ساد الهدوء غرفة القسيس دون بيترو ، وقد امتزجت فيها أشعة الشمس المشرقة برائحة الخبز التي كانت تتصاعد من موقد في فناء الدار ، وبرائحة البخور التى كان يحملها النسيم من الكنيسة المجاورة لدار القسيس . وكان كل شيء في الغرفة وما حولها يمثل السكون الشامل ، والهدوء الكامل . وكان القسيس العجوز مستلقيًا على كرسي طويل ، وقد طغا عليه النعاس ، وكان رأسه الأصلع مستندًا إلى ظهر الكرسي ، وجسمه الدابل النحيل ، ووجهه الكثير التجاعيد ، قد رسم الفناء عليهما سطورًا عميقة ، وكان تنفسه المضطرب ينم عن صدر ضعيف وقلب عليل . وقد كان منظره هذا مما يزيد جو الغرفة هدوءًا وسكونًا .
في تلك الساعة اندفع القسيس الشاب دون آنجيلو إلى الغرفة ، وهو تلميذه الذي اختاره القسيس العجوز واصطفاه ، وهو يرجو أن يكون له خير معين في شيخوخته ، وخير خليفة له بعد موته . اندفع الشاب إلى الغرفة في عنف وقوة ، ولكنه توقف فجأة حين رأى الشيخ راقدًا رقاده المضطرب ، وأخذ يخطو في هدوء ورفق ، ماشيًا على أطراف قدميه ، حتى وقف أمام شيخه الراقد ، وجعل يتأمله في صمت وقلق وضيق صدر ، وهو يريد أن يوقظه ويصيح في وجهه بصوت قوي مرتفع : " أي دون بيترو . لقدت عقدت النية على أن أترك هذه المهنة ، فإني لا أريد أن أكون قسيسًا " ! ولكنه رغم اندفاعه وضجره ، لم يجرؤ على إزعاج شيخه النائم ، مدركًا أنه لو أيقظه فجأة ، ورآه دون بيترو في حالته تلك ، فلقد يكون هذا ضربة قاضية على الشيخ المسكين . ولهذا ظل واقفًا في صمت وسكون ، رغم ضجره وضيق صدره .
وكان بالأمس قد قضى مع أستاذه الشيخ ساعات طوالًا ، كان فيها يذرع الغرفة ذهابًا وجيئة ، وهو يهز ذراعيه غيظًا وضجرًا ، ويريد أن ينزع عن جسمه حلة القسيس التي باتت تضايقه ، وتحبس روحه . وأخذ يحدث الشيخ في قوة وصراحة بأنه قد وطد عزمه على ترك هذه المهنة التي بات يراها لا تصلح له ولا يصلح لها . ولم يكن ذلك لأنه فقد إيمانه ، بل لأن نفسه قد تفتحت لإيمان جديد حر نبيل ، مبرأ من شوائب المذهبية والعقائد التقليدية ، إيمان ملؤه القوة والحياة ، لم يتراكم عليه غبار السنين ، وخرافات الغابرين . وقد تركه القسيس الشيخ ينطلق في كلامه العنيف ، واندفاعه الشديد ، دون أن يقطع عليه حديثه ، أو يحاول أن يجاوبه . ولم يزد على أن كان ينظر إليه من آن لآن بعيونه الذابلة ، وهو يبتسم بشفتيه الهزيلتين ، ابتسامة الرثاء والأسف ، يشوبهما القليل من السخرية ؛ وكانت تسمع من بينهما أحيانًا كلمة واحدة كان يرددها : " غرور ! . . . غرور ! " .
ثم يسأل نفسه : إيمان جديد ! أي إيمان جديد هذا ؟ وليس في الدهر غير إيمان واحد لا ثاني له ! إيمان أكثر حرية وحياة ! ذاك لعمري هو الغرور بعينه . فياعجبا لنزق الشباب ، على أن هذا كله سيزول حين يزول نزق الشباب ، ويحل محله رجحان العقل ، ونضج الفكر . كان الشيخ واثقًا أن هذا الاندفاع عرض سيزول ، وأن الشاب لن يخرج تهديده هذا من القول إلى العمل ، وأنه لن يخلع عن جسده حلة القسيس ، ولو لم يكن له من رادع عن هذا سوى خوفه على أمه المسكينة أن يصعقها بصنعه هذا .
ومع ذلك فإن دون آنجيلو كان يريد أن يترك مهنته هذه من أجل أمه بالذات ، فإنه كان يحبها أشد الحب ، ويؤلمه أن يراها وهي منخدعة فيه ، تتوهم أنه من القديسين وتعبده كأنه من الأولياء الصالحين . ولا بد له أن يزيل عن بصرها تلك الغشاوة ، وإلا كان كاذبًا منافقًا .
وقد تذكر الشاب كل هذا ، وهو واقف بالقرب من شيخه النائم ، فأخذ الدمع - دمع الغيظ والكمد - ينحدر من عينيه . . .
في تلك اللحظة دخلت أخت الدون بيترو ، وهي عجوز نحيلة ، مقوسة الظهر ، ضئيلة الجسم ، ترتدي ثوبًا أسود حالكًا ، وعلى رأسها خمار أسود متدل على كتفيها . وقد رفع القسيس الشاب رأسه لينظر إليها ، فسألته في همس : " أهو نائم ؟ " فهز رأسه بالإيجاب ، ثم سألته : " وما لك تبكي ؟ " .
وقبل أن يجيب على سؤالها استيقظ الشيخ ورفع رأسه قليلا ، وقال : " أهذا أنت يا آنجيلو ؟ ماذا حدث ؟ . . " فذهبت أخته إلى جانبه وأسرت إليه حديثًا ، فنهض من مكانه بجهد شديد ، ووضع يده على كتف الشاب ، وقال له :
" هل لك أن تسدي إليَّ جميلا يا بني ؟ إن في الكنيسة عجوزًا قد أقبلت من قريتها تريد أن تتحدث إليَّ ، وأنت تراني عاجزًا عن الحركة ، فهل لك أن تذهب إليها بدلا عني ؟ اذهب بارك الله فيك ، فإنك اليوم لازلت ولدي الصالح المطيع ! " .
خرج الشاب من غرفة القسيس ، صامتًا واجمًا ؛ وكأنه لم يفهم كلمة مما سمع ، وفي طريقه إلى الكنيسة كان يمشى متثاقلا ، مضطرب الجنان ، ضيق الصدر ؛ ولم يكد ينزل المدرج المفضي إلى الكنيسة ، حتى أخذ الدمع يتفجر من عينيه حارا غزيرًا . دموع أذرفها خجلا من نفسه
ورثاءً لنفسه ، وغيظًا من كونه قد كلف أن يؤدي عملًا من تلك الأعمال التي كان يزدريها ويمقتها .
وأخيرًا وصل إلى داخل الكنيسة ، فرأى في جانب منها امرأة من أهل الريف ، رثة المنظر ، رثة الثياب ، جمعت بين ضعف الشيخوخة وقذارة الفقر المدقع . . .
وفي يسراها دجاجتان ، أمسكتهما من رجليهما ، وفي اليمنى ثلاث قطع من الفضة ، وعلى الأرض بين يديها حقيبة بالية ملوثة مملوءة نُقلًا .
فنظر إليها نظرة كره وازدراء وقال : " ما خطبك أيتها المرأة ؟ " .
فرفعت المرأة عينيها الذابلتين ، وأخذت تتمتم بألفاظ مبهمة ، خارجة من بين شدقيها الباليين ، ولثاتها العارية من الأسنان .
" ماذا تقولين ؟ إني لم أسمع ! ارفعي صوتك ، أنت الأم كروشي ؟ " .
أجل هي الأم كروشي والقسيس الشيخ يعرفها جيدًا . وقد مات زوجها غرقًا في نهر تارو منذ سنين طوال . وقد حضرت من قريتها البعيدة سعيًا على رجليها ، حقيبتها على ظهرها . قطعت زهاء عشرة أميال لكي تبلغ الكنيسة .
وقد أحضرت هذه الليرات الثلاث والدجاجتين وحقيبة النقل ، تتوسل بها إلى إقامة الصلوات والأدعية اللازمة ، لكى يرضى عنها سان كالوجيرو ، قديس الرحمات الذي شفى ولدها من داء عضال ، ولم تستطع أن توفي بنذرها للقديس فلم يكد يتم لولدها الشفاء حتى ارتحل إلى أمريكا ، وقد وعدها بأن يكاتبها من هناك ويرسل لها كل شهر قليلا من المال تعيش منه . وقد مضى عام ونصف عام ، ولم يكتب الفتى كلمة ولم يرسل درهمًا ، وياليتها تعلم من أنبائه شيئًا وأنه حي يرزق ، فإن هذا يرضيها على كل حال ، وإن لم يرسل إليها مالا . ولكن هذا كله قد ألم بها لأنها لم تف بالنذر الذي نذرته للقديس كالوجيرو . وهي تعلم هذا
كل العلم . غير أنها إن قصرت في هذا الواجب ، فما ذاك إلا أن علة ابنها قد استنفدت كل ما لديها من مال . ولم تترك لها سوى عينين تذرفان بدل الدمع دمًا ؛ أجل دمًا فانيًا غزيرًا . . . . وبعد أن سافر ابنها لم يكن في وسعها أن تقتصد الليرات الثلاث التي لابد منها لإقامة الصلاة ؛ ولم تكن قادرة على أن تكتسب إلا ما يكفي لسد رمقها .
وكان لا بد لها من عام ونصف عام ، لكي تقتصد المبلغ اللازم ، وتوفر القربان المطلوب . وها هي اليوم قد أحضرت الليرات الثلاث ، وحقيبة النقل ، والدجاجتين . ولا شك عندها في أن القديس كالوجيرو الرحيم القلب ، سيعطف عليها ويرق لحالها ، فتسمع من أنباء ابنها ما يشرح صدرها ، ويعيد إليها السرور . . .
أنصت الشاب إلى قصة العجوز ، وكل كلمة فاهت بها جمرة مشتعلة تزيد نار صدره اضطرامًا وإلهابًا . ليته يستطيع أن يثأر لهذه المرأة المسكينة من أبناء حرفته الذين غرسوا ذل الإيمان في هذه النفوس البائسة . ثم استغلوا هذا الذل أشنع استغلال . فيا ويحهم كيف يستحلون أن يأخذوا من هذه المرأة ، ثمنًا لصلوات تقام ، هذه الليرات وحقيبة النقل والدجاجتين .
وبعد هنيهة نظر إليها وصاح في وجهها وهي ترتعد : " احملي حقيبتك أيتها المرأة وارجعي إلى بلدتك ! " .
فنظرت إليه ذاهلة واجمة ، كأن كلماته صاعقة من سماء زرقاء ؛ ولكن نظراتها لم تزده إلا قضبًا ، فصاح في وجهها : " قلت لك اذهبي ببضاعتك ؟ فما بالقديس كالوجيرو حاجة إلى نقل أو دجاج . ولئن كانت لابنك رغبة فى الكتابة إليك ، فثقي أنه سيكتب إليك . اذهبي ؛ ارحلي ! " وقد ازدادت المرأة ذهولًا على ذهول : ونظرت إليه
وهي تقول : " ما هذا الذي تقول لي ؟ أما تفهم أن هذا نذر ؟ .. إنه نذر قد نذرته ! " .
فاهت العجوز بهذه الألفاظ ، في دهشة وحيرة لجهله وقلة فهمه ، حتى اضطر دون انجليلو أن يخفف من حدته وأخذ يخاطبها في لفظ رقيق ، وعبارة سهلة ، وطلب منها أن تأخذ دجاجتيها ونقلها ، وتعود أدراجها ، وإن أصرت على إقامة الصلاة فإنه مستعد لأن يقيمها من أجلها ، على شرط أن تأخذ ليراتها الثلاث وتعود إلى قريتها .
فنظرت إليه وقد استولى عليها ما يشبه الرعب وقالت : " ولكن لماذا ؟ وما فائدة الصلاة في مثل تلك الحالة ،
مادام الأمر مرتبطًا بنذر لم أفِ به ؟ ولئن لم أقدم ما وعدت به فما فائدة النذر ؟ لماذا تعاملني هذه المعاملة القاسية ؟ أولست قسيسًا من رجال الدين ؟ ألعلك تظن أنني لا أعطي من كل قلبي ما وعدت به القديس الجليل صانع المعجزات ، القديس كالوجيرو ؟ رباه ! رباه ! إني أخطأت حين أنبأتك مما لقيته من العناء في تحصيل هذه الدراهم وهذا القربان ، وإنما أردت الاعتذار عن تقصيري " .
ثم أخذت تبكي ، وتذرف الدمع ؛ ونظر الشاب ، فإذا هي دموع حمراء كقطرات النجيع ! فبادر إلى العجوز يلاطفها ويؤانسها ، وطلب منها أن تنتحي ناحية في الكنيسة ، وتنتظر لحظة ريثما يقيم الصلاة ويقرأ الأدعية من أجلها فورًا ، من غير إبطاء .
ولم تك إلا لحظات حتى ارتدى حلة القسيس ؛ وقلبه يكاد يتميز غيظًا وإشفاقا ، وأسفًا على هذا الإيمان المضلل ، الضارب في بيداء الجهل ، لا يجد قبسًا من نور يرشده ويهديه .
ثم اندفع إلى المذبح ، وأخذ يصلي ، وهو راكع واجم ، من أجل هذه العجوز المسكينة . . . .
وبعد أن أتم صلاته ودعاءه أذن لها في الانصراف ، وأذن لها في أن تترك القربان ، والقطع الفضية الثلاث .
