الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 633 الرجوع إلى "الثقافة"

الاتجاهات الحديثة للأدب الانجليزي, مقومات الشعر الانجليزى الحديث

Share

-١-

من الحقائق المعروفة أن الأدب الإنجليزي في القرن العشرين أغنى بالشعراء المبدعين منه في أى فترة سابقة في تاريخه منذ أوائل القرن السابع عشر ، على أن الكثيرين من الناس يعرضون عن قراءة الشعر الحديث والاقبال عليه متعللين في ذلك بأمرين : غموضه وبعده عن روح الشعر ؟ لذلك يجدر بنا قيل أن نتعرض لمميزات الشعر الحديث ان تحاول شرح الأسباب التي يبدو هذا الشعر من أجلها غامضا أو غير شاعري في مجموعه .

فالعموض الذي يراء الكثيرون من الشعراء في الشعر الحديث يرجع إلى صعوبته ، ولكن الصعوبة قد تفني في الأثر المفني قدرا كبيرا من الجد أو من الجمال ، ولذلك فنحن قد نفقد الشئ الكثير لو سمحنا لأنفسنا بالانحراف عنه نتيجة لصعوبته ، والقصيدة التي تبدو غامضة في أول الأمر قد تثبت لنا - بعد أن توالى محاولة فهمها - مليئة بكنوز تصبح ملكا لنا طوال الحياة بمجرد أن ندركها ؛ ومن الوسائل الشائعة الآن بين الشعراء والنقاد على حد سواء للتغلب على ما قد يبدو لبعض الشعراء من صعوبة في الشعر الحديث التوصية بقراءته بصوت مرتفع ، بهذا أوصى كبار الشعراء أمثال Lenard manley hopkins و W.B . keats و T.S ElioT ولكن حتي أصحاب المدرسة المعارضة الذين يعتقدون أن بعض معاني الشعر قد تضيع بين أنقاضه ، حتى هؤلاء يرون أن القصيدة الصعبة عند ما تقرأ بصوت مرتفع تنكشف عن وحدة متصلة متناصقة بعد أن كانت تبدو كمجموعة من الألفاظ والعبارات المتراصة التي لاصلة بينها ؛ بهذا تقول الشاعرة المعاصرة ، Laura ridign وهي التي تعارض دائما في وجوب قراءة الشعر بصوت مرتفع ، ولكن سواء قرأنا الشعر الحديث بصوت مرتفع أو بغير صوت على الإطلاق ، فإنه من المحقق أن هذه الصعوبة التي قد تبدو لنا في أول الأمر ، ستتلاشي بعد حين عند ما

نعتاد قراءته ، فنحن نعلم أن السرعة التي تقرأ بها كاتبا جديدا علينا تزداد بل قد تتضاعف بعد قراءتنا الحائة صفحة الأولى منه ، إذ نصبح أكثر ألفة به ومعرفة بأسلوبه ، ولست أعني بالأسلوب هنا مجرد طريقته في صياغة عباراته وانتقاء ألفاظه ، بل الشكل أو الـ pattern الذي تنظم فيه أفكاره وألفاظه معا والذي يتكرر ويتكرر حتى يصبح مألوفا لدي القارئ ومميزا للكاتب ، والشعر الحديث يتميز أكثر ما يتميز بطابع أو pattern خاص يختلف عن الطابع الذي اتخذه الشعر في أي عصر مضي ، وقد يبدو هذا امرا مالوفا لأن كل عصر له طابعه الخاص كما نعلم حتى إن بعض الجامعات الإنجليزية وعلى رأسها جامعة إكسفورد تمتحن الطلاب في الشعر بأن تعرض عليهم مقطوعات شعرية لشعراء من عصور مختلفة تحفي أسماءهم وتطلب من الطلبة أن ينسبوا كل مقطوعة إلى عصرها ؛ شعر كل عصر إذا له طابعه الذي يميزه - ولكن شعر العصر الحديث مختلف في طابعه اختلافا بينا قويا عن كل ما سبقه ، كما سنحاول أن نبين فيما بعد ، ولذلك كان من الصعب على القارئ الذي لم يعود نفسه على هذا الشعر تعويدا كافيا أن يتذوقه او يفهمه لأول وهلة ، ولذلك ايضا كان اكثر المعاصرين تحاملا علي الشعر الحديث هم أقلهم دراية به ؛ والواقع أن الشعر الحديث فن لا يكشف عن نفسه إلا لمن تعلم قراءته ، الأمر الذي يتطلب من الجهد والمهارة قدرا لا يقل كثيرا عما تطلبه كتابة هذا الشعر . أذكر انني قصدت مرة إلى بائع كتب شيخ على مقربة من المتحف البريطاني في لندن أبتغي شراء مجموعات من الشعر الحديث فلما عرفته برغبتي ، نظر إلي متفحصا وقال : " لا أحسبك واجدا الكثير مما تبتغي على أرفف مكتبتي ، ولكن عندي من كتب الشعر ما يوازي الواحد منها كل الشعراء المعاصرين معا . قلت باسما : مثل ؟ قال : كينس أو حتى

شلى , قلت : كلاهما عظيم ، ولكني أبتغي شعرا حديثا . قال : " إذا كنت طالبا تدرس فما أحسب هذا الهراء الحديث جديرا بالدراسة ، وإذا كنت تبغي المتعة الفكرية فلن يصيبك إلا صداع الرأس من شعرنا الحديث ، إن هؤلاء الذين يسعون انفس شعراء اليوم لا يدركون ما هو الشعر ، بل ولا يدركون حتى ما يقولون " قلت : مثل قال مرددا : " مثل ماذا تعني " قلت : " أعني مثل من من شعراء اليوم ؟ " فقال ملوحا يده ، " إبه - إنهم جميعا سواء - أتظن أني أكلف نفسي عناء تذكر اسمائهم او حتى قراءة سخافات ما يكتبون ؟ لا بابني - إني شاعر نفسي - وساعة اقضيها مع وردزورت أو كنس لهي أجدى على من كل هؤلاء "

وصاحبي الكتبى الشيخ هذا هو مثال للتجاهل الذي جاء نتيجة لعدم الرغبة في التعرف إلى الشعر الحديث أو الاعتراف به لأن تراث الماضي قد تمكن من نفسه إلى درجة أصحت تعاف معها كل ما هو جديد فتصد عنه لأنها دائما تقبسه لا بمقاييسه الذاتية الخاصة به بل بمقاييس غيره ؟ والواقع أنا لكي نستمتع بقصيدة ما ، يجب أن نكون دائما علي استعداد لأن تتقبلها كما تأتينا بعقول خالصة لا تقيم الحواجز الصناعية في سبيلها ، بل تسلم نفسها إليها ترحب بهذه الذات الجديدة التي ترغب في التعرف إليها ومصاحبتها ، بل وفي الامتزاج بها ؟ ومن أجمل ما أذكر بهذه المناسبة قصيدة للشاعر المعاصر ( تشارلز مادج ) charies madje يتحدث فيها عن الانطلاق الشعوري الذي يحس به القارئ عند ما يقرأ القصيدة فلا يتمشى معها فحسب ، بل وجدو بأقصي سرعته فيلحق بها هنا وهناك ، وفي كل مكان يبدأ هو به معها ويقف حيث تقف وينطلق حيث تنطلق لا يفصل عنها لحظة فهو دائم الحركة لأنها هي أيضا دائمة الحركة ، وهو ذلك يجعلها تصبح جزءا من ذاته إن أراد .

أما عن تعلل بعض القراء إفهم عن الشعر الحديث بأنه بعيد عن روح الشعر في مجموعه . فهذا يرجع إلى أن موضوع الشعر قد انمحي في العصر الحديث - فكل ما في الحياة يصلح مادة للشعر - المقهي في ساعة الغداء . وامرأة يراها الشاعر في محط الترام . وحجرته التي يقطنها في الطابق الخامس أو السادس في عمارة مزدحمة من عمارات لندن ، وخطاب أناء من صديقي له . ورحلة له فاشلة مع صديقته .

وأمل التنوع المطلق في الموضوعات التي يعالجها الشعر الإنجليزي اليوم هو أكبر مميز لهذا الشعر - فقد تميزت الفترات السابقة في تاريخ الشعر الإنجليزي ، كل منها بصيغه غالية في انتقاء الموضوعات الشاعرية . أما الآن فإن الشاعر يستمتع بحرية مطلقة في اختيار موضوعاته ، وقد جاءت هذه الحرية المطلقة كنتيجة لاتساع الآفاق المادية والروحية اتساعا لم تشهده الحضارة الأوربية من قبل - بعد تقدم العلوم الطبيعة وما أتَ به من مخترعات . وبعد نشأة علم النفس ، وبعد قيام الحربين العالميتين الأخيرتين ، وما سببت كل منهما من اضطراب ذهني بعيد المدي ؟ أضف إلى ذلك عاملا آخر كان له اثره الملحوظ ، وأعني به انهيار الفلسفة المادية التى كان يدين بها القرن التاسع عشر ، وما كانت تقوم عليه هذه الفلسفة من إيمان لا يتزعزع بالتقدم - وهي فلسفة كان من شأنها أن توجه التفكير وجهة واحدة ، وتفرض بذلك شيئا غير قليل من القيود على الخيال - وهي القيود التي لم يستطع حتى الشعراء أنفسهم أن يتخلصوا منها . فانهيار هذه الفلسفة بقيودها قد فتح للمذهن آفاقا جديدة ، وأضفى على الحياة الفكرية حرية لم تعهدها من قبل ، وأطلق خيال الشعراء إطلاقا لم يكن متيسرا على الأقل في إبان القرن التاسع عشر ؟ فتنوعت المواضيع التي يعالجونها تنوعا كبيرا ، حتى أصبحت تشمل كل ما يمكن أن يقال أو يكتب ، أو حتى ما يمر بالذهن مرورا سريعا

وقد اقترن هذا التنوع في مواضيع الشعر بتنوع مماثل في لغته ؛ فتحررت في كثير من الأحيان من الوزن والقافية وانتشر ما يسمونه vers libre أو الشعر الحر - على أن اميز ما تمتاز به لغة الشعر الآن - هو في رأي - الأثر الذي تركته نظريات علم النفس الحديثة فيها ، مثلما تركت في الأسلوب الأدبي خاصة . فالشعر الحديث - كالرواية الحديثة - يهتم بما يسمونه في علم النفس ( اللحظة السيكولوجية ) . فهو ينكر وجود الشخصية ، ويعتبر الحياة سلسلة من اللحظات المنفصلة التى لا يربط بينها شئ - لكل منها ظروفها الخاصة بها ، ولا علاقة بينها إلا كونها قطرات في مجري الشعور ؛ ولما كان الشعر الحديث يحاول في كثير من الأحيان أن يصور هذه اللحظات السيكولوجية التي تتكون منها الحياة ، كانت لفته تبدو مجرد عدة ألفاظ متراصة

البقية فى الصفحة التالية

بعضها إلى جانب البعض ليس بينها صلة واضحة . لأن إحساسات الشاعر نفسه آتية على هذا الشكل ؛ فهو يريد أن يصورها كما تمثلت له .

إذا أضفنا إلى هذا وجود كثير من الألفاظ المتعلقة بالآلة والصناعة وغيرها من مظاهر الحياة الحديثة في لغة الشعر استطعنا أن ندرك شيئا من الأسباب التي تدعو بعض القراء إلى اتهامه بالبعد عن روح الشعر - فالموضوعات قد تنوعت حتى شملت كل شئ - نوع الحم الذي تناوله الشاعر  للعشاء وجوارب المراة التي راها في قطار تحت الارض في  الصباح . واللغة - في تأثرها بآراء علم النفس- تبدو متفككه  بل ممزقة لا روي فيها ولا انتظام- وهي كذلك تستخدم من الألفاظ التي الكثير مما يستعمل في المصنع  أو العمل ، والأمثلة على ذلك كثيرة اكتفي بأن أسوق منها

iron implements magnetic apparatius eranes the shriek of brakes peering Dr. les tungs style needies hypodermic syringes

ليس غريبا إذا ان يتساءل بعض القراء اليوم - وسط كل هذا التنوع - ووسط كل هذا الجديد غير الألوف في

لغة الشعر وموضوعه - أين شعر الطبيعة الذي كان يكتبه ( وردزورث ) اين شعر الحب الذي كان يكتبه شلي ؟ وأبن بيرون وابن كيتس - وأخيرا وأين شعراء اليوم من هؤلاء العباقرة ؟ والواقع أن هذه الرغبة في الموازنة حاطئة - فكل عصر له فنه الذي ينتجه كما تنتج الشجرة ثمرها ، لا يفرض عليه أو يأتيه من الخارج ، بل هو خلق حي عضوى - يأتي من الداخل - تصيرا صارفا عن مجموع التيارات والخبرات العامة التي يتكون منها العصر - ولكن ليس معنى هذا أن الصلة بين الشعر الحديث وما خلفته العصور الماضية من تراث شاعري قد انقطعت ؛ فنحن لا نستطيع أن نقول بهذا أكثر مما نستطيع أن تقول بأنه لا علاقة بين القرن العشرين مثلا وما سبقه من قرون في تاريخ البشرية أو حضارتها - فإنه برغم تنوع موضوعات الشعر الحديث واختلاف الكثير منها عما سبق فإن العواطف الأساسية ، أو على الأصح القوة العاطفية التي تكمن وراء الشعر مازالت تربط بين الجديد والقديم وإن كانت قد اتخذت في أكثر الأحيان مظاهر جديدة مختلفة عما سبق

( للبحث بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية