آل قطب فى صفحة الإسلام الجديدة سطر مشرق يتلألأ ، لأنهم قوم جمع الله لهم من الفضائل والمكرمات والخلائق الإنسانية الفاضلة والمزايا العربية الكريمة والأخلاق الإسلامية العظيمة ما لم يؤته إلا لقليل من " الأسر " فى العالم الإسلامى ، فحباهم الحياء الذى لا تجده إلا فى بطون الكتب ، والحياء جماع الأخلاق الكريمة كلها . وما صدر أحد منه إلا وانتهى إليه وهو نظيف فى نفسه وخلقه ورجولته ، وحباهم الشعور الإنسانى الرفيع المتدفق الذى لن تجده إلا عند آحاد من الناس فى هذا المضطرب المائج ، ليقيموا الدليل على أن الإنسانية غير ما دام فى الأرض من يشعر شعور " الإنسان " . وحباهم إلى جانب هذا الثراء الخلقى الضخم ، ثراء فى العلم والهدى والبيان .
وعميد هذه الأسرة الحالى " سيد قطب " الذى يعد عند كثير من أقطاب المسلمين وقادة الفكر والزعماء منهم . زعيما فى الأدب وزعيما فى الدين ، ومفخرة من مفاخر العرب والمسلمين . وسيد قطب غنى عن التعريف ، فقد لمع اسمه فى كل بلد عربى وسطع سطوعاً شديداً ، وما زال هذا السطوع قوياً وهاجاً متجدداً .
وله إخوة كرام مثله فى الفضل والخلق والحجى ، حتى النساء من هذه الأسرة الكريمة معروفات بالتدين والإيمان والبيان ، وإن كن لم يأخذن حقهن من الشهيرة لأنهن عزوفات عنها ، ويعملن فى صمت وهدوء ، ثم صددن عن النشر إلا فى فترات متقطعة .
وآل قطب أبرار صالحون ، وأعوان لله مخلصون .
وغير على الدين متحمسون ، يعملون فيرون الضخم العظيم الذى يقومون به نزراً صغيراً ، وهذا يعدهم عن الغرور والكبرياء ، ويحميهم عن التنفع والادعاء ، وتلك آية الذين يعملون لله ولرسوله وللمؤمنين .
وخدم سيد قطب الإسلام والعروبة أجل خدمة ، وقدم لهما عند شباب العرب والمسلمين صورتهما الصحيحتين فإذا هما أجمل ما يرى ، وخير ما يعتقد ، وأفضل ما يذاد عنه ويجمعى . وسمعت من كثير من شباب العرب والمسلمين من جميع الأقطار الإسلامية أن الله هداهم بسيد وكتبه ، وذكر لى أعلام هؤلاء الشباب من المثقفين الأعلياء أنهم يتأسون بسيد ، ويعملون بدعوته . ويدارسون كتبه ، ويعتدونه زعيما لمدرسة فى الأدب والنقد والدعوة إلى الدين والأخلاق
هذا الرجل الكبير العظيم هو الذى يقوم بتوجيه أسرته وتربيتها ، وينشأ تحت كنف هذا السيد الصالح المصلح أخ ينال من الثقافة العربية والاسلامية والأفرنجية قسطاً جد كبير ، ويزين ثفاقته الواسعة خلق كريم ، وصلاح ودين وتقوى وورع ، وتشمر تربية سيد أخاء أطيب الثمر فنجنى عنه أطيب الجنى .
هذا الأخ محمد قطب .
إن هذا الشاب فى الثلاثين من عمره أو أنقص من ذلك قليلا ، مكتمل النضج والنمو والصحة والشباب ؛ ومع هذا يحفظ نفس فلا تميل إلى المحرمات ، ولا تختلف خطاء إلى الموبقات ، ولا تدور يخلده رغبة فى اللذات التى يغنى من أجلها شباب العصر ويغلون فى طلابها .
إن هذا الشاب من الشباب المسلم الصحيح الذى يعد على الأصابع ، ممن يذكروننى كلما ذكرتهم بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " يحب ربك من الشاب الذي ليست له صبوة " .
أذكر هذا موطئاً الأكتاف لكلمة أريد أن أقولها عن كتاب محمد قطب شقيق سيد قطب ، وأنا أدين الله بكل حرف فيها .
ألف محمد قطب كتاباً اسمه " الإنسان بين المادية والإسلام " وصدر منذ أسابيع ، وهو يضم من الصفحات ما يقرب من الثلاثمائة من القطع الكبير ، وقفه على دراسة الانسان بين المادية والإسلام
والعنوان وحده كاف لأن يعطى القارئ حقيقة هذا الكتاب وصورته وسبيلة فهو يبحث فيه " الإنسان " . والإنسان غير هذا البحر الزاخر من البشر ، لأن الإنسان " الخلاصة " النظيفة الخيرة المثمرة من السلالة البشرية كلها ؛ ولهذا تجد عدد الناس فى قطر واحد يبلغ الملايين . والدنيا بها مئات الأقطار . ولا تجد فى الدنيا على اتساعها وازدحامها بالسكان إلا عدداً جد ضئيل ، قد يكون بنسبة واحد إلى مائة ألف أو أكثر من مجموع سكان هذا الكوكب .
فالمؤلف يبحث وجود هذه الخلاصة النظيفة الخيرة المثمرة لدى الإسلام ولدى المادية التى انشقت فكانت بضعة معسكرات وبضعة مذاهب ، كل منها يلعن الآخر وبترصده بالشر ويعد له الكمين ليوقع به .
والمؤلف عندما يبحث وجود الإنسان فى الإسلام والمادية لا يندفع اندفاع المتعصب ، ولا يتناول وضوعه تناولا سطحياً ، ولا يقول كلاماً إنشائياً أو يلقى خطباً ومواعظ منبرية ، ولكنه يبحث بحثاً علمياً دقيقاً ، ويقدم خير ما فى الأديان والمذاهب ثم يعارضها بالإسلام ، ويترك للقارئ الحكم ، وهو سيحكم للاسلام بحق ، ويهتف : ما أعظم الاسلام !!
إن المؤلف يترجم للإسلام ، ويقدم صورته كما هى من غير " ورتوش " ويترجم للأديان المنسوخة والمذاهب كما تصورها
أحلام أصحابها ، ثم يعارضها جميعاً بالإسلام ، لا ليقول هو وحده : إن الإسلام خير منها على الإطلاق ، بل يترك القارى حكماً ، وأى قارئ حر نزيه منصف لا يملك إلا أن يقول : الإسلام دين الحق . دين الأخلاق ، دين الفضيلة ، دين السلام ، دين الجمال ، دين العمل والحرية والأمن والظمأنينة ، دين الطبيعة القويمة والفطرة السليمة .
ويتناول المؤلف فى كتابه مسائل الجنس فى نظر الأديان وعلم النفس ، ويعرض بأمانة وإخلاص كل ما يتعلق بها ، لينتهى بالمنطق والدليل إلى أن الإسلام يأتى دائماً بالحل الوسط الذى لا حل بعده خير منه ، وينتهى إلى حيث يأمن الإنسان فيه إلى كل شئ عنده أو فى نفسه أو ما يحيط به .
وعلى سبيل المثال نقل بعض فقرات دون أن تختار وتلتقى ، لأن الكتاب كله نمط واحد ، ومعدن واحد ، وكل فقرة فى الكتاب مثل غيرها ، أداء وقوة وجمالا وبلاغة .
قال المؤلف الفاضل :
" أهم ما يمتاز به الإسلام أنه يأخذ الكائن البشرى على ما هو عليه ، لا يحاول أن يفسره على ما ليس من طبيعته كما تصنع المسيحية ؛ وإن كان فى الوقت ذاته يعمد إلى تهذيب هذه الطبيعة إلى آخر مدى مستطاع دون أن يكبت شيئاً من النوازع الفطرية ، أو يمزق الفرد بين الضغط الواقع عليه من هذه النوازع ، وبين المثل العليا التى يرسمها له "
وهذه الجملة على إيجازها الدقيق تقيم لنا الدليل على أن المؤلف متمكن من بحثه ، فاهم حقيقة الإسلام ، فهو يعرف عن علم ودراسة أن الإسلام لم يجئ لتعذيب نوازع الانسان أو خلقها ، بل جاء لتهذيبها وإطلاقها من عقال الرذيلة والشر لتسمو بصاحبها ، على ألا يقطع صلته بالأرض ، بل يعيش على الأرض بأخلاق ملاك ، أو يعرج إلى السماء على أن يحافظ على إنسانيته .
إن رسالة الاسلام أن يتناول هذا الكائن البشرى وبوجه قواه وغرائزه ونوازعه إلى ما فيه الخير ، ولم يكلفه فوق طاقته ولم يطلب إليه أن يتجرد من نفسه أو ينزع عنها ثوبها
الحقيقى ، بل كما ذكر المؤلف أنه يأخذ الكائن البشرى ويعمد إلي تهذيب طبيعته إلى أبعد مدى مستطاع . ويرى المؤلف أن لتهذيب طبيعة هذا الكائن طريقين : أحدهما ، كبت نوازعه ، وهو صنيع المسيحية ، وثانيهما ، إعطاء هذه النوازع فرصة الحياة والكسب مع تمكينها من الفضيلة وإشرابها إياها حتى تحيا حرة تتجه إلى الخير وتتخلص من ريقة الحيوانية ، وهذا صنيع الإسلام .
والمؤلف عندما لخص رسالة المسيحية والإسلام فى هذا السبيل فى هذه الجملة القصيرة كان فاهما حقيقة الإسلام والمسيحية فهماً دقيقاً ، وهذا ما طوع له إيجازها فى سطور قليلة .
وأقام المؤلف البراهين الدامغة على أن الإسلام فهم حقيقة الكائن البشرى ولم يطلب منه ما كان فوق مستطاع طبيعته وتكوينه الخلقى ، أو يطلب منه أن يكون غير نفسه المزودة بشتى القوى والغرائز والنوازع ، ولم يدفعه فى طريق طويل يضنيه طوله ، ويدمى قدميه شوكه ووهره ؛ بل طلب إليه أن يستعين بما بهذبه ويروض " الوحش " الكامن فيه ، ويفتح عينيه على الجمال فى كل صوره . ويسكب فى قلبه النور ، وطلب إليه أن يكون مع طبيعته فى وفاق ، طبيعة الإنسان لا الوحش ، ودفعه برفق وهوادة فى طريق نظيف مستقيم ممهود لا يجهد فيه ولا يعبأ .
ويقول المؤلف فى بلاغة خالية وإيجاز رائع : إن " الانسان فى نظر الإسلام كائن لا هو بالملاك ولا بالشيطان ، وإن كان قادراً فى بعض حالات الهبوط أن يصل إلى درجة الشيطان من الشر ، وفى بعض حالات الارتفاع أن يسمو بروحه إلى مستوى للملائكة من الطهر ، ولكنه فى حالته الطبيعة شئ بين هذا وذاك مشتمل على الخير كما هو مشتمل على الشر ، وليس أى العنصرين غريبا عن طبيعته . ولا مفروضاً عليه من خارج نفسه " .
ويقول : " والغاية العليا للإسلام ، هي إيجاد التوازن فى نفس الفرد ، فيؤدى ذلك إلى إيجاد التوازن فى المجتمع ،
وفى الإنسانية كلها بعد ذلك ، إذا كان هذا فى حدود الإمكان " .
هذه بعض كلمات مما فى كتاب الأستاذ محمد قطب ، وكل ما فى الكتاب مثل هذه سموا وجمالا وقوة وصفاء وصدقا وحرارة ، قدمتها نموذجاً لا يغنى بعضه عن كله ، لأن هذا الكتاب ليس مما يقرأ فضلا فيكفى ، ولا صفحة فتفنى ، بل لا بد أن يقرأ كله ليعرف القارئ حقيقة الإسلام وحقيقة الإنسانية وحقيقة المادية ، ثم يعرف حقيقة الإنسان بين المادية والإسلام .
وفصول الكتاب عشرة بالمقدمة ، وتسعة من غيرها ، وأنا أعد المقدمة فصلا حياً قائماً بنفسه فى الكتاب ، لأنه تناول فكرة الكتاب الفنية والعلمية وأوجزها حيث أقام فيها الصوى الهادية إلى فكرة الكتاب من جميع نواحيه .
والفصول التسعة : (١) نظرة المسيحية (2) فرويد (3) التجريبون (٤) الشيوعيون (٥) نظرة الإسلام (٦) الفرد والمجتمع (٧) الجريمة والعقاب (٨) المشكلة الجنسية ( 9) القيم العليا .
ومن الصعب إيجاز كل فصل ، أو الإشارة إليه فى مقال كتب للتعريف بالكتاب جملة ، ومن الصعب تفصيل فصل فصل ، فكل سطر فى الكتاب نتيجة دراسة عميقة للنظريات علم النفس فى مدارسه المختلفة ، ودراسة عميقة للمذاهب السياسية والنظم الموضوعة وللإسلام والأديان . وفهم دقيق لها ، ونقد عادل متزن ، حتى إن الميزان الذى يزن به دقيق لا يخسر ولا يعطف . ومن المدهش أن الميزان لم يضطرب فى يديه .
وحكمى على المؤلف أو له أنه أديب عالم قدير مع صغر سنه ، وهذا ما يجعلنى عظيم الإكبار له ، شديد الإعجاب بفنه وأدبه وعلمه وبحقه . وأنا بعد دهش من هذا العلم الواسع والثقافة الصحيحة والتجارب الكثيرة التى لا تتاح لمن كان فى مثل سنه ، بل لا تتاح إلا الراسخين من الكبار ، ولكن هذا فضل الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم .

