-٥-
الجبرية :
جنبا إلى جنب مع هذا الإيمان بالروح والحنين إلي الحياة الروحية تجد اتجاها آخر لا يقل في قوته واثره في الشعر الحديث عن هذا الاتجاه - وأعني به الإيمان بالجبرية - فإن حياة الآلة قد سلبت الإنسان العصري بإرادته فأصبح مسيرا ، ثم جاءت الحرب العالية الأولى وتبعتها الحرب العالمية الثانية ، فقوت هذا الإيمان بأن هناك قوة تسيطر على حياتنا لا قبل لنا بمعرفتها أو التغلب عليها ، حتى إنك كثيرا ما تجد الأوربي المعاصر يعيش ليومه فقط ؟ فهو لا يعرف ما قد يجيء به الغد بعد أن شلت الحياة الآلية إرادته ، وبعد أن جرعته الحرب ويلات جمة ، وبعد أن فقد إيمانه بالآلة ؛ فأصبح يري نفسه كالريشة في مهب الريح يسير في عالم ملئ بالمناقضات لا يعرف له وجهة معينة ، ولا يدرك لحياته نهاية واضحة تنتهي إليها ؟ كان من الطبيعي إذا وقد ادرك الإنسان العصري أنه مسلوب الإرادة أن تظهر نزعة الإيمان بالجبرية في الشعر ، وأن تتخذ أشكالا مختلفة ، أهمها ثلاثة : وأول هذه الأشكال هو نتيجة مباشرة للتبرم بحياة الآلة ؛ فما دامت الحياة الحديثة قد انقلبت إلي آلة كبيرة ليس الإنسان إلا جزءا منها ، فكيف يستطيع الإنسان أن يبقي على إرادته فيها ، وهو ليس إلا عجلة من عجلات الآلة الكبيرة تتحرك فيتحرك معها لأنه لا كيان له بدونها ، كما أن المسمار الصغير في الساعة ينعدم عمله لو فصل عنها ؟ فعنصر الجبرية إذا نجده أول ما نجده في طبيعة الحياة نفسها ، وهذا ما يصوره كثيرون من الشعراء ، نذكر منهم على سبيل المثال الشاعر المعاصر ( جون ليمان ) الذي يوضح عنصر الجبرية في الحياة الحديثة في قصيدة قصيرة له بعنوان هذه الآلة يقول فيها :
هذه الآلة العجيبة قد ركبت تركيبا بسيطا حتى لا يحار فيها الطفل أو الأبله أو الغبى.. فليس هناك مجال للخطأ - كل ما عليك أن تضغط الزر -
فتتحرك كل عجلة فيها وتحرك العجلة التى وراءها وتدور الآلة كلها ومع دورانها يمتص كل شئ حي يمتص في سرعة ويطحن ويفقد الوعي ويموت . هذه الآلة العجيبة ليست في الواقع إلا الدنيا الحديثة بأقسامها وشعوبها العديدة . ركبت تركيبا بسيطا حتى إنك ما عليك إلا أن نفسها بأصبعك فتبدأ الجيوش تدميرها - ومع أننا جميعا منها ومع أننا جميعا ندرك أن أحد الناس سيضغط الزر عاجلا أو آجلا - فإننا لا نتحرك - بل نقف ونحملق لا نقوي إلا علي أن ننتظر الموت . ٠٠٠
نعم - هي الاكة الحديثة تسيطر علي حياة الإنسان مع أنها من صنعه ، لا نستطيع أن نصم الأذن عن صوتها الذي يشتبهه الشاعر ( مايكل روبرتس ) بالعويل ، يلاحقنا حيث كنا يقتلنا دون أن نقوي على دفعه عنا ، فلنستمع إليه كيف يصور تحكم الآلة في حياة الإنسان إذ يقول في مقطوعة له :
لو كانت هذه صرخة طير أو عويل صبيه تنتحب لو كانت أنة ألم حاد أو شهقة نفس تقضي . ولكنها تنبح وليس في نباحها رنة للحب أو للألم تتبعك وتناديك في أهدأ الأماكن وأبعدها
يعلو صوتها على صوت المريض نفسه وهو يتلوي ألما
وهي ليست صرخة الحدأة
ولا بكاء الوليد المتألم
ولا نداء الموت في الغاب
ولكنها قعقعة الآلة تدوي
فيخفت إلي جانبها هدير الشلال
هي صرخة وليدنا وصنع أيدينا
تصم الأذن وتقتل الحس منا
ومع ذلك فماذا
نستطيع أن نفعل ؟
إننا لا نقوي حتي
على صم الأذن عن
عويلها
لحظة واحدة
وبينما تتمثل الجبرية لبعض الشعراء في آلية الحياة الحديثة فهي جزء لا ينفصل عنها - كما أسلفت - يجدها البعض الآخر في الإنسان ذاته ، فهو قد صيغ بحيث لا يستطيع أن يتحكم في نفسه ، لا لأن هناك قوي خارجية تؤثر فيه ، بل لأن الجبرية كامنة في نفسه فهي جزء منه لا ينفصل عنه ؛ والسبب في نشوه هذا الاعتقاد يرجع إلى انتشار مذهبين من مذاهب علم النفس ، أولهما يقول بأن الإنسان ينقسم إلى قسمين : العقل الواعي وهو ما نفكر به وفيه الإرادة ، والقسم الثاني هو العقل الباطن وهو ما يظهر لنا في الأحلام ، به قوي خفية مورونة وغريزية تؤثر في حياة الفرد دون أن يكون له حكم عليها أو معرفة بها ! والصراع بين العقلين الواعي والباطن هو الذي يسيطر في الواقع على حياة الإنسان ويسيرها رغم رقابة العقل الواعي له - أي رغم إرادة الإنسان نفسه - وعلي ذلك فالإنسان مجبر لا مخير وعنصر الجبر كامن في نفسه . أما المذهب النفساني الثاني الذي يدعو إلى نفس الدعوة بأن الإنسان مسير بطبيعة تكوينه ، فهو مذهب السلوكيين الذين يقولون بأن أفعال الفرد وعواطفه ليست في الواقع إلا أفعالا انعكاسية ، كما يسيل لعاب الكلب الجائع لمنظر الطعام لا دخل للإرادة أو للعاطفة في ذلك ، فلا وجود للروح أو للإرادة في الإنسان ، وليست حياته
في مجموعها إلا حلقات من الأفعال الانعكاسية يستجيب فيها الجسد لمطالب الغريزة والبيئة استجابة آلية محضة ، فكيف يمكن للإنسان وهذا تكوينه أن تكون له إرادة ما ، والجسد هو صاحب الأمر الأول والأخير في كل شئ .
هذه هي مأساة الوجود عند كثيرين من الشعراء والكتاب الحديثين ، وعلى رأسهم ( ألدس هكسلي ) الذي يرى أن روح الإنسان إنما هي عرض من أعراض الجسد لا حكم له عليها ولا إرادة ؟ في حين يري البعض الآخر أن وجود قوي خفية في داخل الإنسان تسيره وتتحكم فيه رغم عقله وإرادته ، وهي التي يسمها العلم العقل الباطن - هو الآخر ماساة ؟ فنحن لا نستطيع الهرب من هذه القوي الكامنة في النفس المسيطرة عليها ، وأكثر من هذا أننا لا نستطيع أن نعرفها وإن كنا نطلق عليها اسم النفس ، وكلما أمعنا النظر فيها بغية أن نعرفها ازداد بأسنا ولم نجن في النهاية إلا الإخفاق ، هكذا يصور الشاعري المعاصر ( لوي ما كينس ) النفس وعنصر الجبرية الكامن بها في قصيدة بعنوان ( الساحرة ) يقول فيها :
مظهرها كالزجاج أو الماء الراكد
ولكنه يثلج القلب حيث سرنا
أقوي اثرا من مظهر الجسد أو الشعر العاري .
آه من ذلك اليأس الذي يولده بريقها الخلاب .
هي النفس تحيط بنا وتسيرنا .
نطيل النظر في ذلك الجمال المجدب
الذي هو صورة القلب نفسه وفكره
فاء من المدهش الذي يستحوذ علينا -
تهرب بعيدا إلي حيث الوحش في الغاب
ولكن الفكر لا يتوقف لحظة واحدة -
في الحقول الشاسعة أو على الشواطئ المقفرة
يعلو صوتها ويرتفع على صوت الطير أو الموج
ويبحث عنا وبالطبع يجدنا
بالطبع - لأنه ليس إلا صدانا .
تشجع إذا يا صاحبي وانظر في مرآتك
واعلم أن هذا الخيال الذي لا يمكن أن تلمسه
ليس إلا خيال معشوقتك - ليس إلا أنت
***
وما دامت إرادة الإنسان مسلوبة أمام قوي النفس الداخلية التى لا يمكنه التغلب عليها فإن احساسه بعجزه أمامها لابد وان يكون شديدا يصاحبه شعور قوي باليأس وبتفاهة شأنه ، فهو يرتكب نفس الخطأ أكثر من مرة ويعرف أنه خطأ ، ولكنه مع ذلك لا يستطيع أن يصد نفسه عن ارتكابه ، لأن عقله الواعي لارادة له على نفسه الداخلية وهي التي تسيره أولا وأخيرا - مرارة هذا العجز أمام قوي النفس الكامنة قاسية أليمة يصورها الشاعر المعاصر ( أودن) في قصيدة طويلة يخاطب فيها صديقته بائسا ويقول :
لا-يا حبيبتي - لا داعي للصراخ
أو الغضب أو البكاء
لا - ولا أريد حبك أو قبلاتك أيضا
جهزي لي الشاي - وأعطيني شيئا
أندثر به ...
وها أنا وها أنت
ولكن أي معني في هذا
وماذا نستطيع أن نفعل -
***
منذ وقت طويل قلت لأمي
إنني سأذهب أبحث عن بيت
خير من بيتها -
وقد كتبت ولكني لم أجب خطابها
ولم أجد أيضا بيتا
أفضل من بيتها
وها أنا وها أنت
ولكن أي معني في هذا
وماذا نستطيع أن نفعل
***
لا - لست بحاجة إلى العربة
ضعيها في أي مكان
فإذا تعبت الحياة كان
السفر إلى ويلز أو غيرها
عبثا لا معنى له -
وها أنا وها أنت -
ولكن أي معني في هذا -
وماذا نستطيع أن نفعل .
***
في عروقي أحس رغبة
وفي رأسي ذكري
وعندما استلقي علي الأرض
وأبكي تصيح بي نفسي :
( لقد فعلت هذا مرارا من قبل )
وها أنا وها أنت
ولكن أي معني في هذا
وماذا نستطيع أن تفعل
***
كنت أعرف طيراً أعتاد أن يزور
هذا الشاطئ
ولكني أعلم أنه لن يأتي بعد الآن -
وأعلم أني قد سافرت كل
هذه المسافة
لأثبت لنفسي أن لا أرض هنا
ولا ماء ولا حب
وها أنا وها أنت
ولكن أي معني في هذا
وماذا نستطيع أن نفعل
رأينا إلى الآن أن إرادة الإنسان مقيدة ، لأن الجبرية جزء داخلي من حياته - فهي إما عنصر من عناصر الحياة الآلية الحديثة كما يري الفريق الأول - أو أنها في ذات الإنسان نفسه وتكوينه كما يرى الفريق الثاني ؛ ولكن هناك فريق ثالث من الكتاب يري أن الإنسان مجبر لا غير لأن هناك قوة خارجة عن كنهه تتحكم فيه وتسيطر على حياته ، فهو مهما سعى أو كافح لا يستطيع أن يتخلص من هذه القوة - أو في قول آخر - من قضائه وقدره وما كتب له ؛ وهذا الاعتقاد بوجود قوى خارجية مسيطرة على حياة البشر تعبث بها ، أتى كنتيجة للحرب وغيرها من آلام المدنية الصناعية الحديثة ، وخاصة بعد أن فقد الفرد إيمانه بالله أولا
ثم بالآلة ثانيا ، فهو يريد أن يستمتع بيومه فقط لأنه لا يدري ما قد يأتي به الغد - وهو يعلم أن لا سلطان له على الغد لأنه مسلوب الإرادة أمام هذه القوي الخارجية - وهو لذلك متشكك لا يؤمن إلا باللحظة القائمة فحسب ، كما يخاطب الشاعر ( أودن) حبيبته في إحدي قصائده فيقول :
دع اليقين والوفاء
يمضي ويتلاشى
كذبذبات ناقوس يدق
ودع العلماء والمجانين
يصيحون صيحاتهم السقيعة المضجرة
فكل درهم من الثمن
وكل ما ينبىء به الورق
من أيام مقبلة أخشاها
كل هذا سيؤدي في أوانه
ولكن هذه الليلة يجب أن تكون كاملة
فلا تضيع فيها همسة أو فكرة
أو قبلة أو نظرة
ضعى رأسك النائم يا حبيبتي
فوق ذراعي
ودعي الزمن وحمي العيش
تبلى الجمال وتذيبه
ودعي القبر يثبت أن
الإنسان عرض زائل
من أعراض الحياة -
ولكن بين ذراعي إلى مطلع الفجر
نامى يا حبيبتي -
فانية كباقي البشر - مذنبة
ولكن بالنسبة إلي كل
ما هو جميل
والجمال كله .
***
والإيمان بوجود القوي التي تسير الإنسان كيفما تشاء لا يؤدي إلى التشكك والرغبة في الاستمتاع باللحظة الراهنة فحسب ، بل وإلى اليأس والجزع الشديد من وجود قضاء
أعمى لا نعرفه - صامت رهيب يحيط ويلتف بالحياة فتجزع منه النفس ولا تعرف أين نلجأ - ويعبر عن هذا الجزع الشاعر ( جيمس ستيفنس) في قصيدة يقول فيها :
استمع دائما في الظلام لجلبة وضوضاء
هي ضوضاء الكون وجلبة العمي
ضوضاء الكون وجلبة العمي
تخيفني
فأنصلب في مكاني كالشجرة
إنها تخيفني
تصلبني في مكاني كالشجرة
هذه الضوضاء
لأنها أعلى وأشد من
قصف الرعد
ولأنها عمياء
ولأن صوتها أعلي
من قصف الرعد
فإن هذه القوة الخفية
تخيف نفسى وتمزق قلبي .
***
ويعبر عن الشعور بالعجز أمام هذه القوى والخوف منها شاعر آخر هو ( الفريد ادوارد هاوسمان ) يرى أن الإنسان لو فكر في كيانه وما هو عليه لملأ الجزع فؤاده ، إذ يقول في مقطوعة قصيرة له :
أيمكن أن يظل الإنسان نشوان ثملاً
إلي الأبد ؟؟
بالخمر والهوي والحرب
جذلا إذا ما صحا في الصباح
آمنا إذا ما رقد في المساء !
لا . فالإنسان يصحو أحيانا
ويفكر أحيانا
وإذا تفكر الإنسان
فماذا يستطيع أن يفعل
إلا أن يمسك قلبه بيديه
وجلا وجزعا .

