الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 548الرجوع إلى "الرسالة"

الاختزال كفن قديم

Share

أشار الأستاذ الكبير عباس العقاد في مقاله عن (كتب  السياحة) إلى بعض ما نفيده من مطالعة المؤلفات القديمة  في مثل هذا الموضوع؛ فذكر أننا قد نحيط بعادات الأمم  الخالية (فنصحح بعض الغرور الذي يركب أبناء العصر الحاضر  فيخيل إليهم انهم السابقون إلى كل طرافة، وأن المتقدمين  في باب الطرائف هم اللاحقون) . وقد أذكرتني عبارته هذه،  ثم إشارته إلى قدم استعمال العملة الورقية في الصين، بما وقعت  عليه مما يتصل بفن الاختزال - وتاريخ ابتداعه في  الصين قديماً رغم ما يعتقده أكثر المعاصرين من أنه فن غربي  حديث. . .

فقد ذكر ابن النديم في كتابه   (الفهرست)  أن  للصين كتابة يقال لها   (المجموع)  كانوا يأتون بها على  المعاني الكثيرة في القليل من الحروف؛ (فإذا أرادوا أن  يكتبوا ما يكتب في مائة ورقة كتبوه في صفح واحد).

وذكر قصة رجل من الصين أقام سنة بحضرة محمد بن زكريا  الرازي يتعلم العربية وفنونها؛ ثم أزمع الرجوع إلى بلده، فجاء  قبيل سفره يستملي الرازي كتب جالينوس الستة عشر. وكان  لضيق وقته يكتب بالمجموع، فلا تكاد يد المملي تجاري لسانه  سرعة وانطلاقاُ! وقد زعم الأستاذ (أن الإنسان الذكي  السريع الأخذ والتلقين لا يمكنه أن يتعلم ذلك في أقل من  عشرين سنة)

وذكر ابن النديم في موضع آخر أن للروم قلماً يعرف  بالساميا، يحيط الحرف الواحد منه بالمعاني الكثيرة. قال:   (وجاءنا من بعلبك في سنة ثمان وأربعين - يعني بعد الثلاثمائة -  رجل متطبب زعم أنه يكتب بالساميا، فجر بنا عليه ما قال فأصبناه  إذا تكلمنا بعشر كلمات أصغي إليها، ثم كتب كلمة، فاستعدناها  فأعادها بألفاظنا)

وهكذا نرى أن القدماء من أهل الأمم المتحضرة لم يسبقوا  في زمنهم، بأكثر مما سبقونا في دقة تفكيرهم وبراعة  مخترعاتهم. (جرجا)

اشترك في نشرتنا البريدية