لهم فى تلك القرون الغابرة من قوة وسلطان، وهم متفرقون فى  فارس والهند، وزعيمهم آغا خان الهندى الثرى المعروف.

وقد كان لتلك الطائفة عدا اسم الإسماعيلية أسماء أخرى فسموا  بالقرامطة نسبة إلى قرمط إحدى قرى البحرين التى تفشى فيها مذهب  ابن ديصان فى القرن الثالث الهجرى بدعوة من رجل يقال له  حمدان قرمط، يقول ابن خلدون (وكان من هؤلاء الإسماعيلية  القرامطة واستقرت لهم دولة بالبحرين، وكان من أسمائهم  (الباطنية) وذلك لأنهم كانوا يبطنون دعوتهم وينشرونها متكتمين  فى عهد المستضيئ العلوى لابنه نزار، وقيل إنما سموا بذلك أيام  الحاكم بأمر الله العبيدى الذى انشأ فى القاهرة فى القرن الثالث الهجرى  مدرسة سماها دار الحكمة كان الطلاب يعلمون فيها معنى مكتوما  لمتن القرآن، وسواء أكان السبب هذا أم ذاك، فالتسمية راجعة إلى  تكتم القوم فى دعواهم وتعاليمهم. وكان من أسمائهم أيضا اسم  الحشاشين، وقد لقبوا به اخيرا، واطلق على طائفتهم التي عاشت أيام  الصليبين. وسنذكر فيما بعد اثر ذلك المخدر عندهم، وكيف استغلوا  فعله فى قضاء مآربهم. وسموا كذلك بالفدائية لأنهم كانوا يجعلون  انفسهم، وخاصة فى عهدهم الأخير، فداء لرئيسهم ينفذون أوامره ولو  أدى ذلك إلى التضحية بالنفس فى سبيله. والمصادر الشرقية تطلق عليهم  غالبا اسم الإسماعيلية والملاحدة والنزارية. وهذه الأسماء الكثيرة  هى لطائفة واحدة تعددت باختلاف الملابسات والظروف. فهم  اسماعيلية نسبة إلى اسماعيل بن جعفر، وهم فدائية لأنهم يضحون بأنفسهم  فداء لرئيسهم، وهم ملاحدة لأنهم عند البعض ينكرون الإله، وهم  قرامطة نسبة إلى قرمط وهكذا. . غير ان اسم الحشاشين هو  الذى عرفوا به آخر أمرهم.

مذهب الإسماعيلية

كان للسريان الفضل فى نشر الفلسفة اليونانية، وخاصة مذهب  الأفلاطونية الحديثة فى العراق وما حوله، وقد ترجموا الكتب من  اليونانية إلى السريانية فانتشرت فيما بين النهرين، وكان من اشهر رجال  الدين والأدب من السريان الذين عرفهم المسلمون برديصان أو  ابن ديصان، وقد توفى سنة ٢٢٢م وله مذهب دينى يجمع بين اليونانية

والنصرانية ينكر فيه بعث الأجسام ويقول إن جسد المسيح لم يكن  جسما حقيقيا بل هو صورة شبهت للناس أرسلها الله تعالى. وله تعاليم  أخرى بقيت بعد الإسلام. ومنها استمد الرافضة بعض أقوالهم.  وقد انتسب إليه بعضهم كأبى شاكر الديصانى الذى بعث دعاته  فى بلاد الفرس والعرب والشام وجمع حوله اتباعا وأنصارا نسبوا  أنفسهم إلى إسماعيل بن جعفر الصادق فسموا بالإسماعيلية وهم  غلاة الرافضة. يقول ابن خلدون (افترق الرافضة فرقتين: الاثنا عشرية  والإسماعيلية، تلك بعض تعاليمهم أول أمرهم وقد انقلبوا أخيرا  إلى فرقة سياسية تعمل على هدم الخلافة العباسية، ولم يعد لهم  (مذهب) بالمعنى الصحيح يدعون إليه، وكانوا فى العراق يطلق  عليهم اسم القرامطة (١) حتى تولى زعامتهم الحسن بن الصباح فلقبوا بعده بالحشاشين، ونحن نجمل تاريخهم قبل زعامته التي بدأت عام ٤٨٣ هـ  وانتهت عام ٥١٨ هـ.

بدء القرامطة:

كان لبدء ظهورهم فى البحرين على يد رجل يعرف بيحيى بن  المهدى نزل فى قطيف على رجل يدعى علي بن المعلى بن حمدان مولى  الزيادين، وكان يغالى فى التشيع، فاظهر له يحيى انه رسول المهدى،  وكان ذلك سنة ٢٨١ هـ؛ وذكر انه خرج إلى شيعته يدعوهم إلى أمره  وان ظهور المهدى قريب، فأرسل علي بن المعلى إلى شيعته من أهل  القطيف فأقرأهم كتاب يحيى الذى زعم انه من المهدى فأجابوه، وكان  فيمن أجابه أبو سعيد الجنابى الذى تولى الزعامة فيما بعد (٢) وخلفه  فيها ابن الصباح، وظل يحيى يغيب عنهم ثم يعود إليهم، وفي كل مرة  يطلب منهم المال زاعما انه يذهب به إلى المهدى. وفي عام ٢٨٩  ظهر بالشام رجل قرمطى اسمه ذكرويه بن نهرويه يدعو إلى مذهب  القرامطة، ولقبه اتباعه بالشيخ، وزعم انه من أحفاد إسماعيل بن  جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن على بن أبى طالب، واستفحل  أمره فسير إليه المعتضد جندا ظفروا باتباعه وأسروا رئيسهم أبا  الفوارس. وهنا نذكر ما دار بين أبى الفوارس والمعتضد حين جاءوا  إليه به لنتبين شدة القوم وجرأتهم على خلفاء العباسيين، يقول ابن

الأثير "فأحضره (المعتضد) بين يديه وقال له اخبرنى، هل تزعمون  إن روح الله وأرواح الأنبياء تحل فى أجسادكم فتعصمكم من الزلل  وتوفقكم لصالح العمل؟ فقال له يا هذا إن حلت روح الله فينا فما  يضرك، وان حلت روح إبليس فما ينفعك، فلا تسأل عما لا ينفعك  وسل عما يخصك، فقال له وما تقول فيما يخصنى؟ قال أقول أن رسول  الله صلى الله عليه وسلم مات وأبوكم العباس حى، فهل طلب بالخلافة  أم هل بايعه أحد من الصحابة على ذلك؟ ثم مات أبو بكر فأستخلف عمر  وهو يرى موضع العباس ولم يوص له، ثم مات عمر وجعلها شورى فى  ستة انفس ولم يوص له ولا ادخله فيهم، فماذا تستحقون الخلافة وقد  اتفق الصحابة على دفع جدك عنها. فأمر به المعتضد فعذب وخلعت  عظامه ثم قطعت يداه ورجلاه) فهذا الكلام وتلك اللهجة التى يخاطب بها أحد زعماء القرامطة خليفة المسلمين تدل دلالة واضحة  على استبسال القوم وجرأتهم فى الإفصاح عن آرائهم ومذهبهم،  وقد ظل القرامطة بعد المعتضد فى حروب مع المكتفى ومن بعده  من الخلفاء طوال القرنين الثالث والرابع إلى قبيل منتصف القرن  الخامس يهزمون ويهزمون، حتى دوخوا الدولة وشقيت بهم الناس،  وعانت الدولة العباسية فى سبيل قمع حركتهم جهدا كبيرا، وشغلوا  بحركاتهم الهجومية جانبا عظيما من وقت الخلفاء فحشدوا لهم الجيوش  يقاومون دعوتهم الجريئة وخروجهم عليه، وكثيرا ما انهزمت  جيوش الخلفاء أمام جيوشهم واستماتتهم فى الدفاع، وكم من غنائم  ظفروا بها وأرواح أودوا بأصحابها، وكم من أسرى قتلوهم وصفدوهم  بالأغلال. واظهر ما فى تاريخهم فى تلك السنوات العديدة أعمالهم  الوحشية واتخاذهم القتل والتعذيب وسيلة إلى دعوتهم ونشر  مذهبهم، وأشنع من ذلك اعتداؤهم على قاصدى بيت الله يقتلونهم  ويسلبونهم أموالهم وينشرون الرعب فى القلوب حتى قل زائرو  الكعبة وانقطعوا عن الحج فى بعض السنين، وقد سودوا صحيفتهم  بالاعتداء على الحجر الأسود ونقله إلى أحد حصونهم حيث بقى فيه  نحو اثنتين وعشرين سنة.

هذه الفئة التى أجملنا تاريخها إلى عام ٤٣٦ وفيه أوقع صاحب  ما وراء النهر بجموعهم وكتب إلى سائر البلاد بقتل من فيها منهم  والذى أسرفنا فى إجماله حتى لا يمل القارئ من تفصيل الحروب وكثرة  المواقع، هذه الفئة هى التي ازدادت شوكتها قوة وأمرها خطرا  وسدرت فى أعمال القتل والنهب وأمعنت فى تعاطى الحشيش

واستمرت خداع الناس وفتتهم عن دينهم، وذلك بظهور الحسن  ابن الصباح وتوليه زعامتها عام ٤٨٣ هـ فجعل منها عصابة سياسية  مجرمة ديدنها أن تعيث فى الأرض فسادا تقتل وتنهب وتقلق الوادعين.  تلك هى طائفة الحشاشين فى نهاية القرن الخامس الهجرى وقبل أن  نشرح أعمالها نتكلم عن زعيمها هذا وكيف وصل إلى زعامة القوم  فهوى بهم إلى الحضيض الأسفل من الأخلاق والسلوك.

"للبحث بقية"

اشترك في نشرتنا البريدية