الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 578الرجوع إلى "الرسالة"

الاتحاد والحلول ووحدة الوجود

Share

كثرت المناقشات حول وحدة الوجود في الأعداد السابقة  من الرسالة الغراء، واتجهت في آخر كلمة للأستاذ الفاضل دريني  خشبة إلى الرغبة في تحديد وجهة الخلاف وبيان مقدار سلامة  أو عيب دعوى الاتحاد والحلول ووحدة الوجود ولست أريد بهذه  الكلمة الرد على الأستاذ دريني أو الأستاذ المفضال زكريا إبراهيم  وإنما أقصد بها عرض هذه القضايا عرضاً موجزاً مع مناقشتها  والرد عليها

فإن فكرة التصوف الأصلية بعيدة كل البعد عن ترهات  الحلول وضلالات الاتحاد وظلمات الوحدة، فقد ظل مذهب  التصوف غير مشوب بها إلى القرن الثالث حيث تمكن واشتد اختلاط المتصوفة بغلاة الشيعة القائلين بدعوى الحلول فنقلها عنهم  متأخرو الصوفية الذين قال بعضهم بأن السالك إذا أمعن وتوغل  وجاهد فعبر (لجة الوصول) وانتهى سلوكه إلى الله وفي الله  واستغرق في بحار التوحيد وكان صادقاً في هذا السلوك؛ فإن الله    (عند أصحاب هذه الدعوى) قد يحل فيه!

هذا وقد ظهر الاتحاد والحلول عند النصارى فقد قالوا  بأن الله تعالى ثلاثة أقانيم هي الوجود والعلم والحياة وهي ما يعبر  عنها (بالأب والابن والروح القدس)  وتفصيل ذلك معلوم كما أن هناك جماعة من غلاة الشيعة، رأوا جواز ظهور الله  في صورة بعض الكاملين من الناس وقدموا بطبيعة الحال  سيدنا علي على سائر الكاملين، كما قدموا أيضاً أولاد سيدنا علي

ولئن فرض علينا التحقيق العلمي دراستها كتراث عقلي  إنه ليفرض علينا أيضاً التأمل في بطلانها والرد عليها وإنا لنقول  بصدد الرد على دعوى الحلول والاتحاد

إن الله واجب والواجب يتنزه عن صفات الحلول وأن الحلول  محال على الله تعالى لأسباب كثيرة؛ ذلك لأن القديم يختلف  عن الحادث لاختلاف الماهية في كل منهما وهذا الاختلاف  يوجب استحالة حلول القديم في الحادث

ثم إن الله واجب الوجود، وهذا الوصف ينفي الحلول، لأنه  في حالة حدوثه يصبح الحال تابعاً لما حل فيه كما يصبح معلولاً  لهذا المحل ومتأثراً به، بل إنه ليصبح في غير الإمكان تصور الحال  إلا بتصور المحل! وإذن ينتفي الحلول في هذه المرة كما استحال  في الأولى

ثم إن الله واجب الوجود، والواجب ليس عرضاً أو ليس  جوهراً. فإذا كان الحلول حلول عرض في جوهر؛ فلا يمكن  بالنسبة لله تعالى لأنه ليس بعرض، وإذا كان حلول جوهر في  جوهر؛ فلا يمكن أيضاً لأن الله تعالى ليس بجوهر

.  . . هذا من ناحية الحلول، أما من ناحية الاتحاد؛ فكما  تنزه الواجب عن الحلول، فهو يتنزه عن الاتحاد، لأنه لو حدث  أن اتحد الواجب يغيره نتج عن ذلك حالتان: إما أن يبقيا  موجودين، وإما أن يدركهما العدم معاً ويخرج منهما ثالث

أو يدرك لعدم أحدهما ويبقى الآخر

ففي بقائهما موجودين: فهما إذاً في هذه الحال اثنان  متباينان متمايزان، وهذا التمايز ينافي الاتحاد، لأن الاتحاد  يستلزم أن يصبحا واحداً

وفي عدمهما معاً يبطل الاتحاد، لأن المعدوم لا يتحد  بمعدوم، وفي حالة عدم أحدهما فقط فإن الاتحاد لم يتحقق أصلاً

أما وحدة الوجود فمذهب أحدثه في الإسلام متأخرو  الصوفية المتكلمون فيما وراء الحس، وخلاصته أن الله تعالى هو  الموجود المطلق وأن غيره لا يتصف بالوجود أصلاً، فلو قيل  إن الإنسان موجود فمعنى ذلك عندهم أن له تعلقاً بالوجود وهو  الله تعالى. وإن جميع العوالم سواء اختلفت أنواعها وتباينت  أجناسها وأشخاصها موجودة من العدم، وإن وجودها هذا  محفوظ عليها بوجود الله تعالى وليس بنفسها لأنها معدومة من  جهة نفسها بعدمها الأصلي، ومن ثم فوجودها الذي هي به موجودة  في كل هو وجود الله تعالى فقط، وإن الوجود الحق هو عين  ذات الحق أي الله تعالى، وهو واحد لا ينقسم ولا يتبعض  ولا يتجزأ ولا يتنقل ولا يتغير ولا يتعدد أصلاً، ثم هو مطلق عن  الكيفيات والكميات والأماكن والأزمان. . .

هذه خلاصة وحدة الوجود، وإننا لا ننكر كون العالم  موجود بقدرة الله وإرادته، ولكن يجب أن نفرق بين وجود الله  وهو وجود أزلي لا بداية له ولا نهاية، ووجود العوالم وهو وجود  حادث له بداية ونهاية

ثم إننا أيضاً نسلم بأن وجود العوالم مسبب عن الله تعالى  ولكن لنا أن نقرر أن هناك فرقاً كبيراً بين السبب والمسبب  والعلة والمعلول

وأغرب ما في الأمر أنهم بعد أن أثبتوا أن وجود الله    (لا ينمو ولا يتبعض ولا يتجزأ) أجاز لهم منطقهم بعد ذلك  توزيع هذا الوجود على أفراد الموجودات، وحلوله فيها حلولاً  أزلياً!!

وبعد: ففي هذا القدر الكفاية، وللأستاذ الفاضل دريني  الشكر على غيرته، وللأخ الكريم الأستاذ زكريا الإعجاب  بحيويته. ألهمنا الله الصواب (الإسكندرية)

اشترك في نشرتنا البريدية