الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

الادب الايسلاندي (٢)

Share

العامل التاريخي - وهو العامل الثاني من العوامل التى كان لها اثرها الكبير في تكوين الادب الايسلاندى . ونعني به ان النرمانيين قدماء سكان اسكاندينافيا غادروا شمال اوروبا فى القرن الثالث الهجرى وركبوا سفنا كبيرة خفيفة واخذوا يجوبون بحار شمال اوروبا ويغزون ما كان بها من اقطار . ففتحوا انكلترا وفرانسا وافتكوا سواحل الاندلس وصقلية وسواحل المملكة التونسية . وكان ذلك على عهد الصنهاجيين بتونس . وقد كان لهذا الحادث اثر كبير فى تكوين الادب الايسلاندى . ذلك ان الغزوات البحرية بما تحويه من اهوال ومغامرات ومشاهدات غريبة تؤلف بطبيعة الحال ادبا شعبيا ملحميا يزداد ويتضح على طيل الاجيال . فكلما درسنا ادب امة بحرية الا ووجدنا خصائصه المميزة هي ملاحم الغزوات وغرائب السفرات البحرية . فالادب القرطاجنبى عندنا يمتاز على الخصوص برحلة حنون ورحلة عملقون . والأدب العربى الحضرمي يمتاز بقصة السندباد البحري ، وهلم جرا . فعلى هذا القياس وبهذا الاعتبار تكون لدى الايسلانديين بسبب غزواتهم ومغامراتهم البحرية ادب ملحمي مغرب كثير العجائب والغرائب قد ضخمه الخيال وفخمه البعد فى الزمان والمكان .

خرج الايسلانديون من اسكاندينافيا فمروا في طريقهم ببلاد السات او الكلت وهى ايرلاندا وانكلتره ونورمانديا وبريطانيا الصغرى بفرانسا وللسلت ادبهم الملحمي وقد طوعوا له لغتهم . فالتحم الشعبان الايسلاندى والسلتى فى تكوين هذا الادب الملحمي الذي تغذي منذ الاول بما قطعه الايسلانديون من مراحل بحرية وما شاهدوه من اهوال فى طريقهم الى جزيرة ايسلاندا . فهذه الملاحم هى تاريخ جولات الايسلانديين مضخمة وممزوجة باساطير خرافية مبنية على حقائق تاريخية لامراء فيها .

منشأ الادب الايسلاندى - ان اصل الادب الايسلاندى مججوب عنا بغياهب العصور المتقادمة يضيع فى ليالي التاريخ المتقادم . الا انه يبدو لنا لاول مرة فى تصادم او تلاحم بين الادب السلتى والادب الشمالي . وظهرت معالم الاولى - التى وصلتنا في القرن التاسع او العاشر الميلادي . اى بعد ان طاف الايسلانديون مطافهم واخذوا عن السلت الاسلوب الملحمي وعن عرب صقلية وافريقية نوع الموشح والزجل ، واذا امعنا النظر فى هذه المعالم الادبية الاولى وجدناها تتميز بعنصر ملحمي ومغامري مكيف بالتفنن الصناعى والاسلوب الشعرى السلتيين مع طريقة الزجالين والوشاحين المشهورة بالاندلس وصقلية وافريقية وترجع الى هذا العصر المتقادم عدة آثار ادبية شعرية اهمها قصائد هلجى ، وثورة ميغانتى ومقتل هيالمار واغنيه فولسونغ ، ثم الفواجع الشعرية المسماة فور شرنيس واهزوجة فور باروس ، وملمة سكيالدونغا ، والشعريات التعليمية المسماة جمنيسمال والفيسمال ؛ والاناشيد الحربية المسماة هرافو نمال وبياركمال ؛ والقصائد الخرافية الاسطورية المسماة هندلو لجو وانغلنغتال . والطريقة الفنية الصناعية فى انشاء هذه القصائد تشبه طريقة التروبادور والتروفير عند الفرنسيين في مبادئ نهضتهم وطريقة الوشاحين والزجالين عند اهل الاندلس وصقلية والمغرب . ويمكن ان نذكر من كتاب هذا العصر امثال اجيل وكرماك وآيونيدو الذي كان شاعر الملك هاكون ، ثم غونلاوغ وهالفريد . كان هؤلاء الشعراء يعاصرون شعراء الدولة الصهاجية بتونس والزجالين والوشاحين بالاندلس وصقلية .

العصر الثاني من الادب الايسلاندى - مر عصر النشأة للادب الايسلاندى وقد رسمنا منه صورة موجزة وجاء العصر الثاني وهو يتدرج بين القرن العاشر الميلادي والحادي عشر الميلادي . فهو معاصر لاواخر الدولة الصهاحية بتونس وملوك الطوائف بالاندلس . واخذ الادب الايسلاندى يخرج من الاسلوب الخرافي الى الاسلوب الواقعي . على ان ايسلاندا لم تفقد تقاليدها الادبية ولا ادل على ذلك من وجود امثال الكاتب الشهير سنورى وحفيدية سلورلا واولاف.

وقد الف سنورى قواعد لنحو اللغة الاسلاندى ونظمها شعرا على اسلوب الفية ابن مالك في العربية ؛ والف قصيدة ميثولوجية ضمنها اساطير الاسلانديين اي خرافاتهم القديمة وعقائدهم الوهمية العتيقة وسماها جيلغا جينيغ ، والف

ايضا كتاب " اخبار الملوك الايسلانديين " ومن المعلوم ان التاريخ هو اول شكل نثري يظهر في اداب الامم لانه حالة وسطى بين القصة والوثيقة التاريخية الصحيحة . ونذكر من ادباء هذا العصر ايضا الملك هارولد سيغوردسون الذي كان في الان الواحد ناقدا وشاعرا ملهما ذائع الصيت .

الا ان أشهر آثار هذا العصر هى جملة ملاحم اى جملة قصائد حماسية قعصية تسمى الصاغا مدهشة العدد تشبه " الرومانص " فى الاداب الاسبانية والبرتغالية والايطالية والفرنسية اى انها"ديوان ازجال " او ازجولة ذات موضوع غرامى اخاد مغمور باساطير ملحمية شيقة ، ومن اشهر هذه " الصاغات " النبول صاغا ، افربيجيا ، ولائكسديلا ، واجيل صاغا ، وهاوارد صاغا الى غير ذلك ، وبالرغم عما دخل نصوص هذه الصاغات من تحويرات وتنقيحات ادخلتها عليها الروايات المختلفة وايدى النساخين الاثيمة فانها ذات صبغة شعبية طاهرة الا انها لا تخلو من مسحة علمية على كل حال .

والحقيقة هى ان هذا العصر الذي نورخه هو فى الواقع عصر " تصنيف تاريخي" بالمفهوم الاوسع فنحن من جهة نجد النزعة الشعبية فى الرواية التاريخية وهى النزعة الاسطورية الملحمية المعروفة بالصاغا ، ومن جهة اخرى نجد الفن التاريخي بمفهومه الضيق . وقد نبغ فيه جماعة فعلاوة عن سنورى الذي ذكرناه قد نبغ ايضا آرى ثورجيلسون ( ١٠٦٧-١١٤٨ ) وبعض اوركاتبا ايسلانديا في النقد التاريخي كما يعتبر من اوائل المؤرخين الذين ظهروا بالجزيرة يجمع بين الاتزان والثقة والتحقيق ، الف كتاب " ايسلاند ينغابوك " اى "كتاب الحوادث الايسلاندية سنة ١١٣٠ م وهو سفر ضخم جدا لم يبق منه الا ملخص موجز . ولكنه رغم ايجازه يعتبر احدى المصادر التي اعتمد عليها الكتاب الجامع للاخبار المسمى "لاندنامه بوك" اى " كتاب احتلال التراب الوطني" وهو ذكر استحواذ الايسلانديين للجزيرة وخبر استعمارهم لها ، مع تدقيقات خاصة فى اسماء الرجال وبيان أنساب المستعمرين وايراد للحوادث واشتقاق اسماء الامكنة الى غير ذلك . وهو يشمل من اسماء الاشخاص ٤٠٠٠ ومن اسماء الامكنة . ٢٠٠٠ ومن اروع ما فى هذا الكتاب اسلوب القصة .

وهناك ايضا كتاب كريستني صاغا وهو يذكر اخبار بعثات المبشرين الى ايسلاندا ودخول النصرانية الى تلك الجزيرة حوالى سنة ١٠٠٠ م

ومن مؤرخى هذا العصر ايضا : سايموند سيغفوسو(١٠٥٦- ١١٣٣ ) وقد اشتهر بثقافته الواسعة النطاق وبانه هو الجامع للاشعار والقصائد التى تتألف منها ملاحم الأيدا .

اشترك في نشرتنا البريدية