كثيرا ما يتناول الباحثون في المسائل الروحية والاتصال بالعالم غير المنظور كلمة الاستحضار ويفندون شروطها الضرورية وأوجهها المنطقية وما يجب ان يتوافر في الوسيط الذي تتم عملية الاستحضار على يديه من شروط نفسية خاصة . والواقع ان الاستحضار الذي يتكلم عنه المشتغلون بالمسائل الروحية ليس إلا صورة مكبرة من عمليات عقلية هي بعض ظواهر الحياة النفسية الإنسانية . ويجب أن نقدر أن استحضار الموجودات الروحية إنما يتم بتضافر القوي الروحية لبعض الأفراد في داخل مجالهم التخيلى الخاص بالمرئيات غير المنظورة . وإذا كان الاستحضار يترتب عليه فعلا ظهور أشياء خارجية فإن المظهر الخارجي الخاص للكائنات المستحضرة ليس إلا انعكاسا للصور التي تتولد في النفس كنتيجة لعملية الاستحضار ذاتها شأن ذلك شأن سائر المرئيات.
ويهمنا في هذا المقال أن تقارن استحضار الأرواح الذي هو مجرد عملية عقلية من النوع الكبير بعمليات الاستحضار الصغري التي تتم في كل وقت ، وتوضح اوجه الاتصال والتدرج من هذه إلي تلك ؛ فمن المعلومات أن كل انسان يستحضر صور الموجودات والمرئيات في فكره كل وقت وكل ساعة ، بل إن العملية الذهنية نفسها ليست إلا مجرد
سلسلة من الاستحضارات ، لا يكاد الإنسان يذكر امامه اسم بعض معارفه حتى يقوم العقل الباطن باستحضار صورته وشخصيته ، ليصوره للعقل الواعي فيعرفه ويتبينه . وتختلف القدرة على الاستحضار الذهني المادي تبعا لاختلاف جلاء الذهن وحدة التصور ، فالبعض يستطيع أن يري بوضوح حر صورة شخص يعرفه إذا ذكر أمامه وأن يتلمس ملامحه ويتذكر شمائله الخاصة . والاستحضار الروحي نفسه ليس الا هذا النوع من العمليات العقلية مع بعض المغالاة والأمعان اللذين يجعلان الصورة المستحضرة تبدو في شكل ظاهرى خارجي بسبب شدة جلائها لأذهان الحاضرين المرتبطة ارتباطا خاصا سببه وحدة التصور ووحدة الواسطة المخيلة.
ولما كانت الموجودات الروحية البحثة او ما يسمونه الجان أو غيرها من الأشياء غير المنظورة ليست الا مجرد قوي العقل البحث فان تسخيرها امر سهل التحقيق بمساعدة القدرة على استحضار صورها في النفس والمقدرة الإرادية التي تتحكم فيها وتوجهها وكلها مما لا يعجز عنه أي إنسان
والظواهر العقلية كافة ليست ظاهرة علمية غريبة ، بل انها في طاقة البشر لأنها بعض القوي الكامنة التي تخضع للوعي والإرادة . وتحتاج ممارسة الاستحضار والتخير لبعض المزايا القوية في العقل والإرادة ، لانظن ان النفس الإنسانية تقف دونها

