( بمناسبة الذكري الرابعة والثلاثين لوفاته )
انتهت الثورة العرابية بما يعلمه العالم من احتلال انجلترا وادي النيل، وكان من الطبعي أن يحاكم زعماء الثورة لينالوا جزاء خروجهم على القائمين بأمر البلاد. وفي ١٣ صفر من عام ١٣٠٠ ه - ٢٤ ديسمبر من عام ١٨٨٢ م اعلن حكم القوة بعد مرافعات طويلة ودفاع مجيد، وكان نصيب الاستاذ الامام المرحوم " الشيخ محمد عبده " من الاحكام الصادرة النفي خارج البلاد ثلاث سنوات يقضيها بعيدا عن وطنه وقومه، ومنع من العودة حتى يؤذن له في ذلك..
وقد وجد هذا الحكم، رغم شدة وقعه، نفسا قوية لم تضعف ولم تتزعزع، بل ثارت وعزمت؛ وإنك لتلمس اثار هذه الثورة في كتابه الذي بعث به إلي صديق له يقول فيه:
" هل بطل يا عزيزى ما جاء على لسان النبوات: الإنسان اسير الاحسان ؟ هل نقص ما جاء من ذلك: المعروف بذر المحبة يغرسها في أعماق القلوب ؟ هل هدمت قاعدة: ان الحيوان يقاد بالزمام، والإنسان يقاد بالصنيعة هل كان خرافا ما قرره الحكماء من الفصول الطويلة تقسيما للمحبة، وبيانا لفضائلها ومنافعها في الاجتماع الإنساني الخبيث ؟ هل كان خرافا ما حوته الكتب متعلقا بموجبات روابط النوع البشري ؟ أم صح كله لكن الناس به جاهلون ؟ " .
" كلا والله، لن يكون ذلك، ولم أزدد في سبيل الفضيلة إلا بصيرة، ولم ازدد في المحافظة عليها إلا ثباتا، ولئن عشت لأصنعن المعروف، ولأغيثن الملهوف، ولانقذن الهاوي في حفرة الغدر، ولاخذن بيد المتضرع من ضغط الظلم، ولأتجاوزن عن السيئات، ولأتناسين جميع المضرات، ولابينن لقومي انهم كانوا في ظلمات يعمهون " .
وسافر الامام إلي سوريا في اواخر ديسمبر من عام ١٨٨٢ م غير اسف على ما خلفه وراءه من انحطاط الأخلاق، وضعف العزائم، وتفكك الوحدة القومية، وتغليب الشهوات على المصلحة العامة، وتحكم القوي في الضعيف، والبعد عن الدين. وانتهي المطاف به في بيروت، وهناك قابلة اهلها بالحفاوة التي جددت نشاطه، وبعثت فيه الحمية لمواصلة الجهاد . .
وبينما الأمام في بيروت يحس عطف السوريين عليه،
وتوددهم إليه، وإقبالهم على دروسه، ورغبتهم في التزود من معارفه. وبينما هو يقيم حلقات الدرس لينشر بها اراءه، إذ يستدعيه أستاذه وصديقه السيد جمال الدين الأفغاني، ليلحق به في باريس، فيلبى الإمام نداء الواجب الذي دعاه إليه استاذ يعرف فيه الصلاة في الحق، والجهاد في الدين، والسعي خلاص الشرق من ذل الاستعمار وآلامه .
وفي باريس تكاتف جمال الدين ومحمد عبده ليجاهدا جنبا إلي جنب؛ فإما ان تحقق الامال ويعاد للاسلام مجده وللدين قوته واحترامه، وإما ان يستشهدا في سبيل الوحدة الإسلامية وعزة الدين وكرامته. يقول السيد جمال الدين في مقال نشره بجريدة العروة الوثقى " إننا مع ذلك لم نقصر في أداء الواجب من العمل الذي قمنا به في المدافعة عن حقوق المسلمين فقد خلقنا والشكر لله لهذا العمل وطبعنا عليه، وترجو من ديان السموات والأرض ان نموت في هذا السبيل، وأن نبعث في زمرة السالكين فيها " .
وفي باريس كون جمال الدين " جمعية العروة الوثقى " التي لا انفصام لها، والتي اخذت تسعى في قوة الواثق من حقه المطمئن إلي عدالة قضيته، وانضم إليه محمد عبده ناصرا ومعينا، يصافحه في حرارة وإيمان ويقسم معه ذلك القسم العظيم الذي جاء فيه: " أقسم بهيبة الله وجبروته الأعلي أن لا أقدم إلا ما قدمه الدين، ولا أؤخر إلا ما آخره الدين، ولا اسعى قدما واحدة اتوهم فيها ضررا يعود على الدين؛ جزئيا كان أو كليا، وان لا أخالف أهل العقد الذين ارتبطت معهم بهذه اليمين في شيء يتفق رأي أكثرهم عليه وعلي عهد الله وميثاقه أن أطلب الوسائل لتقوية الإسلام والمسلمين عقلا وقدرة بكل وجه اعرفه، وما جهلته اطلب علمه من العارفين، ولا ادع وسيلة حتى احيط بها بقدر ما يسعه إمكاني الوجودي، واسال الله نجاح العمل وتقريب الأمل، وتأييد القائم بأمره والناشر لواء دينه " .
وفي باريس وفي فروع الجمعية المبعثرة في الشرق، قام رجال الجمعية يعملون لأغراض بعيدة وقريبة، فأما الأغراض البعيدة؛ فقد حلقوا من أجلها في سماء الشرق الإسلامي ليروا بعين الحقيقة أسباب ضعفه وخموله، وأسباب انحطاطه وتأخره، وليروا العلة التي أصابته فقعدت به عن التقدم وضعضعت من كيانه أمام الغرب. وحاول أولئك المجاهدون أن يسلكوا لتطبيب الشرق من آفاته سبيل الصراحة والقوة والحزم. وما إن فكروا قليلا حتى ادركوا ان خير ما يعيد للشرق الإسلامي مكانته إعادة سيرة السلف الصالح في إدارة دفة شئون البلاد، والدعوة إلي أن يكون الحكم علي أساس الدين الذي يوحي بالعزة والكرامة، ثم تطهير الدين نفسه من البدع والخرافات، وإعادته نقيا سمحا طاهرا كسالف عهده. ولم يكن هذا وحده ما وصل إليه رجال الجمعية وسعوا لتحقيقه، وإنما أدركوا كذلك أن الخير في إنقاذ المسلمين وغيرهم من الشرقيين من ذل الاستعمار ومصائبه. وأما الأغراض القريبة فإنقاذ مصر والسودان من سيطرة الانجليز والعمل على جلائهم تحقيقا لوعودهم التي قطعوها على أنفسهم في أحاديثهم الرسمية وغير الرسمية.
وفي باريس أنشأ الحكيمان مجلة " العروة الوثقى " لتكون لسان الجمعية، المعبر خوالج نفوس الأعضاء المجاهدين، وقد تكفل جمال الدين بإدارة سياسة الجريدة، كما تكفل محمد عبده برئاسة التحرير. وكان استاذه يغذيه بأفكاره فيصيفها هو في اسلوبه العربي الفصيح ويقيض عليها من إيمانه قوة تحببها إلي القراء، وتثير في قلوبهم مكامن الغيرة الدينية والكرامة الوطنية.
وفي خلال المدة التى قضاها محمد عبده في باريس يصنف المقالات للجريدة ويدافع عن الاسلام بقلمه ولسانه سافر إلى لندن مرة او مرتين لمفاوضة الانجليز في حل القضية
المصرية وجلائهم من السودان، ولما تعطلت الجريدة في اواخر عام ١٨٨٤ م على إثر ما حاق بها من اضطهاد، وعلى اثر الأجراءات التي اتخذتها انجلترا لمنعها من دخول البلاد التي تشرف عليها أو تربطها بها صلة، سافر الإمام إلي تونس ثم غادرها متنكرا إلي بلاد كثيرة. ومر في طريقه بمصر استعدادا للسفر إلي السودان لتنظيم قوات المهدى، واتخاذ الثورة التي قام بها، وما قد تؤدي إليه من نتائج، وسيلة لتحرير وطنه من ذل الاحتلال. وهناك ما يثبت مرور الامام بمصر اثناء النفى؛ فقد جاء في رسالة بعث بها إلي صديق له: " قد يكون لك ظن فيما ابطأ بي عن مراسلتك هذا الزمن الطويل من فراقك، وحاشا ان يكون تساهلا في الحق، أو تثاقلا عن فريضة الود، وإنما هو ارقط الحوادث وثب على أوقاتي فمزقها، وغول الكوارث انبسط فيها فضيقها من يوم فارقتك إلي الآن . .
" ذهبت إلي باريس فما عدت أن تلقيت من الرأي الجديد ان انحو جهة الشرق، حيث مسيل الحادثات، ومخرق الداريات، فمررت على بلاد كثيرة منها مدينة " تونس " عملت في جميعها على إحكام العروة، وتمكين مقودها، ثم أصعدت بعد ذلك إلي :
بلاد خلمت بها عذار شبيبتى
وطرحت في كف الخطوب عنانى
" وأنا فيه اتعرف الوجوه، واتنكر للعيون، واسأل الله نجاح العمل، وإقبال الأمل " .
ولما فشلت الخطة التي رسمها محمد عبده وجمال الدين، ولم يستطع الأول السفر إلي السودان عاد إلي بيروت، وفي ذلك يقول الدكتور تشارلس ادمز في كتابه " الإسلام والتجديد في مصر " تعريب الأستاذ عباس محمود: وفي أوائل عام ١٨٨٥ م، أي بعد انقضاء عهد التهييج السري، رجع الشيخ عبده إلى بيروت، وترك جمال الدين ليتم وحده العمل الذي واصله إلى آخر ايامه، فرحب به أصدقاؤه
القدماء وسرعان ما اصبح بيته كعبة للعلماء والطلاب، وعشاق المعارف من جميع الملل والطوائف.
وصل الإمام إلي بيروت في وقت كانت فيه النهضة العلمية الاسلامية في أول شروقها، وقد استطاع بمساعدة رجال الأمة النابهين وعلمائها الأفاضل أن يرعي هذه النهضة ويتقدم بها إلي الإمام حتى يكتمل نموها وتمتد فروعها. وما هي إلا أيام حتي كان خبر وصوله قد انتشر، وحتي كان البعيد والقريب قد سمعا بدروسه التي كان يلقيها بداره في " برج أبي حيدر " كلما نشر الليل أردبته وعم السكون الكون . . وما هي إلا أيام حتى توافد الناس على هذه الدار ليلتقطوا ما يصل إلي أسماعهم من أدب رفيع، وحكمة بالغة، وتفسير يوافق روح العصر ومقتضياته. ويكفي لإظهار تقدير الناس للأمام قول الشيخ " سعيد الشرتوني " صاحب أقرب الموارد للأمير " شكيب أرسلان "، وقد سأله عنه ذات يوم: " هذا الرجل إذا تكلم يخرج النور من فيه، ويقول الأمير شكيب أرسلان نفسه لبيان مقدار ما وصل إليه الإمام من إجلال البيرونيين واحترامهم له: " وأجمع السوريون على إجلاله والولوع به إجماعا لم يقع مثله لأحد، فكنت ترى جميع الفرق والنحل والطوائف بدون استثناء تزدحم حول ذلك المنهل العذب، وكان هو لسعة عقله، وعلو إدراكه، وإحاطة نظره، يتفاهم مع كل قبيل منهم كأنه نشأ فيهم ولم يعرف سواهم .
وظهرت عبقرية الامام واضحة جلية أثناء المجالس التي كان يعقدها للدرس والتفسير، لانه استطاع أن يجذب الناس إليه، ويقربهم منه، من غير ان يسيء إلي احد منهم، وتجنب الامام في هذه المجالس انتقاص اي مذهب من المذاهب أو عقيدة من العقائد التي كان يري ان اصحابها من عمار مجلسه، كما كان يجيب عما يسأل عنه ويسترسل في شرح القضاة التي يهمه امرها ويري فيها صلاحا للناس
من غير أن يظهر تعمده لبيان مزايا الإسلام وفضائله، أو إظهار احتقاره لمن يخالفونه في العقيدة والرأي. وكان لذلك أثر كبير في نفوس كثير من المسيحيين الذين أعجبوا به ومالوا إليه؛ وكان من دواعي هذا الإعجاب أنهم وجدوا فيه عالما من طراز آخر كثير الاختلاط بهم، علما بكثير من أحوالهم، مجددا لا يتقيد بما يتقيد به العلماء في ذلك الوقت، ولأنهم وجدوا فيه رجلا تجمع فيه كثير من الصفات الحميدة والمزايا التي ترغم المرء على احترام صاحبها؛ ويكفي أن نشير إلي أخلاقه التي حببته إلي الناس. يقول الأمير شكيب أرسلان: " وكانت أخلاقه تسير جنبا إلي جنب مع معارفه، فكان مثالا للعلم مع العمل، ولم يقدر أحد مع كثرة اختلاطه بالناس أن يجد في شيء من أعماله مطعنا أو مغمرا، أو يلحظ منه ما يخل بالوقار أو الكرامة أو الحشمة، بل كان له من الهيبة والجلالة ما لم يكن إلا لكبار الشيوخ من المعمرين مع أنه كان شابا، ولم تكن هذه الجلالة التي فيه ناشئة عن سعة علمه فقط، بل كانت أثر مجموع خصاله الباهرة من العلم المقرون بالطهارة، ومن الذكاء المزدان بالعفة، ومن الفصاحة المتحلية بالاحتشام والورع، فكان التناسب في خصاله تاما وكان عظيما من كل جهة " . .
ولما كان الإمام يري أن التعليم والتربية الصحيحة وغرس الفضائل في النفوس خير طريق موصل إلي الاصلاح، وأكبر عامل في تهيئة الأفراد وإعدادهم للحياة النافعة، فقد وجه جهوده إلى طبقة أخرى غير طبقة رواد مجالسه، تلك طبقة الاطفال والشباب، لانهم كالعود الرطب يستقيم على ما تنشئه عليه . . ولهذا الغاية السامية أسرع بتلبية الدعوة التي وجهت إليه من " جمعية المقاصد الخيرية " للتدريس بالمدرسة السلطانية . . ودخل الإمام المدرسة في عام ١٣٠٣ ه - ١٨٨٥ م . وكان أول عمل قام به وضع جدول جديد للتدريس أخذ على عاتقه منه علوم التوحيد
والمنطق والمعاني والإنشاء والتاريخ الإسلامي والمعاملات من الفقه الحنفي، وذلك للصف الاول والثاني " فلما تفتقت أذهان التلامذة وارتفعت مداركهم قرأ لهم في علم الكلام قسما من إرشادات ابن سينا وفي المنطق كتاب التهذيب، واستمر على الإملاء في التاريخ والمعاني. وجري في الانشاء على شرح ما يستظهره التلامذة من كتاب الألفاظ الكتابية وتهج البلاغة وديوان الحماسة " وكان على كثرة ما تكفل به من الدروس يزور عمله بنشاط لا حد له ، وكثيرا ما كان يزور المدرسة كلما مر بها في اوقات فراغه مما يدل على شدة شغفه بالتدريس واهتمامه بتنشئة الشباب وحسن رعايته لهم .
ولم يكن الإمام يجري علي سنة سابقية من رجال التعليم من القيام بوظائفهم قياما آليا لا يشعرهم بلذة العمل والجهاد ، أو تحفيظ الناشئة ما يلقي إليهم من مواد الدراسة تحفيظا آليا كذلك لا يوسع مداركهم أو يوقفهم على خفايا العلوم والمعارف ، وإنما يثقل كاهلهم ويبعث إلي نفوسهم الضجر والملل . . لم يكن الامام يجري في تدريسه على هذه السنة البالية ، وإنما كان يرمي إلي غرض أنبل من هذا ، وكان يرمي إلي غاية أبعد من هذه الغاية . كان الإمام يرمي إلي تنشئة الطلبة على أسس من الأخلاق قوية الدعائم ، ثابتة الأساس ، لذلك سما بهم إلي أفق أعلى من التربية الأخلاقية ، ولذلك وجه انظارهم إلي غرض انبل من مآثر العلم في ترويض النفس البشرية . . وقد جددت هذه الطريقة نشاط المدرسين الذين كانوا يعملون معه . ويتشبهون به ، ويأخذون عنه ، ويعتبرونه مثلا يحتذونه ، كما حببت الدروس إلي الطلبة الذين أسعدتهم الفرص بالأخذ منه ، كما أغرت هؤلاء الطلبة على الإقبال على درسهم بشغف ونشاط.
ولما عظم أمر المدرسة وعظم فضل بدئها بحسن تدبير الإمام ، سعى بعض رجال " العسكرية " الذين الهم انتشار
هذا الفضل وتحدث الناس به حتى ابدلوا الدير بآخر لم يتبع طريق سلفه او ينهج نهجه ، وإنما اتخذ له طريقا آخر سار فيه إلي غير غاية ، أو بمعنى آخر إلي غاية لا تتفق والإصلاح المنشود ، وساء حال المدرسة واضطرب نظامها مما اضطر معه الامام إلي الاستقالة والتخلي عن مكانه إلي رجل اخر يتفق والدير في مشربه ، وحتي لا يكون مسئولا أمام ضميره ولو ضمنا عن سوء هذا المصير . . ولم يقدم الإمام استقالته إلا بعد أن عجز عن تقويم هذا الدير والسلوك به في طريق الخير . . ولم يعجز الإمام عن الوصول إلي هذه الغاية إلا لأن هذا الدير كان صنيعة لرجال يكرهون الاصلاح ويكرهون تقدم الأمة واتساع مدارك الأفراد ، لأن التقدم يؤدي حتما إلي تقلص سلطانهم ، ولان اتساع المدارك يؤدي حتما إلي معرفة الأفراد ما لكل منهم من حقوق وما على كل منهم من واجبات ، وفي هذه المعرفة ضياع لهبيتهم وضياع لامتيازاتهم
ولم يكن الإمام يضيع أوقات فراغه من غير عمل يعود على المجتمع بالخير والفائدة ، وإنما كان يستغل هذا الوقت لالقاء الدروس العامة التي كثيرا ما كان يعقد حلقاتها في الجامع الكبير أو جامع الباشورة ليتمكن أكبر عدد من الناس من حضورها ، ولم يكن حضور هذه الدروس مقصورا على فئة دون فئة او هيئة دون هيئة ، وإنما كان حضورها مباحا لجميع الهيئات والطوائف .
وكان الامام يقطع أوقات فراغه في احاديث تعقد حلقاتها في داره ، وقلما كانت احاديثه تخلو من النظر في أحوال المسلمين في مختلف البلاد والأمصار ، ومن النظر في شئون حياتهم والبحث عن خير الطرق الموصلة إلي إسعادهم ، وقلما كانت هذه الاحاديث تخلو من البحث في أصول الدين وأحكامه وتقريبها من أفهام العامة .
وكان الامام يقضي ما يتبقى له من أوقات فراغه في تحرير المقالات التي يرشد بها الناس إلي طريق الحق
والصواب ، أو التي يدافع بها عن الدين كلما دعا الحال إلي ذلك ولا تزال مقالاته في مجلة " ثمرات الفنون " دليلا واضحا على علو أسلوبه ، وقوة حجته ، وبعد نظره ، وحبه للاسلام والدفاع عنه حبا ملك عليه حسه ومشاعره .
وقد استطاع الامام في بعض اوقات فراغه ان يترجم " رسالة الرد على الدهريين ، للسيد جمال الدين الافغاني ، كما استطاع ان يشرح كتاب نهج البلاغة ومقامات بديع الزمان الهمذاني واستطاع الامام في هذه الفترة من حياته أن يضع الأساس الذي بني عليه " رسالة التوحيد " كما وضع رسالتين إحداهما في إصلاح التعليم الديني وجهها إلي سماحة شيخ الاسلام بالأستانة والأخري لاصلاح البلاد السورية بعث بها إلي والي بيروت .
ولم تمض فترة طويلة على استقالة الامام من التدريس بالمدرسة السلطانية ثم اشتغاله بالامور السابقة كلها حتي جاءه نبا استقالة الوزارة النوبارية وتولى رياض باشا رئاسة الوزارة ثم اعقب هذا النبأ نبأ العفو عنه والسماح له بالعودة إلي أرض الوطن بعد ثلاث سنوات ونصف سنة قضاها بعيدا عن أهله وقومه
وعاد الامام إلي مصر في أواخر عام ١٨٨٨ م بعد جهاد طويل اثبت انه كان مثلا عاليا في قوة الإيمان الذي لا تزعزعه الكوارث والنكبات. عاد الإمام ليواصل الجهاد في أرض الوطن ، لأن نفسه العالية اقسمت لتجاهدن حتى النهاية ، فأما ان تبلغ الامل ، وإما ان تموت في الجهاد راضية عن نفسها مرضية . وقد ابقي الله علي حياة الإمام بعد عودته إلي عرينه سنوات تزعم فيها الحركة الدينية وأتم كثيرا من الاصلاحات العظيمة الى كان لها أثر قوي في توجيه النهضة إلي أقوم الطرق التي يسير الأن على ضوئها الراغبون في الاصلاح والرقى دار الإمام بعين شمس

