منذ اللحظة التى وجد فيها الانسان نفسه وحيدا على وجه الارض ، ومنذ اللحظة التى واجه فيها مصيره بنفسه ، انبعث فيه شعور فهم وقلق غامض تجاه الحياة ، تجاه الزمن كيف سيواجه الحياة وبماذا سيواجهها ؟ هذان السؤالان الخالدان هما اللذان بعثا ذلك التوق فى الانسان ، اعنى بدء الصراع ، أو بدء المأساة
وعلى طول المرحلة الشاقة التى قطعتها الانسانية فى هذا الوجود كان ثمة صراع عنيف بين الانسان هذه القوة السابحة فى خضم الوجود وبين عناصر طبيعية أو وجدت مع الانسان نفسه ، ولقد استعان هذا في كل معركة خاضها برفيق أمين هو الفكر فكان ولا يزال هو الشعلة التى تضئ الدروب وهو الريشة التى تصور الوان تلك الدروب وهو الذى يخلق ، الحانا يغنيها الانسان عندما يضنيه الصراع ويرمضه وهج الصحراء ، صحراء الحياة ، فتجدد فيه العزم وتحرك التوق ويتواصل المسير
ولقد شعر الانسان منذ البدء بمعان تختلج في وجدانه وأحس بانفعالات عنيفة تضطرب فى كيانه فشاقه أن يصور هذه الاحاسيس والانفعالات المضطرمة التى يعيشها أو تعيشه تجاه تجربة الحياة القاسية فكان الادب وكان الفن ، بيد ان الانسان القديم كان شعوره تجاه الحياة وتجاه الآخرين يكتسى شيئا من الغموض لذلك اكتفى بأن يعيش على الضفاف وأن يصور الاحاسيس " فردية " غائمة وظل الادب تبعا لذلك تائها فى أجواء فردية بعيدا عن المنبع الزاخر الذى يجب ان يمتح منه ، منبع التجربة الانسانية ، فى عنفها وحيويتها ، وما التجربة الانسانية هذه ؟ انها ، الصراع الدامى بين الاجيال وتيارات الفناء ، الصراع بين اليأس والتواكل والاستسلام وبين الامل والطموح والمغامرة ، ووسط هذا الصراع انطلق ركب الانسانية فى طريق معبد بالجماجم والدماء والدموع ، وكان الامل بجانبه دائما يبعث فيه جذوة الحياة عندما يصرعه الاعياء وتخدره الآهات والانين . فيثور ويستيقظ الفكر ويتابع رحلته بشوق عصوف
ولقد ظل الادب كما قلت بعيدا عن صميم المعركة طافيا على الضفاف حتى زمن غير بعيد ، إذ اقتحم بعض الرواد الخالدين الهيكل البكر وعادوا يحملون الى الانسانية تجاربها وصراعها فى لوحات زاخرة بالفن والحياة ، ومنذئذ اتخذ الادب طريقا آخر وأخذ يتسلل الى مسارب النفس الانسانية ويصور احاسيسها وانفعالاتها وحيرتها فى إطار ارتباطها بالأخرين ، ولم يكتف بهذا بل اندفع يفتح الدروب ويلقى الاضواء امام المواكب الانسانية ، العطشى الى الكنه ، كنه الحياة وحقيقة الوجود
فالادب أصبح اذن هو الحياة بما تشتمل عليه من تجارب انسانية عميقة نعيش فى وعى الفنان حقبة من الزمن ثم يخرجها انتاجا بديعا حافلا بالفن وحرارة الحياة وعمقها أيضا . . لان الحياة كما يقول (مكسيم قوركي) " هي قصيدة الانسان التى ينشد منها الحان البطولة ، ويجب عليه ان يستخلص منها المعاني العميقة
ولان الفنان بحكم اندغامه في الحياة وتفاعله معها وتجاوب احساساته مع الآخرين مضطر الى أن يعبر عن التجارب الاجتماعية التى يلتقطها حسه وترتسم في مرآة وعيه ، والأدب الحق هو الذي يحتضن قضايا المجتمع قلقه وطموحه وآلامه وآماله ويعيش تجاربه فيرسم الفلاح وعرقه والعامل وكفاحة و يصور شقاء المجتمع وأمراضه ، ويقدم نماذج رائعة من البطولات التى تغذيه وتدفعه الى الامام . هذا هو الادب الذى نريده ، الادب الذى يلتقط مادته الخام من قلب الصراع من عمق اعماق الانسان ويدفع به الى معاناة الصراع إلى الانصهار فى مخبر الحياة ، وهذه هى الرسالة التى يجب أن ينهض بها الادب العربى الحديث ليدفع بالانسان العربي الى خوض معركة الحياة فى ايمان رائع واخلاص عميق ، ولقد بدأ هذا الادب في كثير من نواحى الوطن العربى يعى رسالته فيخوض المعركة مع الجماهير مستلهما انتفاضاتها وقلقها ، ومثلها . أما فى مجتمعنا التونسي فان الادب ما يزال تائها لم يهتد بعد الى المنبع الذي ينبغى أن يستمد منه مضمونه والوانه ، مع ان مجتمعنا منبع فياض لمن يريد ان يغمس ريشته الفنية فى محيطه ، فقد مر بتجارب عنيفة وتعاقبت عليه أحداث صبغت حياته بالوان من الصراع خاضه لاجل فرض شخصيته وتكييف وجوده وعلى طول المرحلة التى اجتازها مجتمعنا فى هذا الصراع الذي لا يزال ممتددا كانت هناك الوان سامية من التضحية والفداء ، صور حزينة من الدماء والدموع والآهات ، معان تختلج آمالا وأمنيات ، فهل ثمة من صور لنا هذه الالوان القانية من الدماء والمعاني السامية من التضحيات ، والاحاسيس العارمة التى تخالجه وهو في صميم المعركة
ونحن حين نلقى نظرة فاحصة على انتاجنا الادبى الحديث نجيب عن هذه الاسئلة بالسلب ، ذلك ان هذا الانتاج على هزاله لا يحمل سوى صور باهتة لمجتمعنا القلق الثائر المنتفض شوقا إلى الحرية والحياة ، فهل معنى هذا آننا فقراء من الادباء والفنانين ؟ لا بل ان لدينا كثيرا من هؤلاء واولئك ولكن عدم وعيهم لرسالة الادب والفن هو الذى جعلهم يعيشون على ضفاف المجتمع كالمشاهدين فقط وأيضا جعلهم يعيشون مأساتهم داخل انفسهم حتى أصبح البعض منهم يهيم فى أجواء ذاتية كلها ظلام وأسى ودموع ، وهى صفة كل فنان يفر من مواجهة الحياة ويقطع الاوتار التى تصله بالآخرين فيفقد كل أمل فى مصارعة عواصف الطريق لانه يشعر بالفردية العاجزة بالانفصال واخيرا بالهزيمة
على اننا يجب ألا نتشاءم الى هذا الحد فقد بدأت بذور نهضة ادبية تنبعث فى الميدان وتصور انتفاضات الشعب وتعبر عن قلقه وترسم صراعه بين نداءات الحياة الجديدة ورواسب الماضى وبذور الفناء ، فهذه رواية " السد " تصور مأساة الشعب التونسى بل مأساة الانسانية كلها فى صراعها من اجل البقاء ، وهذه قصة " . ومن الضحايا " تصور جوانب مظلمة من الشعب تعشش فيها الامراض والعلل كما تصور نماذج من النضال الذى خاضه هذا الشعب ضد الاستعمار و " أحمرته المذللة " وغير هذين الاثرين من الانتاج الذى نرجو ان يتسمد بقضايا المجتمع ومشاكله ويستمد منها حيويته و " انسانيته " .
وبعد ، لقد لقد قال احد الادباء الغربيين : " ان الفن هو فك ازمة الصراع " فهل يعيش فننا صراعنا ويحاول فك ازمته ؟ هذا هو السؤال الذي يجب ان نقيم على ضوئه انتاجنا الادبى الفنى ومدى تعبيره عن الحياة واستحقاقه للخلود .
