الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

الابتر

Share

كان ذلك سنة ١٨٨٢ وكنت قد انتصبت فى ركن من اركان العربة الخالية وقد اغلقت بابها املا ان ابقى بها وحدى اذ فتح الباب فجأة وسمعت صوتا يقول :

الحذر يا سيدي فنحن في ملتقى الخطوط الحديدية ومرقاة القطار عالية فأجاب صوت آخر :

لا تخش شيئا يا لوران ( Laurent ) سامسك بقبضتي المصعد ثم ظهر راس عليه قبعة مستديرة ويدان متعلقتان بالقدتين المتدليتين من جنبي المصعد وارتفع في بطء جسم بدين وقعت رجلاه على المرقاة وقوع عصا على الارض اليابسة ولما تقدم صدر الرجل في العربة بدا لعيني من قماش سراو يله الرخية طرف رجل خشية اسود تلاه آخر مثله وظهر من وراء هذا المسافر رأس قائلا

- أ آت فى راحة يا سيدى ؟

فقال : نعم يا ولدى

فقال : هاك إذن حزمك وعكارتيك

ثم صعد خادم عليه ملامح الجندى القديم حاملا فى يديه اشياء كثيرة فى لفائف من الورق الاسود والاصفر محكمة الربط فوضعها واحدة واحدة فى الشبكة

المعلقة فوق رأس سيده ثم قال - هاهي كلها يا سيدي فهى خمس : الحلوى والدمية والطبل والبندقية وعجين الكبد الدسم

فقال : حسنا فعلت ياولدى

قال : سفرا طيبا ياسيدى

قال : شكرا يالوران وصحة حيدة وانصرف الرجل دافعا الباب وراءه

فنظرت الى جارى بالعربة فقد يكون بالغا من العمر خمسة وثلاثين عاما مع ان شعره يكاد يكون كله ابيض وكان طويل الشاربين بدينا تلك البدانة المفرطة التى تصيب الرجال العاملين الاشداء الذين تضطرهم عاهة الى الكف عن الحركة وكان يعلو صدره او سمة

فمسح عن حبينه ونفخ واثبت فى نظره قائلا ايضايقك دخان السيكارة يا سيدى

قلت : ابدا يا سيدى

هذه العين وهذا الصوت وهذا الوجه انى لاعرفها لكن اين ومتى اني لاقيت هذا الشاب وحادثته وقبضت يدى على يده لكن ذلك قديم العهد قديم العهد جدا مهمل فى الضباب الذى يحاول فيه العقل ان يتحسس الذكريات ويتتبعها تتبع الاشباح المتنائية فلا يظفر بها

وهو الان يتفرسنى ايضا فى الحاح الرجل الذى تلم به بعض الذكرى لا ذكرى كاملة واضحة

وتحرجت عيوننا من وقع نظراتنا الملحة فعدلت عن الالتفاء ثم ما كادت تمر ثوان معدودات حتى جذبتها ارادة الذاكرة فى سعيها الغامض العنيد فالتفت

ثانية فقلت : - بالله يا سيدى عوض ان يتأمل احدنا الاخر في خفية مدة ساعة اليس الاجدر بنا ان نبحث معا عن مناسبة معرفتنا السابقة

فأجابني جاري في لطف :

والله انك لعلى صواب تام يا سيدى فقلت : اسمى هنرى بنكلير( HenryBonclair ) واناحاكم

فتردد ثوانى ثم قال وقد لاح فى نظرته وصوته ذلك الابهام الذى يرافق

الاجهاد الفكرى الكبير :

- صحيح ما تقول لقد لاقيتك قديما قبل الحرب منذ اثنى عشر عاما عند اسرة بوانسيل ( Poincel )

قلث : اجل ياسيدى . . انك " . انك الملازم رفاليار   ( Raulnere ) قال : اجل ولقد كنت ايضا القائد رفاليار الى اليوم الذي فقدت فيما رجلي رجلي الاثنتين في صدمة واحدة بكرة مدفع

فتبادلنا النظر مرة اخرى اذ تبين ان لنا سابق معرفة وانى لا تذكر فى وضوح تام انى قد رايت هذا الشاب الجميل النحيف الذى كان يرقص الفتيات فى جنون رشيق لطيف والذى لقب بالزوبعة لكن كان يتردد على من وراء هذه الصورة التى ذكرتها فى وضوح شىء آخر تستعصى على ذكراه قصة عرفتها ثم نسيتها

قصة من تلك القصص التى يهتم بها الانسان اهتماما رفيقا قصير الامد ولا تبقى بالفكر سوى اثر يكاد لا يدرك . . كان فيها غرام . . كنت احس بذلك احساسا خاصا فى اعماق ذاكرتي لا غير مثله كمثل ما يشتمه كلب الصيد فيما يبقية على اديم الارض من اثر وقع ارجل القنص

ومع ذلك قد اخذت الظلمات تنقشع شيئا فشيئا ونجم امام عيني وجه فتاة ثم انفجر اسمها فى رأسى انفجار علبة بارود : الانسة ماندال (  ( Mandal    

تذكرت الان كل شئ انها قصة غرام لكنها قصة عادية فكانت تلك الفتاة تحب هذا الشاب عند ما لا قيته وكانوا يتحدثون بزواجهما القريب وهي ايضا كانت تبدو عليها الصبابة والسعادة

ورفست عيني نحو الشبكة التى كانت بها جميع الحزم والشبكه التي كانت بها جميع الحزم التي حملها خادم جاري ترتعش بها على هزات القطار وعاودنى صوت الخادم كانه يكاد ينتهى من قوله - ها هى كلها يا سيدى فهى خمس الحلوى والدمية والطبل والبندقية وعجين الكبد الدسم فتالفت فى دهنى فى ثانية واحدة قصة وجرت حوادثها برأسي قصة تشبه لا محالة جميع القصص التى قرأتها . قصة يتزوج فيها الفتى الفتاة او الفتاة الفتى بعد الكارثة البدنية او المالية . . فهذا الضابط المبتور الرجلين قد وجد اذن من جديد تلك الفتاة التى وعدته بنفسها فوفت بوعدها فتزوجته . . فكنت ارى ذلك جميلا لكن بسيطا كما نرى بسيطة جميع انواع بذل الذات فى الكتب والمسرح اذ ان الانسان اذا ما تعلم فى المدارس المروءة او استمع الى تعاليمها يخيل اليه دائما انه لو كان فى تلك الحال لضحي بنفسه فى نعمى خالصة واندفاع عجيب غير انه سرعان ما يصيبه انقباض الخاطر ادا ما اتاه

من الغد صديق معدم يستعيره بعض المال ثم قام فجأة مقام هذا الافتراض افتراض اخر اقل شاعرية منه لكنه اكثر واقعية وهو انه قد يكون تزوج قبل الحرب ، قبل حادث تلك الكرة المهيل الذى قطع رجلية الاثنتين و كانت هي مضطرة فى شديد الحزن وجميل الصبر الى قبول ذلك الزوج الذى ذهب قويا جميلا وعاد مقطوع

الرجلين كبقية شوهاء قدر لها الجمود والغضبات العاجزة والبدانة المفرطة المحتومة ومضطرة الى معالجته وتسليته ومعاضدته

فهل هو سعيد ام معذب . . وتملكتني رغبة رفيقه  في اول الامو ثم متعاظمة ملحة ، . . رغبة فى معرفة قصته او على الاقل خطوطها الرئيسية التى تجعلني اتكهن بما لا يقدر او لا يريد ان يفوه به وكنت احادثه وانا افكر . .

لقد تبادلنا عبارات معهودة بينما كنت افكر رافعا عيني الى الشبكة . . ان له ثلاثة اطفال فالحلوى لزوجته والدمية لبنيته والطبل والبندقية لابنه وعجبن الكبد

الدسم له وسألته فجأة : لاشك ان لك اطفالا يا سيدى

فقال : لا يا سيدى فشعرت بالخجل يتملكنى كأنى اخللت باللياقة فقلت : معذرة ياسدى لقد ظننت ذلك عند ما سمعت خادمك يتحدث عن اللعب

ان الانسان يسمع عن دون اصغاء ويستنتج على كره منه فتبسم وهمس : - لا لست متزوجا ايضا فقد وقف بي الامر عند المقدمات

وبدت على فجأة علامات التذكر فقلت : نعم حقا لقد كنت حين عرفتك خطيبا للانسة " ما ندال حسبما اظن

قال : نعم يا سيدى ان لك ذاكرة جيدة فجرؤت غاية الجرأة مردفا :

اجل واظننى اتذكر انى سمعت ان الآنسة ماندال قد تزوجت السيد السيد

فقال فى هدوء : - السيد دى فلوريل ( De Fleurel )

قلت : هكذا واتذكر بمناسبة ذلك اني سمعت ايضا حديثا عن جرحك واثبت فيه نظرى فاحمر وجهه . . وجهه الممتلئ المتورم الذى يزيده جريان الدم احمرارا على احمرار

قال : انه لمن الخطا يا سيدى ان يلفظ باسمى بجانب اسم السيدة دى فلوريل اذ عندما عدت من الحرب وقد فقدت - ياللاسف - رجلى ما كنت قطا لارضي بان تصبح زوجة لى لا ، ابدا وهل كان ذلك ممكنا يا سيدى ان المرأة لا تتزوج لتظاهر بالحلم بل تتزوج لتعيش كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة وكل ثانية بجانب

فأجاب فى حمية وقد تملكته الرغبة التى تفاجئ الرجل الذى يدافع عن قضية محسورة سلفا مخسورة فى عقله وقلبه لكنه يريد ربحها امام الراى العام

رجل فادا كان ذلك الرجل مشوها مثلي فالمرأه تتزوجه تحكم على نفسها بالعذاب الى الممات . نعم انى افهم بل اعجب من جميع انواع التضحية وبذل النفس ان كان ذلك فى نطاق المحدود لكنى لا اقبل ان تزهد امرأة فى الحياة التى تتمنى فيها السعادة فتعرض عن جميع دواعي السرور وشتى انواع الاحلام فى سبيل ارضاء اعجاب المشاهدين فعند ما اسمع على اديم غرفتى الخشى وقع مدقتى وصوت عكازتى تجعلنى تلك الجعجعة التى احدثها فى كل خطوة من خطاى ارغب رغبه ملحة فى خنق خادمى فهل تظن انه يمكن ان يقبل الرجل من المرأة ان تتحمل ما لا يقدر هو على تحمله ثم هل تتخيل يا سيدى ان طرفى رجلي جميلان

وسكت فما عساى اقول له وقوله الصواب وهل فى مقدورى ان ألوم الفتاة او احتقرها او حتى اتصورها على خطا لا . . وعلى ذلك فنهاية القصة المسايرة للقاعدة وللمألوف وللحقيقة وللمعقول لم تكن لتشفى غلتى الشعرية لان تينك الرجلين المبتورتين الباسلتين تستدعيان لا محالة تضحية جليلة ، الامر الذى جعلني اشعر بالخيبة

وسألته بغته : اللسيدة دى فلوريل اطفال قال : نعم لها بنت وابنان وهاته اللعب احملها اليهم فاقد كانت هي وزوجها رفيقين . . . رفيقين بي كل الرفق

وسالته بغتة : اللسيده دى فلوريل اطفال قال ! نعم اها بنت وابنان وهته اللعب احملها اليهم فلقد كانت هى وزوجها رفيقين . رفيقين فى كل الرفق

وكان القطار اذ ذاك صاعدا عقبة سان جرمان ( Saintgermain (  ثم قطع الانفاق ودخل المحطة وانقطع عن السير وانى لهام بمد يدى لاعين الضابط الابتر

على النزول اذا يدان تتقدمان نحوه من الباب المفتوح وصوت يقول : اهلا يا عزيزى روفالير

فقال الضابط : اهلا يا فلوريل ومن وراء الرجل كانت زوجته - وهي لا تزال جميلة - كانت تبتسم بوجه زاهر واصابعها المقفزة تشير بالسلام وبجانبها بنية ترقص فرحا وبنيان ينظران شديد الرغبة الطبل والبندقية البارزين من العربة وقد مسكتهما يد ابيهما "

ولما استقر الابتر على الرصيف قبله جميع الاطفال ثم ساروا معا جميعا وكانت ١ صحاء البنية تمسك بعدها الصغيرة خشة احدى العكازتين العارضة اللامعة الطلب كانها تسير بجانب صديقها الكبير ماسكة ابهامه .

اشترك في نشرتنا البريدية