الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 638الرجوع إلى "الثقافة"

الاتجاهات الحديثة للأدب الانجليزى :, مقومات الشعر الانجليزى الحديث

Share

-٣-

حياة المادة التي جلبتها الآلة قد قتلت في الإنسان إحساسه بكيانه وفرديته . فأصبح ( عجلة فى آلة - شيئا ذا وجه واحد ) كما يقول الشاعر العاصر (لوي ماكينس) في قصيدة له بعنوان (صلاة من لم يولد بعد)  وهي شكوي حارة من الحياة العصرية ، يصور الشاعر فيها كيف استحال الإنسان في عصر الآلة إلى شيء مسلوب الإرادة مشتت الكيان ، قد تجسدت آدميته فأصبح كالصخر وتحللت شخصيته فأضحى كالماء يسكب بين الراحتين ، إذ يقول :

ثم أولد بعد - فاستمع إلي

لا تدع الخفاش أو الفار أو الفاقم

أو الغول يدنو مني

لم أولد بعد - فواسنى وطمئنى

فإني أخاف الجنس البشري - وأخشى

أن يحيطنى بحوائط عالية

وبمخدرات قوية يخدرني - وبأكاذيب محكمة يضللني

وفوق الباسطات يصلبني ، وفي بحور من الدم يغسلني .

ثم أولد بعد - فزودني

بالماء يرويني وبالعشب ينمو لي

وبالشجر يكلمني

وبالسماء تغني لي .

وبالطيور

وبنور

أبيض اللون في رأسي

يقودني ويهديني .

لم أولد بعد - فاغتفر لي

الذنوب التي سيرتكبها العالم في

وكلماتي عند ما تحدث عني

وأفكاري عند ما تتم على

وخيانتي التي سيرتكبها خونة لا أعرفهم

وحياتي التي سيقتلونها بيدي - وموتي

عندما يجعلونني أحيا كما يرغبون .

لم أولد بعد - قدرينى

على الأدوار التي يجب أن ألعبها والأقوال التي أقولها

عندما ينصحني الشيوخ ويتحكم الموظفون في

وتكثر الجبال في وجهي ويضحك المحبون مني

وتدعوني الأمواج البيضاء للدعابة ، والصحراء الساخرة

لفنائى

وعندما يرفض السائل عطيتي - وعندما يلعنني

أبنائي .

لم أولد بعد - فاستمع إلى

لا تدع الرجل الوحشي أو المنألته

يدنو منى

ثم أولد بعد - فاملأني

بالقوة ضد من سيحاولون تجميد آدميتي

وإحالتي إلى إنسان ميكانيكي

إلي عجلة في آلة - إلي شئ

ذي وجه واحد - إلي جماد

وضد كل من سيحاولون تشتيت كياني

فيبعثون بى كما تعبث الريح بالزغب

تنقله في طيش من مكان إلي مكان

أو يسكبوني

كما يسكب الماء فيما بين الراحتين

لا - لا تدعهم إلي صخر يحيلوني

أو كالمياه يريقوني

وإلا فاقتلنى

وفي الوقت الذى نري فيه الشاعر ( ماكينس ) يستعطف العالم على لسان جنين يرجو الرحمة بإنسانيته وكيانه الفردي ضد حياة الآلة ، نجد شاعرا آخر هو ( توماس ستون إليوت ) وهو بلا منازع أول شعراء العصر الحديث لا في انجلترا وحدها ، بل في العالم الأوربي كله . يصور الإنسان المصري كألعوية متحركة . قد ملئ منه الرأس بالهشيم ، فهو تائه في دنيا خربة لا يعرف له وجهة . لأنه قد فقد معنى الحياة بعد أن صار آله ية مجردة عن الحساسية ، فعشى بصره واستحالت حياته إلى مجموعة من الأصنام الصخرية التي يتعبدها ويعيش في ظلها - كما يقول في قصيدته المشهورة (الرجال الجوف ) التي نقتبس منها الأبيات التالية

نحن الرجال الجوف

حشينا حشوا

يتساند بعضنا على البعض

وقد ملئت منا الرؤوس بالهشيم

فواحسرتاه لأصواتنا الجافة

عندما تتهامس

فهي هادئة لا معنى لها

كحفيف الريح على الزجاج

أو كوقع أقدم الجرذان

على الزجاج المنكسر

في حجرة بالية مهجورة

مظهر ولا شكل

ظل ولا لون

قوة مشلولة

الحركة ولا سير

هذه هي الأرض الميتة

هذه هي أرض الأشواك الذابلة

هنا تقام الصور من الأحجار

وهنا تمتد لها

يد الميت المتضرعة

تحت بريق النجم الحابي

نعم - هذه هي الدنيا

في عالم الموت الآخر

فعندما تصحو في وحشتنا

وفي الساعة التي تهتز فيها حنانا وشوقا

لا تستطيع شفاهنا

وهي ترغب في القبل

إلا أن تصوغ الصلوات للحجر المنكسر

لا وجود للعبون ها

لا - لا عيون هنا

في هذا الوادي الملىء بالنجوم الحابية

في هذا الوادي الأجوف

في هذا الفك المكسر لأرضنا الضائعة

وفي هذا الملتقي الأخير

نتحسس الطريق معا

نتحاشى الكلام

متجمعين على هذه الضفة للنهر الثأثر

لا نبصر - لا أمل فينا ولا رجاء .

قوة مشلولة

حركة ولا سير ،

لقد أجدبت الحياة في نظر الشاعر ( إليوت ) بعد أن أحالتها الآلة إلى فقر تقطعت فيه أوصال العيش - عالم من الظلال والأشباح يخيم عليه الخوف والكآبة - كل كائن فيه لا يعدو أن يكون ظلا لغيره من الكائنات ، لأنه قد أضاع شخصيته وفقد ما كان يصل بينه وبين الحياة ، فالنبع قد نضب لان الحياة قد استحالت إلي آلة - إلى جماد فلم تعد تزهر أو تثمر - وهكذا أصبحت حياة الانسان العصري كما يقول ( إليوت ) في قصيدته المعروفة ( بالأرض الخراب ) :

اين هي البذور المتأصلة

أو الغصون المتفرعة

في هذا الصخر المتهالك

بني الإنسان ؟

لا تستطيع الإجابة لأنك لا تعرف

إلا كومة من الصور المنكسرة

تتحرق بأشعة الشمس

يوما بعد يوم - حيث الشجرة الميته

لا تستطيع أن تمنحك الظل

أو الصخر الجاف لا يستطيع

أن يزودك بالماء .

ولكن هناك شئ من الظل

تحت هذا الصخر الأحمر -

تعال حيث ظل الصخر الأحمر

اريك شيئا يختلف عن

ظلك في الصباح يسير خلفك

أو ظلك في المساء ينهض للقباك

سأريك الخوف في حفنة من التراب .

لاعناء هنا . بل الصخر فقط

الصخر ولا ماء والطريق الرملى

الطريق المتعرج فوق الجبال

التي هي جبال من الصخر بلا ماء

لو كان هنا ماء لتوقفنا وشربنا

ولكن بين الصخور لا يستطيع المرء أن

يقف ليشرب

والعرق جاف والأقدام تغوص في الرمل

لو كان هناك ماء بين الصخور

ولكن لا - بل لا يستطيع المرء أن يقف أو يرقد

أو يجلس

بل لا وجود للسكينة بين الجبال

ولكن رعد عاقر لا يلد مطرا

بل لا وجود للعزلة بين الجبال .

ولكن وجوه حمراء قاسية

تظهر وتختفي خلف أبواب

بيوت الطين المتشققة . .

لو كان هناك ماء

ولا صخر

أو لو كان هناك صخر

ولكن معه أيضا ماء

ماء -

نبع -

غدير بين الصخر

أو حتى صوت الماء فقط

صوت الماء فوق الصخر

حيث يغني الطير على الشجر

يتساقط قطرة بعد قطرة

قطرة - قطرة - قطرة ...

ولكن لا - لا ماء هنا .

وتشيبه الحياه بعد أن جمدتها الآلة وجردتها من الروح - تشبيهها بالصخر كما أحسب القارئ قد لحظ من بعض الأشعار التي استشهدت بها للآن ، وهو من التشبيهات الشائعة ، لا في شعر إليوت فحسب ، بل في شعر كثيرين غيره من المعاصرين ، وهذا أمر له دلالته . لأن شيوعه بين الشعراء لم يات عن طريق المصادفة ، وإنما جاء صدى لاحساسهم بإجداب الحياة الحديثة في ظل الآلة التي أحالتها إلى جمود لا روح به، ولكن فيه صلابة وقسوة تؤدي بالتدريج إلى إماتة الحس في الإنسان . خذ مثلا للشاعري ( وليم ترتر ) يصور تحلل الروح البشرية على صخر الحياة الحديثة المقفر يسقط فوقه الحس فيبلي كما يبلي الحجر بفعل الماء ، إذ يقول في قصيدة قصيرة بعنوان (كما يتآكل الصخر ) :

كالصخر تتآكل روح الإنسان

تتآكل وتتفت مع الزمن .

الحس يسقط على سطح بال

جرس بعد جرس

كقطرات الندى تتعتم

أو قطرات المطر ترسم

أو الريح تهب وتصفر

في كل طريق أو منعرج .

ناعمة - كالأحجار - قاتمة

بالية بفعل الماء .

أبلاها الليل وأبلاها النهار

وحيدة مهجورة

كالصخر تتآكل روح الإنسان

تتآكل وتتفتت مع الزمن

دون أن يسمع لتاكلها صوت

أعلي من صوت المطر

يتساقط على النهر

جرس بعد جرس .

تذيل وتنطوي كما

يذبل الزهر .

( للبحث بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية