الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 639 الرجوع إلى "الثقافة"

الاتجاهات الحديثة للأدب الانجليزي :, مقومات الشعر الانجليزى الحديث

Share

-٤-

العودة إلى حياة الروح :

كان من الطبيعي أن يحاول الشعراء إيجاد مخرج من هذه الآلية التي اصطبغت بها الحياة الحديثة ، ولما كانت حياة الآلة لا تعدو في الواقع أن تكون حياة اللذة ، نري الشعراء الأنجليز في العصر الحديث يدعون إلي حياة الروح ، إلى العودة إلى الإيمان الذي فقدته أوربا الحديثة بعد أن اتضح أن الآلة أو المادة لم تجلب إلا الجمود والشقاء ، وبعد أن كانت الآلة إلها بقدسه عصر بأكمله من الناس والكتاب ، ويعرضون في هذا الدين الجديد عن الحياة الروحية ، نجدهم الآن يعودون إلى حياة الروح ، كأنها المخرج الوحيد من حياة القادة ، لذلك نري جنبا إلى جنب مع الثورة على حياة الآلة ، نزوعا قويا إلى الدين يبلغ أحيانا حد التصوف ؛ فيسعي الشاعر إلى إيجاد قيم روحية للحياة أو بعث القيم الروحية القديمة التي تنطوي عليها الأديان . وقد نجد النزعتين معا في وقت واحد في قصيدة واحدة كما في قصيدة الشاعر (توماس ستيرن إليوت) المسماة : (الرجال الجوف) ، إذ بعد أن يعرض فيها لفقر الحياة الحديثة وجدبها وآليتها ، يختتم قصيدته بصلاة للخالق يقول فيها :

بين الفكرة والحقيقة

وبين العزم والفعل

يقوم الظل -

لأن الملك يا إلهي ملكك -

وبين التصميم والخلق

وبين العاطفة - في القلب

وصداها في القلب الآخر

يقوم الظل

لأن الحياة طويلة للغاية

وبين الرغبة وبلوغها

وبين القدرة والخلق

وبين الروح والجسم

يقوم الظل

لأن الملك يا إلهي ملكك .

والالتجاء ، إلى الخالق بين شعراء هذا العصر أمر شائع مألوف ، إذ يرون فيه إذكاء للحس وقوة للروح ، تساعدها في عراكها مع المادة وتعينها في التغلب عليها ، وكثيرا ما يذكر الشاعر الله وما يدين له به شاكرا ممتنا ، كما يفعل الشاعري المعاصر لوي ما كبنس في قصيدته قصيرة جنوان ؛ ( الدائن )

إذ يقول :

الهدوء الذي يأتي مع نسمات الصيف الرقيقة

لن ينسيني ديني نحو الله

لأن أري اصبعه في كل ما حولي .

قد يتبلد الحس مني حينا بالسكينة

وحينا بالجلبة وأحيانا بالأحلام

وأحيانا بالأوهام -

حتى يبتعد الله عني ويغلق الباب .

ولكي الآن أجلس إلى جانب النار

في وهجها الدافي المسترسل -

فاء ما أجمل الإحساس بالسلام والسكينة

ولكن حتى هذا لا يمكن أن ينسيني

ما أدين به لله

لأن روحه تنتشر في كل ما أراء -

فوقي وتحتي وجانبي وفي كل مكان

اليوم وأمس وغدا وفي كل زمان

وبقوي هذه الرغبة أو النزعة الدينية إدراك الكتاب للحقيقة القائمة ، وهي أن المدنية الصناعية الحديثة رغم ما جلبت من خير مادي للإنسان ومعرفة وعلم . فهي قد أبعدت بينه وبين كنه الحياة ، وأبهمت معناها ، وطمست إدراكه الروحي ، فخلقته أشقى مما كان قبل مجيئها ، فهي لم تزد حكمته ولم توسع مدى إنسانيته . بل شغلته عن نفسه ؛ فأضاع الحياة في العيش ، وأضاع العلم في كل ما جمع من شتي المعارف ، واتسعت الثقة بيه وبين الخالق ، كما يقول الشاعر (نوماس ستيرن إليوت) في قصيدة نقتبس منها الآيات التالية :

النسر يخلق في أجواز الفضاء

والصياد مع كلابه يتبع فريسته

آه لحركة النجوم التي لا تقف

آه لتتابع الفصول الذي لا يخطئ

وآه لدنيا الربيع والخريف

والميلاد والممات

مجلة الفكرة والفعل

مبتكرات لا حد لها وتجارب تلو تجارب

وكل هذا يجلو لنا العلم بالحركة ولكن لا بالسكون

والعلم بالكلام ولكن لا بالصمت

والعلم بالكلمات ولكن الجهل بالكلمة المقدسة .

كل علمنا يقربنا من جهلنا

وكل جهلنا يقربنا من الموت

من الموت يقربنا لا من الله

فأين الحياة التي فقدناها في معيشتنا

واين الحكمة التي فقدناها في علمنا

واين العلم الذي فقدناه في معرفتنا ؟

عشرون قرنا من الحركة الدائمة

تبعدنا عن الله وتقربنا من التراب .

وفي أغلب الأحيان نجد هذه النزعة الدينية تتخذ شكلا رمزيا قريب الشبه بالتصوف فلا يذكر اسم الخالق . ولكن يوحى به . ويعبر الشاعر أو الكاتب عن رغبته في الاتصال الروحي بغيره من الكائنات ، أو بالكائن الأعظم . وعن فرحته وانتشائه لهذه الصلة الروحية التى تربط بينه وبين

الكون ، وهي فرحة صوفية كتلك التي تحسها في القصيدة التالية للشاعر (دافيد هربرت لورنس) بعنوان (أغنية الرجل الذي أدرك المعني ( وفيها بصور غبطة قوية استولت على نفسه وأضفت على فؤاده . فهو يريد أن يستسلم لها ، بل وأن يهب لها نفسه ، لأنها ستصل بينه وبين الكائن الأعظم ؛ فيقول :

لا - لست أنا . بل هي الريح التي تهب داخلي

الريح الرقيقة التي توجه الزمان توجيها جديدا .

لو كنت فقط أدعها تحملني وتنقلني -

لو كانت تستطيع أن تنقلني -

وأجمل من كل هذا . وكنت أستسلم وأدعها تستعيرني -

أدع الريح الرقيقة الجميلة تستعيرني وتأخذني معها في تجوالها -

خلال عالم الفوضى هذا .

لو كنت فقط حادا - صلبا - ولو حملتني الريح

إذا لا نشق الصخر ولحدثت المعجزة .

آه ، للجمال الذي ينطوي عليه صدري ولكنه نفسى

أود لو أكون نبعا صافيا - منهلا وقرافا

لا يسمع له صوت أو همس .

ما هذا الدق ؟

ما هذا الدق على الباب في الليل ؟

من يريد بنا سوءا ؟

لا .لا . إنهم الملائكة الثلاثة

افتح الباب ياصاحبي - افتح الباب .

على أن النزعة الحديثة إلي العودة لحياة الروح قد اتخذت خلاف المظهرين الذين أشرت إليهما ، وهما الرجوع إلي الدين والتصوف ، مظهرا ثالثا ، وهو الإشادة صراحة بقيمة الروح . وإعلان وجودها والإيمان بهذا الوجود ايمانا لا يقبل الشك كما يتبين في القصيدة التالية للشاعر (جورج وليام رسل) وعنوانها (الخلود) ، يؤكد الشاعر وجود الروح وأننا لن تنال الخلود إلا إذا اكتوينا بنيرانها ، فيقول :

يجب أن تتلاشي كالدخان أو تعيش في نار الروح

لأننا لا نستطيع اكثر مما يستطيع الدخان العودة

إلى اللهب - أن تبقي

إذا تحولت أفكارنا إلى أحلام وإرادتنا إلى شهوة

بل تتلاشي كالدخان رغم أن النار قد تسترسل في الاحتراق .

أضواء جمة عديدة تتألق في سماء حياتنا

بينها الروح بكل تأكيد ومنها تستمد الخلود .

وفي نار الروح نحيا - وإلا فإننا نسلك

سبلا مختلفة - عديدة - طويلة أو قصيرة

ولكنها جميعا تؤدي إلي الفناء .

ولكن كيف تحتفظ بحياة الروح - أو كيف تتلف روح الإنسان إذا ما دامت قد خلقت معه وما دام كيانها لاشك فيه ؟ القصيدة التالية للشاعر (توماس ستيرن إليوت) تشرح لنا ما يصيب الروح من تلف في أنظمة الحياة الآلية الحديثة وكيف أن الإنسان يقتلها بيده : -

من يد الخالق تنطلق الروح في بساطتها

إلى عالم كله حركة وأضواء متغيرة .

فمن لون باهت إلي قائم - ومن جاف

إلى رطب ، ومن بارد إلى دافي -

تتحرك بين المقاعد والمناضد

تقف لحظة وتسقط أخرى -

تحتضن الدمي أو تقدم وجهها للتقبيل

تتقدم في جرأة - وتحس الخطر في سرعة

فتراجع إلى حيث الذراع الممدودة أو اليد المنبسطة

بها رغبة إلى الاطمئنان -

هاشة - جذلة لمرأي شجرة عبد البلاد البراقة

تفرح بالريح - وبالشمس وبالبحر

تتأمل ما ترسمه أشعة الشمس على الأرض من صور

تخلط ما بين الحقيقة والخيال .

يسرها أن تلعب الورق وتمثل نفسها ملكا أو ملكة

وأن نستمع لما صنع الجن والحواري ولما يروي الخدم

ولكنها تنمو - ومع نموها يثقل العبء الذي

تجمعه - ويبدأ يضايقها ويحيرها

يوما بعد يوم

وأسبوعا بعد أسبوع

يضايقها ويحيرها

ما تتلقي من أوامر

وأن هذا لازم وذلك جائز

وما ترغب فيه وما يجب أن تمتنع عنه

وهكذا مع ألم العيش ومخدر الأحلام

تتضاءل الروح في مقعدها

إلي جانب النافذة - خلف دائرة المعارف البريطانية

وهكذا تخرج الروح من يد الزمن

مضطرية - أنانية - مشوهة - عرجاء

لا تستطيع السير قدما أو الرجوع إلى حيث كانت -

تخشى الحقيقة الدافئة والخير المنبسط

تنكر الحياة -

ظلا لنفسها - وشبحا من أشباح

الظلام الذي يخيم عليها

غير مخلقة وراءها إذا ذهبت

سوى بضع أوراق مبعثرة في حجرة متربة

ولكن رغم تلف الروح وإمكان اختفائها فإن الشعر الحديث لا يؤمن بموتها ؛ فهي حية رغم أننا قد نقتلها بما نكبلها من اغلال وتحيط بها من قيود مادية تعمل على إضعافها ، ولكن نارها لا تخبو وكيانها لا ينطمس ، كما يتغني الشاعر (وليم جمز ترنر) في قصيدة قصيرة بعنوان (فكرة) يقول فيها :

أليس غريبا أن يموت الرجال

قبل أن تموت أجسامهم ؟

وأن تختفي أرواح النساء من عيونهن

غريب - ولكنه الواقع -

اين ذهبت - وماذا كانت

تلك الومضات التي صبغت من نور

أدق وأرق من ذلك الذي

يتراءي خلف الجسد الشفاف الناعم

أو العيون البراقة

إنها النار التي لا تموت

مهما أبعدت

فكيانها لا ينطمس

لأنها تعكس بريقها

كما تفعل الشمس على

القمر الميت البارد

( للبحث بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية