الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 143 الرجوع إلى "الثقافة"

الاذاعة المدرسية، فى مصر

Share

نستطيع فى ضوء ما قدمناه عن الاذاعة المدرسية فى الأمم الأخرى وفى ضوء تجاربنا الخاصة أن نلاحظ على الاذاعة المدرسية فى مصر الملاحظات الآتية :

موضوعات الاذاعة :

إن من يدرس موضوعاتها يرى أنها مجموعة من المقالات المتناثرة ، لا يربطها محور ولا يحددها هدف تبغى الوصول إليه . ونسوق على سبيل المثال الموضوعات التى أذيعت على طلبة مدارسنا الابتدائية ( فى السنتين الثالثة والرابعة ) فى الفترة ما بين ٢٥ يناير ونهاية فبراير سنة ١٩٤١ .

١ - محمد على الكبير ( ٣ ،٤ ) . ١ - مصر فى القرآن الكريم ( ٤ ) . ٣ - الكتابة الفنية ، معناها ومنشؤها (٣ ، ٤ ) . ٤ - الفائدة الصغيرة ( ٤ ) . ٥ - فراداى وعلم الكهرباء ( ٣ ، ٤ ) . ٦ - الحياة وسط الثلوج فى أوربا ( ٣ ، ٤ ) . ٧ - فتاة تنقذ قريتها ( ٤ ) . ٨ - جولة فى شمال أفريقيا ( ٣ ، ٤ ) . ٩ - قصة فى أهمية التمثيل ( ٤ ) . وبأخذ آراء الكثيرين من مدرسى المدارس ، رأيت أنه يعاب على الموضوعات المذاعة الأمور الآتية :

١ - صعوبة موضوعاتها ولغتها بوجه عام . ٢ - كونها مشحونة بالكثير من التفاصيل فهى فى معظمها تتعرض لنقط كثيرة .

٣ - إنها تتجاهل ميول التلاميذ فى مختلف الأعمار . ٤ - طريقة عرضها خالية من العرض الفنى للاذاعة لصغار التلاميذ .

٥ - لم تراع فيها حاجات المدارس المختلفة فى مراحل التعليم المتباينة .

ويمكن أن نقول بوجه عام - وقد لا نكون مغالين فى هذا الرأى - إن أصحاب هذه المحاضرات كثيرا ما يتناسون أمورا يجب ان تتوفر فى دروس الاذاعة المدرسية ، كتحديد سن التلاميذ ، ومعرفة مقدار تحصيلهم ، وعلاقة الموضوع بمنهاج الدراسة ، ومدى اهتمام التلاميذ وشوقهم إلى الموضوع المذاع .

ومن المؤسف أن إذاعتنا المدرسية لا تتناول أحاديث للأطفال فى المراحل الأولى من المدارس الابتدائية ، أو لرياض الأطفال ، مع أن الواجب أن تخصهم بنصيب وافر من الاذاعة المدرسية .

وأعجب الأمور أن الوزارة - حتى يومنا هذا - لم تفكر فى الاذاعة الريفية لتلاميذ المدارس الالزامية ، على الرغم من كثرة عدهم وانقطاعهم فى أقاليم نائية هى فى أشد الحاجة إلى هذا الغذاء الثقافى الجديد . وتشمل الموضوعات التى يجب أن تذاع على تلاميذ هذه المدارس كل ما له علاقة بالحياة الريفية ( كمواسم الزراعة وطرق التسميد ومكافحة الآفات وفلاحة البساتين والطرق الصحية للحياة فى القرية ) ، وكل ما من شأنه أن ينشئ أطفال التعليم الالزامى تنشئة سليمة تمكنهم من أن يكونوا سليمى الأجسام أصحاء العقول .

ننتقل بكم الآن إلى موقف رجال التعليم والمدارس ، وموقف التلاميذ بازاء الاذاعة المدرسية .

موقف المدارس من الاذاعة :

إن دروس الاذاعة فى مصر ليست محط العناية أو الاهتمام فى جدول الدراسة ، فهى إما فى فترات ما بين

الدروس أو فى فترة الغداء ، وكانت فى يوم من الأيام فى نهاية اليوم المدرسى ؛ وما من شك فى أن الاذاعة مهما كان موضوعها شائقا ، ومهما كان المذيع خبيرا له شخصية ممتازة وطريقة جذابة ، فانها تتطلب تركيزا عقليا وانتباها ؛ والذوق السليم والمنطق يذكران لنا أن أى عمل ذهنى يحتمل الوقت المخصص لراحة التلاميذ ولهوهم وغذائهم لا بد أن يكون نصيبه الفشل .

هذا وقد تنبهت الأمم التى نهضت فيها الاذاعة المدرسية إلى مثل ذلك من عيوب ، فعملت على تلافيها ، وجعلت مواعيد الاذاعة فى أوقات يستطيع جميع التلاميذ فيها استقبال الاحاديث بنشاط وشوق ، وفى وضع يستطيعون فيه تدوين ما يرونه صالحا لتوسيع دائرة أفكارهم حافزا إياهم على إجراء الابحاث والقيام بالتجارب .

إن زيارة بسيطة لإحدى مدارسنا الابتدائية أو الثانوية ومراقبة التلاميذ وقت الاذاعة كفيلة بأن تترك الزائر وهو على يقين تام بأن مصر تعانى نفس المتاعب التى كانت تعانيها كثير من الدول الغربية قبل أن تؤسس إذاعاتها المدرسية على أسس حقيقية . ليس هناك من شك فى أن معظم تلاميذ المدارس المصرية لا يشتاقون لسماعها ولا يرقبون وقتها بشغف وبل إن الأغلبية العظمى تنصرف عنها لقلة اهتمامهم بها .

وفى الحق أن الاذاعة إذا جاءت بشئ جديد أو آراء جديدة ، أو كانت تبعث حياة فى دروس التلاميذ العادية ، أو كانت سببا فى إفساح الطريق أمام خيالهم ، أو عاملا فى توسيع أفق أفكارهم ، أو كان من شأنها أن تدفعهم إلى البحث الشخصى فى الكتب وفى مطالعة صفحات الطبيعة ، لو أن هذا شأن الاذاعة المدرسية فى مصر لما كانت عبئا ثقيلا على تلاميذ المدارس ، وبخاصة إذا توفر وجود المذيع المجيد الذى لا يحاضر ، وإنما يتكلم بطريقة تبعث فى النفس التلبية . إن خير المذيعين من كان بعيدا عن صناعة التدريس ، متخصصا فى مادة ما

يستطيع أن يتحدث فيما اختص فيه بشغف واهتمام .

وفيما يلى بعض المقترحات أقدمها لأولى الرأى من رجال التربية والتعليم فى مصر .

اقتراحات خاصة بالاذاعة :

أولا - تكوين لجنة مركزية للإشراف على الاذاعة . أقترح تأليف مثل هذه اللجنة التى تضم ممثلين للهيئات التعليمية الكبرى من أساتذة المدارس ومفتشيها ونظارها ورجال التربية والتعليم وأساتذة الكليات ؛ ويجب أن تكون وظيفة هذه اللجنة مباشرة مظاهر نشاط الاذاعة المدرسية كمراقبة تنفيذ المنهاج وتنظيم الرسائل وإصدارها ، والإجراآت الهندسية ، وتعيين الموظفين ، وتنظيم الأبحاث ، وعمل التجارب ، وضبط الأجهزة فى المدارس واختبارها ، والاتصال بمعاهد التربية والتعليم ولجان المعلمين والهيئات المشرفة عليه داخل القطر وخارجه .

ثانيا - تكوين لجان فرعية ويجب أن تعهد اللجنة المركزية المشرفة على الاذاعة بكل عمل من تلك الأعمال إلى لجان فرعية ، وتتألف عادة اللجنة الفرعية من عضو يمثل اللجنة المركزية ، وواحد أو أكثر من الاخصائيين ، ومفتش من مفتشى المادة ، وعدد من المدرسين يمثلون أنواعا مختلفة من المدارس ، وبهذا نضمن أن تصبح الاذاعة مناسبة ، فموضوعاتها تفحص قبل إقرارها على يد فئة من رجال التعليم لهم اتصال وثيق بالمنهاج وبالمدرسين وبالتلاميذ . ويجب  أن يكون من اختصاص هذه اللجان الفرعية العمل على  إرشاد المدرسين فى كيفية استغلال المذياع بالفصل ، ويكون ذلك عن طريق دروس نموذجية تعرض عليهم .

ثالثا - يجب تحديد الأغراض القريبة أو المباشرة التى يجب أن تؤديها الاذاعة المدرسية المصرية .

رابعا - يجب أن تساير برامج الاذاعة المدرسية مراحل التعليم ومراحل النمو . فمثلا :

( أ )  فى رياض الأطفال التى يتراوح أعمار تلاميذها بين الخامسة والثامنة ، يجب أن يكون ما يذاع سهلا مباشرا ، وأن يتضمن الحركة والعمل فى الفصل تلبية لأوامر المذيع ، وأن يشمل الخطوات الأولى لتعليم الكلام ، كما يجب أن يشمل البرنامج الكثير من الأناشيد والموسيقى . ولما كان الطفل بفطرته يميل إلى الجمع بين الايقاع واللعب ، لهذا وجب أن يحوى البرنامج الشئ الكثير من أغانى اللهو البرئ واللعب ، وشيئا آخر من أغانى الأعمال التى يشاهدها الطفل فى بيئته .

( ب ) إذاعة المدارس الابتدائية . وهنا تتراوح سن التلاميذ بين ٧ و ١٢ سنة ، ويجب أن يشتمل برنامجهم على موسيقى وحركات للصغار منهم ، وعلى لغة عربية مبسطة ، وأحاديث عن رحلات ، وتاريخ بعض أجزاء العالم مبسطا ، ودراسة مشاهد الطبيعة ، وبعض دروس التربية البدنية .

( ج ) إذاعة المدارس الثانوية حيث تتراوح السن ما بين ١١ و ١٨ سنة ؛ ويجب أن تعتمد الموضوعات التى تلقى على تلاميذ هذه المرحلة على حقائق الحياة خارج المدرسة . وطلبة هذه المدارس - لاسيما الفصول النهائية - فى حاجة خاصة إلى موضوعات كثيرة متنوعة ؛ نخص بالذكر منها موضوعات اللغات الحديثة التى من شأنها إحياء ما يستمع إليه التلاميذ فى المدرسة ، ويكون هذا باذاعة يقوم بها رجال وسيدات من أهل اللغة ؛ كما يجب أن يتناول ما يلقى على الفصول النهائية من هذه المدارس بعض ما يشغل المجتمع من مسائل اقتصادية أو علوم اجتماعية ؛ وقد وجد أن من الميسور تدريب طلبة هذه المرحلة على البحث ، وذلك بتشجيعهم جماعات وأفرادا على مناقشة ما يسمعونه عن طريق الاذاعة .

( د ) إذاعة المدارس الريفية : وفى بلاد رزاعية كمصر تستحق المدارس الريفية عناية خاصة ، لأن التلاميذ فى هذه المدارس أقل اتصالا بمظاهر الحياة الخارجية عن تلاميذ

المدن ؛ وعلى ذلك يجب أن تذاع عليهم موضوعات خاصة .

وفى تدريس المواد الريفية نرمى إلى إذاعة عامة سوف تعم فائدتها عددا عظيما من أبناء القطر ، غرضنا من إذاعتها   حث التلاميذ على تطبيق ما يكسبونه من معلومات في هذا الصدد ، لا فى مزارعهم الخاصة فحسب ، بل فى بيئتهم الريفية عامة ؛ والموضوعات التى تذاع من هذا النوع تشمل فلاحة البساتين علما وعملا ، وتشمل التربة وكيف تخصب ، وزرع الأشجار والشجيرات والحبوب والأنبات ، وتصميم الحدائق وتنسيقها ، ومحتويات القرية ، وطرق تكاثر النبات ، وكيف يحصل النبات على الغذاء والماء والهواء الخ .

خامسا - التشجيع المادى إن السبب الرئيسى الذى قد يقف حجر عثرة فى سبيل تشجيع الاذاعة المدرسية فى مدارسنا هو العامل المادى ؛ فوزارة المعارف لا تزال مكتوفة الأيدى أمام عجزها عن تدبير المال اللازم لتنفيذ المشروع على خير وجه ، والمال ضرورى لنجاح الاذاعة ؛ فمكافأة المذيع ، ومكافآت أعضاء اللجنة المركزية ، ومكافآت أعضاء اللجان الفرعية ، وتكاليف تحضير النشرات وطبعها ، ومصاريف تركيب أجهزة الاستقبال وصيانتها ، ومرتبات مهندسين للتفتيش على أجهزة الاستقبال ، ومصاريف انتقال المفتشين على الإذاعة فى المناطق التعليمية المختلفة - كل هذه الأشياء فى حاجة إلى نفقات ؛ ونحن نقترح أن يساهم كل طالب فى بداية العام بما لايزيد على عشرة قروش من أجل الاذاعة .

سادسا - مواعيد الاذاعة . يجب جعل مواعيد إذاعة الموضوعات المختلفة فى الوقت المخصص لتلقى الدروس ، فيصغى التلاميذ إلى حديث  فى حصة التاريخ ، وتحت إشراف مدرسهم ، ليمهد لهم قبل  سماعه . ويقوم بمناقشتهم ، وحل ما غمض عليهم فهمه بعد انهائه .

هذا ويجب أن تكون بأيدى التلاميذ نشرات الاذاعة ،

وأن يقوموا بالاجابة عن الاسئلة فى نهاية تلك النشرات ، وأن يقوم مدرس الفرقة بتصحيحها .

سابعا - النقد . ضمانا لنجاح الاذاعة المدرسية نقترح اتباع طريقة النقد المتبعة فى البلاد الأجنبية - وبخاصة انجلترا - وهذه الطريقة تقتضى تعيين رجل من رجال التعليم فى كل منطقة من المناطق ، وظيفته زيارة المدارس ، ودخول حجرات الدراسة فى أثناء الاذاعة ، ومراقبة التلاميذ ، وملاحظة ما تتركه الأحاديث المذاعة فيهم من أثر .

ويمكن اتباع طريقة أخرى لتسجيل ذلك النقد ، وذلك بأن يدون التلاميذ والمدرسون وناظر المدرسة ملاحظاتهم على الاذاعات ؛ وهذه الملاحظات المدونة تحفظ فى المدرسة ليطلع عليها مفتش الاذاعة عند زيارته . ويجب على هيئة التدريس والادارة أن يشتركوا معا فى أداء هذا الواجب ، ثم يدونون ملاحظاتهم ويرسلونها إلى إدارة الاذاعة لتعمل على تحقيق رغبات المدارس بما يكفل نجاح الاذاعة .

اشترك في نشرتنا البريدية