علق أفراد مسئولون فى مصر من الوزراء ورجال الأعمال وقادة الرأى العام فى مصر ، والمؤلفون والصحافيون على سوء توزيع الثروة الزراعية العقارية فى مصر ، معتمدين فى ذلك على الاحصائيات الرسمية المصرية . وهذا ما جاء فى مقال لمسئول كبير وهو نموذج لما قاله الآخرون :
" فان مجموع الملاك الذين يمتلكون أرضا تبدأ من أقل من فدان إلى أكثر من خمسين فدانا لا يتجاوز ١٥ فى المائة من مجموع سكان القطر المصرى ، ومن هؤلاء يملك ١٧١٨٠٠٠ أقل من فدان ، بينما يملك ١٣٠٠٠ أكثر
من خمسين فدانا . وإذا نظرنا إلى تفاصيل توزيع الملكية فى مصر وجدناها أبعد ما تكون عن المساواة ، فان ٩٣ فى المائة من الملاك يملكون ٢٠ فى المائة من الأراضى الزراعية ، بينما ٧ فى المائة يملكون مساحة تصل إلى ٨٠ فى المائة من مجموع الأراضى ، ومنهم ١/٢ فى المائة من السكان يملك مساحة تصل إلى ٣٨ فى المائة من المساحة العامة " .
وقد صارت هذه المعلومات على شكل ما واسعة الانتشار فى مصر ، واستفاد منها ذوو النزعة الاشتراكية فى إثارة الرأى العام لصالح الطبقات الفقيرة فى مصر . والحق يقال أن هناك تباينا كبيرا فى توزيع الثروة العقارية
فى مصر ، ولكن ليس إلى الحد المغالى فيه الذى انساق إليه الكتاب بحسن نية ، مما لا مبرر له مطلقا ، إذ أنه أولا لا يمثل حقيقة الحال تماما ، وثانيا أنه يثير الطبقات فى مصر بتمثيل الحال على شكل أسوأ مما هو عليه
ويرجع السبب فى ذلك إلى عدم اهتمام هؤلاء الكتاب بكيفية جمع هذه الاحصائيات ، وقيمتها وما تحتمله من الاستنتاجات . وقد قيل إن الاحصائيات سيف ذو حدين ، قد يستنتج منها أفراد مختلفون نتائج متباينة إن لم تكن متناقضة ، مع أن الحقيقة لا تتغير .
فمصلحة الاحصاء - كما تأكدنا - جمعت المعلومات الخاصة بتوزيع الثروة العقارية الزراعية من المكلفات والأوراد الموجودة فى مصلحة الأموال المقررة ، واعتبرت كل تكليف واحد عبارة عن فرد واحد ، ولو كان شركة عقارية تملك الآلاف من الأفدنة كشركة كوم امبو مثلا ، أو وقف كبير ، وهكذا . .
وكانت مصلحة الاحصاء دقيقة فذكرت عدد الملاك وقسمتهم إلى فئات حسب ما يملكون من المساحة إلى من يملكون أقل من فدان ، ومن فدان إلى خمسة ، ومن أكثر من خمسة إلى عشرة ، وهكذا إلى من يملكون أكثر من ٢٠٠٠ فدان . وقسمت الملاك إلى مصريين وأجانب وأوقاف ؛ ولكنها - وهذا هو المهم - لم تذكر نسبة الملاك إلى مجموع أفراد الأمة ، وهذا هو الخطأ الذى وقع فيه قادة الرأى العام من الزعماء والاقتصاديين والاجتماعيين وغيرهم . فمصلحة الاحصاء مثلا ذكرت أن مجموع من يملكون أرضا زراعية فى سنة ١٩٤٠ هم ٥٤٦ , ٤٩٦ , ٢ مالكا ، ولكن هؤلاء الكتاب نسبوهم إلى مجموع سكان المملكة المصرية ، فقالوا إن الأرض الزراعية فى مصر يملكها ١٥ فى المائة من السكان . وهذا خطأ فأضح ، لأن هذا معناه أن الفرد الذى يملك مئات الأفدنة أو ألوفها اعتبر مالكا واحدا ، واعتبرت زوجته وأولاده ممن
لا يملكون شيئا ، مع أنهم يتمتعون بما تنتجه الملكية الزراعية أسوة برب العائلة ، وهم سيملكونها مستقبلا طبقا لقانون الوراثة فى مصر ، ومتوسط عدد أفراد العائلة فى مصر ٥ أفراد ، وعلى ذلك يكون المالكون الرسميون فى مصر ١٥ في المائة ، ومن يتمتعون بالملكية يقدرون بـ ٧٥ فى المائة تقريبا من السكان ، وحكمهم فى التمتع بآثار الملكية الزراعية حكم المالك الرسمى ، إذ أنهم يقيمون ويعلمون ويعيشون من مورد مشترك ، ولا يمكن اعتبارهم ممن لا يملكون أطياناً
فإذا ملك ثلاثة أرباع السكان تقريبا جميع الأراضى الزراعية ، فان ذلك يعتبر توزيعا معقولا للثروة الزراعية فى مصر قل أن يماثله الحال فى أى بلد آخر
وإذا وزعنا الأرض الزراعية وقدرها فى سنة ١٩٤٠ ٥,٨٤١,٠١١ فدانا على مجموع السكان المقدر فى سنة ١٩٤٠بـ ١٦,٧٧٦,١٠٠ نسمة لكان ما يصيب الفرد فى المتوسط هو تسعة قراريط تقريبا ، أى ما يزيد قليلا عن ثلث فدان .
وقد تبين أن الملاك الرسميين لمساحة قدرها عشرة أفدنة فأقل سنة ١٩٤٠ ، هم ٢.٤٢٠,٧٧٣ مالكاً رسميا ، وعدد من يتمتعون بهذه الملكيات ، أى أفراد العائلة الأقربون هو ١٢,١٠٨.٨٦٥ أى ثلاثة أرباع السكان
ولما كان هؤلاء يملكون ويتمتعون بآثار ٥١٥ ,٢,٤٦٨ فدانا فيكون نصيب الفرد الواحد فى المتوسط خمسة قراريط تقريبا ، أى ما يقل قليلا عن ربع فدان .
وهذه الإحصائيات تقريبية ، لأن أساسها هو المكلفات والأوراد ، وهذه المكلفات والأوراد بها العيوب الآتية من الوجهة الاحصائية.
أولا - قد توجد أوراد ومكلفات متعددة باسم شخص واحد ، فيدخل فى الإحصاء مكررا بمقدارها ، وذلك للأسباب الآتية :
١ - إذا ملك الفرد أطيانا فى جملة قرى ، ولو كانت متجاورة يكون له تكليف خاص فى كل منها .
٢ - إذا حرف اسم الشخص الواحد فى بعض العقود ، ولو بحذف اسم الجد أو الجد الأعلى ، أو أضيف إليه لقب كشيخ أو أفندى أو بك أو باشا ، صدرت له مكانة مستقلة ولو فى نفس القرية ، ما لم يطلب هو ويثبت أن هذه الأسماء على اختلافها هى لشخص واحد
٣- إذا اشترى الشخص بالاشتراك مع الآخرين ، صدرت مكلفة مستقلة بأسماء الشركاء مجتمعة عدا المكلفة الخاصة لكل منهم
ثانيا - يوجد ملاك حقيقيون غير مدرجين فى الاحصاء للأسباب الآتية :
١ - الورثة ، فقد تستمر المكلفة باسم المورث الأصلى ما لم تحدث تصرفات فى العقار ، فتتغير فيما يخص الجزء الذى حصل فيه التصرف ، وقد يتسلسل الورثة لعدة أجيال ، وتستمر الملكية باسم الجد الأعلى ، كمالك واحد ، بينما يكون الورثة يعدون بالعشرات
٢ - تعتبر كل واحدة من الشركات العقارية كمالك واحد ، بينما يتمتع بالملكية كل المساهمين ، وقد يعدون بالمئات أو الألوف ولا أثر لهم فى الاحصاء .
٣ - الأوقاف ، وفيها تستمر الملكية باسم الواقف بينما يكون المستحقون يعدون بالمئات ، وأمثلة الوقف الذى يحتوى على مئات الأفدنة ويصيب كل مستحق بضعة قروش من ريعه ليست نادرة .
ملحوظة - لا يدخل فى إحصاء توزيع الملكية العقارية فى المملكة المصرية الأملاك الأميرية ، وقدرها ١.٣٦٣،٣٢٤ فدنا منها ٢٠٤,١١٨ فدانا منزوعة والباقى بور صالح للزراعة . وهذه المساحة تبلغ ٢٢,٨ فى المائة من المساحة التى يشملها الاحصاء
كل الاعتبارات السابقة على أهميتها لم يعرها المتكلمون عن توزيع الثروة العقارية الزراعية فى مصر ما تستحق
من العناية . وعلى ذلك فنتائجهم لا يمكن الاعتماد عليها فى مثل هذا الموضوع الخطير .
وسيظهر أثر هذه الاعتبارات قريبا عند تطبيق ما اعتزمته الحكومة من إعفاء الملاك الذين يدفعون ضريبة عقارية زراعية أقل من ٥٠٠ مليم فى العام ومن تخفيض الضريبة على صغار الملاك الذين يدفعون ضريبة تصل إلى عشرة جنيهات ، فسيحرم الورثة المشتركون فى تكليف واحد باسم والدهم أو جدهم المتوفى ، لأنه معتبر كمالك واحد يدفع أكثر من عشرة جنيهات ، بينما لو قسمت الأرض على الورثة لأصاب بعضهم التخفيض أو الاعفاء الكامل
وعلى الضد من ذلك سيبقى بعض الملاك الذين لهم مكلفات متعددة يقع بعضها فى دائرة التخفيض أو الاعفاء ، بينما لو جمعت إلى بعضها لكانوا ممن يدفعون أكثر من عشرة جنيهات .
وتعدد المكلفات للشخص الواحد ليست نادرة كما يتبادر إلى الذهن ، فانى أعرف شخصيا ثلاثة إخوة لهم ٢٥ وردا موزعة على ثمانية قرى تتراوح المساحة فى كل ورد بين بضعة قراريط وبعض مئات من الفدادين ، وهذا هو الذى وجه نظرى إلى دراسة هذا الموضوع
وعلى ذلك فلا يمكن الوقوف على حقيقة حال توزيع الثروة العقارية إلا إذا عملت إحصائيات فى هذا الموضوع بالذات مع مراعاة جميع الاعتبارات السابقة .

