الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 283 الرجوع إلى "الثقافة"

الإنسان المعجز (1) ، - ٣ -

Share

أشرنا في ختام مقالنا السابق إشارة مجملة إلي توارث الاستعدادات في الإنسان ، وإلى وسيلة انتقال المملكات والمواهب من الوالدين إلي الأولاد . وقلنا إنه علي أثر تكون الخلية الأولى أو اللاقحة في الرحم واستقرارها ،

تأخذ هذه الخلية في الانقسام إلي أنصاف خلايا ، والأنصاف إلي أرباع ، وعلم جرا ، حتى تتكون كتلة من الخلايا تأخذ هي أيضاً في عملية اخري هي عملية التخصص ، فيكون

منها في الجنين خلايا الدم ، وألياف العضل ، وأنسجة العظام ، ثم نبهنا إلي أنه في أثناء هانين العمليتين ، عمليه الانقسام وعملية التخصص ، تظل طائفة صغيرة من الخلايا بمعزل عن هاتين العمليتين محافظة على حالتها الاولي لفرض جليل هو التناسل ، واستمرار جبلة النواة الجرثومية أو مادة الوراثة .

هذا ما أثبتناه في ختام مقالنا السابق . وقد تساءلنا بعد ذلك كيف يحدث ألا يشبه الأولاد أبويهم أو بعضهم بعضا شبها تاماً ، وكيف يختلف الإخوة بعضهم عن بعض في وراثة خواص الوالدين واستعداداتهما ، فيكون لهذا كل المزايا ولذلك كل التوافه ، ويكون لثالث نصيبه من هذه وتلك ، فتتوزع صفات الأبوين توزيعا غير متساو ، يرجع إلي الخط وحده وإلي مجرد الصدفة .

فهذه الطائفة الصغيرة من الخلايا التي تكمن في الجنين ، وتستكن في الموضع الذي تتخلق فيه فيما بعد أعضاء التناسل - هذه الخلايا التي تسمى بالخلايا الجرثومية ، والتي هى

أصل الوراثة ، إذا عاينتها بالمجهر ألقيت في معظمها أشكالا صغيرة تشبه الخيوط أو الأناشيط ، ويسهل معالجتها أكثر من غيرها من سائر الخلايا بالأصباغ . ومن ثم سميت بالصبغات . وعدد هذه الصينيات في كل خلية من خلايا الجرثومة واحد في كل نوع على حدة ، سواء أكان هذا النوع إنساناً أم حيوانا أم نباتا . وهو في الإنسان يبلغ في المراجح 48 صبقياً

والمعروف الآن بشيء من اليقين أن هذه الصبغيات الثمانية والأربعين تشتمل علي استعداداتنا الوراثية بأمرها . فاللاقحة ، تلك الخلية المخصبة الاولى التى ينشأها الإنسان بكامل محاسنه ومساوئه الموروثة على صورة من الصور ، هذه الخلية التي تضم الإنسان المعجز الكبير كله على صغرها الدقيق ، تبدر لنا بهذه المثابة أعجوبة من أروع الأعاجيب ،

التي كشفت لنا الطبيعة عنها في ثروتها الخالدة فهذه الصبغيات الثمانية والأربعون الكامنة في خلية الجرثومة لا تنتقل كلها من المورث ، بل ينتقل نصفها فقط كما أثبتت المشاهدات العلمية . وذلك أن خلايا التناسل الناضجة إلى تقريرها أعضاء التناسل ، والتي يتخلق منها

الطفل ، لا تحتوي إلا على نصف عدد الجسيمات الوراثية الموجودة من الأصل . ذلك أنه عند النضوج الذي يسبق . المقدرة علي التناسل ، يقع في هذه الخلايا انقسام تصبح بعد أكتماله كل خلية تناسلية قادرة على الإنسال ، محتوية على نصف الكمية الوراثية التي كانت موجودة في الخلية قبل الانقسام . ومعنى ذلك أن كل موهبة ، أو ملكة ، أو

خاصية ، أو استعداد عند الوالدين ، يمده للانتقال إلي الذرية احتمال ناقص - وإن شئنا الدقة - نصف احتمال ، وأن الوالدين لا يورثان كل طفل إلا نصف ملكاتهما الوراثية ، تاركين للصدفة وحدها اختيار هذا النصف . وإذ كانت هذه الأنصاف تختلف في تركيبها ، وفي اختيارها كل مرة عن المرة السابقة ، كقطر الدائرة بقسم الدائرة إلي نصفين متساويين

في المساحة ، ولكنه إذا كان فوق هذه الدائرة أو فيها ما يختلف بعضه عن بعض ويتفاوت ، فتحريكة بسيطة للقطر بغير محتويات القسمين عما كانت عليه من قبل ، وكلما أزداد  التحريك ، كلما ازداد الخلاف أو نقص بين نصفي الدائرة

فالصدفة هنا هي المحرك لقطر الدائرة ، وهي المغير لمحتويات نصفي الدائرة . فإذا كانت هذه الأنصاف الناشئة من لعب الصدفة تختلف في محتوياتها ، فإنه يتضح بلا عناء لماذا يختلف الإخوة غالبا في وراثتهم عن الوالدين بعضهم عن بعض ، فيرث أحدهم كل المزايا أو بعضها ، ويرث الاخر كل المضار أو بعضها ، ويغلب على هذا الولد الخير ، ويغلب على ذاك الشر

وهنالك حالة واحدة تتشابه الإخوة فيها تمام الشبه . تلك حالة التوأمين اللذين يكونان من جنس واحد إما ذكرين وإما  أنثيين ، واللذين يكون الأصل في نشأتهما خلية لاقحة واحدة ، انقسمت عند ابتداء عملية الانقسام في الرحم بصفة خارقة للعادة إلي نصفين مستقلين ، فتنشأ كل منهما تنشئا مستقلا . فإذا ولد مثل مثل هذين التوأمين تعذر التمييز بينهما ، ثم هما ينشآن ولكل منهما ما لتوأمه من الخواص الذهنية والمميزات الجسدية تماماً ، ولو تغيرت ظروف حياتهما واختلفت كل الاختلاف

أما التوأمان العاديان فينشآن من لاقحتين اثنتين ، ويكون شأنهما شأن الإخوة العاديين من حيث التشابه وعدمه .

ويمتاز الحيوان والنبات في التشابه عن الإنسان . ففي وسعك أن تزاوج بين أجناس خلص من هذا النوع أو ذاك فتخرج نتاجا متماثلا ، لكن هذا يتعذر في الإنسان . ومن ثم نجد دائما في "أنقى" الأجناس البشرية خيوط بسيطة أو تفاوتا بسيطا في الذرية ، وإن بقيت كل المميزات الرئيسية مشتركة بين الجميع تكون صورة من الجنس " النقى "

وهنالك ظاهرة في الوراثة تبدي لك اختلافا بينا بين الصورة الخارجية للإنسان والصورة الموروثة ، وذلك أن تكون بعض الاستعدادات لمميزات بعينها مضمرة فلا تظهر . مثال ذلك ما يبدو على شخص من مظهر الخلو من بعض الأمراض الوراثية ، على حين يكون هذا المرض مضمراً فيه ، متنقلا في ذريته من جيل إلى جيل حتى يظهر في واحد من الذرية . ولكي تظهر الاستعدادات المضمرة على الصورة الخارجية للإنسان يجب أن يكون لدي كل من الوالدين عديل هذه الاستعدادات ويقع هذا في بعض حالات الزواج بين الأقارب ، إذ يكون احتمال التشابه أو المتماثل في الاستعدادات موجودا ومن الاستعدادات المضمرة الصلع ، فقد يظهر في الرجل ويختفي في بنيه  ثم يظهر في حفيده .

هذه بالإجمال نظرية الوراثة ، فنحن اليوم لا نعرف فقط أن الاستعدادات والكفايات الذهنية يتوارثها الإنسان ، بل نعرف أيضا علة التفاوت الظاهر في توزيعها بين البشر فهذا من الناس عاقل ، وذاك ضعيف العقل ؛ وهذا يملك اكثر مما يملك ذاك ؛

والبعض له من الكفايات الموروثة الممتازة ما ليس لغيره من مواطنيه ؛ والبعض الآخر مرزوء باستعدارات تمثل انحطاطا وشرا وببلا . وهكذا الناس ، لا يشبهون بعضهم بعضا ، لا في الأفكار ، ولا في الشهوات ، ولا في الأقوال ، ولا في الأفعال ، ولا في الأديان "

وإذا كانت هذه الأرزاء والمواهب والأخلاق الموزعة بين الناس ، على هذه الصورة من التفاوت ، وكانت وراثية تقرر مع ما تستكمله من التربية قيمة كل امرئ من الناحية الاجتماعية والثقافية ، فان من شأن هاتين الحقيقتين الواقعتين أن يفتحا بابا لرفع الجنس البشري عن مستواء الحالي إلي مستوي خبرته ومخبئه ، أو إلي ما يقرب من هذا المستوي ، وذلك يمد الاستمدادات الوراثية القيمة إلي

أكبر عدد من الناس ، وقصر الاستعدادات الوراثية السيئة على أقل عدد ممكن من الناس . وهذه مسألة لم يفت أصحاب المذاهب الاجتماعية الاشتغال بها أو التشدق بها علي الأقل . وقد اختلفت وسائل ذلك على قدر اختلاف أصحاب هذه المذاهب ؛ فبعضها يري إعفاء ذوي الاستعدادات الشريرة من واجب التناسل ، فيقل الأشرار مع الزمن ، وتزداد نسبة الأخيار تبعاً لذلك ، فيرتفع مستوي الجنس البشري شيئا فشيئا ، وتستأصل الأمراض الوراثية الوبيلة مع أصحابها تدريجيا ، فيقل أصحاب العقول الضعيفة والمقطورون على الأجرام ، ويكثر عدد الحاذقين وأصحاب المواهب

وهذه الطريقة يعرفها مربي الحيوان ، فقد نبنى له إنتاج فصائل قيمة من الحيوانات المنزلية حفظ بها نوع الحيوان المرغوب فيه ، واستكثر بواسطتها خواص نادرة وقد حققت هذه الطريقة علمياً لتقرير مبلغ نجاحها ،

فوجد أنه إذا أخذ علي سبيل المثال من نوع ما من أنواع الحيوان أضخمه ، وعني يتناسله ، ارتفع مستوي هذا النوع في المتوسط من جيل إلي حيل ، لكنه نظراً في خلال ذلك حالات تدل على القهقري ، ورجوع الاحياء إلي ما كانت عليه في الأصل يدل أن يطرد نموها ، غير أن هذه حالات طارئة لا تمنع من استئناف التقدم وإن عاقته بعض الشئ .

وثمة نظريات أخري تعارض هذه النظرية الطبيعية التي تقوم على أساس انتقاء الأصلح والأخصب . وهي ترمى  إلي رفع الجنس البشري بمؤثرات خارجية يظن أنها تحدث تغييراً في مجري الوراثة ، وتحولا في مادتها . وقد أمكن استخدام هذه النظريات مع النبات والحيوان بشيء من النجاح ، فلماذا في زعم أصحابها لا تنجح مع الإنسان ؟

ويحسن قبل أن تتناول ذلك أن نشير إلي أن تغيير مجري الوراثة وتحول مادتها أمر وقع بالفعل فيها سلف من ملايين السنين ؛ فللكائنات الحية اليوم استعدادات لم

لكن لأسلافها الأقصين ، ومعنى ذلك أنها كتسبتها في وقت ما ، وعلم الأحياء يسمي هذه الطارئة تحول ، وقد شوهدت في بعض أنواع النبات ، وتشاهد في الغالب في الحشرات وأنواع منحطة من الحيوان

وهذا التحول هو عبارة عن تغيير بقع طفرة في جبلة  النواة الجرثومية ، ويخلق جديدا فيها يكون حكمه حكمها من حيث التوريث . وقد تناولت الدارونية هذه الظاهرة فقررت أن التحولات التي تحدث صدقة تحسبناً وحذفا  في النوع ، تتيح لحاملها مزية في الجهاد من أجل الحياة تنتقل منه إلي ذريته أما ما يكون فيه " التحول " ضاراً مؤذيا فسرعان ما يكون نصيبه الفناء .

فمذهب الانتقاء الذي يرمي إلي رفع الجنس بأكمله إلي مستوي خيرته ونخبته ، يجد إذن في التحولات الصالحة ما يكمله . وهي تحولات تتكرر في مئات آلاف السنين التي يتطور في خلالها الجنس .

ولم يهتد العلم إلي تعليل هذا التحول تعليلا واضحاً كل الوضوح ، فالعماد في تحقيق المؤثرات والظروف التي تخلق مثل هذا الخلق الفجائي في كيان المادة الوراثية الثابتة كل الثبات ، إنما هو علي الفروض وحدها . وقد لوحظ أن " التحول " وإن وقع فجاءة ، ليقع في أوقات دورية إلي حد ما ، بفعل مؤثرات خارجية لم تحقق التحقيق الكافي .

فإذا كانت التحولات التي تقع فجاءة علي مر الزمن ،  ويكون حكمها حكم المادة الوراثية المركبة في الأنواع من حيث التوارث - إذا كانت هذه التحولات طبيعية لأنها تنتج بمؤثرات خارجية من فعل الطبيعة ، فإن ثمة جهداً وسعياً حثيثاً لإحداث مثل هذه التحولات صناعياً ، وجعلها تتوارث كالتحولات الصناعية

وقد أجريت تجارب في هذا الباب في كل من الحيوان

والنبات ، فنقلت بعض أنواع الغير أن إلي مناخ إحر مما اعتادته فلما تناسلت جاء النسل طويل الديول . فاعيدت إلي مناخها الأصلى ، فجاء الجيل التالي محافظا على هذه الظاهرة ،

لكنها عادت فاختلف فيما تلا من الأجيال بعد ذلك .  وحققت بعض الأرانب لتغيير لون أعينها ، فتأثرت الاجنة بالحقنة ، لكن الأجيال التالية بعدها سلمت من هذا التأثير ، وبقيت المادة الوراثية في هذا النوع على حالها .

وقد قطعت ذيول أجيال متعاقبة من الفيران فلم تولد هذه الأجيال ولا التي عليها قصيرة الذيل ؛ وقطع ذيل قطة فجاء صغارها قصار الذيل ، فاغتبط أصحاب النظرية بهذه النتيجة ، لكنه سرعان ما تبين أن قصر الذيل إنما جاء من أب قصير الذيل .

فهاتان المحاولتان : الاستعانة في الحالة الأولى بالطبيعة لإحداث تحول في مادة الوراثة كتغيير المناخ ، واللجوء في الثانية إلي مؤثر خارجي كالحقنة ، وكالمقص الذي قطع ذيل القطة - هاتان المحاولتان تدلان برغم ما أصاب بعض حالاتهما من النجاح الجزئي العارض الذي لم يلبث إن اختفي أثره ، على أن جبلة النواة الجرثومية أو المادة الوراثية تظل مستقلة عن الجسم لا تتأثر بما يطرأ عليه ؛ فلا تأتي الذرية بلا ساق إذا بترت ساق للأب أو الأم ، ولا تولد قطة بلا ذنب إذا بتر ذنب الأب أو الأم وإذا حدث تغير في خاصية من خواص الخلفة ، كلون عين الأرنب من حقنة معينة لم يكن هذا "تحولا" بالمعنى الذي أسلفنا إليه ، لأن التحول إذا وقع بات حكمه حكم مادة الوراثة ، وانتقل إلي الذرية جيلا بعد جيل .

بقي أنه قد جريت مع الإنسان نفسه تجارب لإحداث "التحول" المنشود ، وإكسابه بذلك خواص يتوارثها  جيلا بعد حيل ، فلم ينجح في الإنسان ما نجح مؤقتا في

الحيوان ، كما شوهد في تلك الفأرة التي نقلت إلى منطقة أخرى وكما يشاهد في مخلوقات أحط . فقد تقل الإنسان إلى أجواء أخري غير جوه للتأثير المباشر في مادته الوراثية ، فلم يتأثر بحال من الأحوال .

ويلاحظ أنه يسود الناس اعتقاد بأنه في مكنة الحامل ، بنوع من المؤثرات الإيحائية ، أن تكسب الجنين محيا وخواص خاصة . بل إن هنالك كتبا تناول مثل هذه الحالات ، وتبنى عليها طريقة "لتنبيل" الجنس البشري .

غير أننا نقول إن بعض الحالات التي يجزم بصحتها إنما هي حالات أمهات ثبت أنها هي استعداد هستيري من شأنه أن يجعل للقوي النفسية تأثيراً في أجنتها . أما الأمهات اللواتي تكون حالتهن طبيعية فهن بمنجى من هذه التأثيرات .

فالجهود المبذوله "لتنبيل" الجنس البشري ، ورفعه إلي مستوي خبرته ونخبته بطريقة أو طرق مفتعلة، يمكن أن يقال فيها إنها أخفقت في الوصول إلي هدفها إخفاقا تاما . إذ كانت كل التجارب التي جريت ، والعمليات التي أجريت لم تصل إلي التأثير بصورة دائمة في جبلة النواة الحرثومية أو مادة الوراثة ، ليضمن انتقال التنبيل المزعوم إلي الذرية والأحيال المتتابعة .

وقد تناول جريندل Gruendel في كتابه "بشر المستقبل" هذه المحاولات بالتعقيب الكافي ليثبت أن السنن الطبيعية أجدي في رفع المستوي البشري من الاصطناع . ويحملنا ضيق المقام على الاكتفاء بالإشارة دون الإفاضة ، وعلى إرجاء البحث فيما يقل بين البشر من أصحاب العقول الضعيفة والمفطورين على الإجرام ، ويكثر من عدد الحاذقين وأصحاب المواهب ، إلي فرصة أخري .

اشترك في نشرتنا البريدية