الأمة الفرنسية - منذ ثورتها الكبرى قبيل نهاية القرن الثامن عشر - تدعى أنها الحفيظة على الحرية البشرية ، وواضعة الحقوق الإنسانية ؛ بذلت في سبيلها أغلى المهج والأرواح وسطرتها بدماء أبنائها الأحرار ، وأعلنتها ديناً ومذهباً في فرنسا ، وبشرت بها في سائر الأمر الغربية وغيرها ، وزعمت أن غراس الحرية نبت فى بلادها ، ثم زكا وترعرع ، حتى استوى شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، تؤتي أكلها كل حين ، فيقطف منها الناس جميعاً داني التمر وطيب الجنى
ولقد غلت في حبها وأفرطت في تقديمها ، حتى اتخذها مفكروها محوراً لتفكيرهم ومصدراً لوحيهم وإلهامهم ، وتغنى الخطباء والكتاب والشعراء بالحرية والإخاء والمساواة شعار الثورة. و دثارها ، ودين فرنسا الجديد وانجيلها ! !
فهل كان ذلك حقاً ؟ هل كان ذلك ناجماً عن خليقة مستعدة للخير وطلب الكمال ، أو نخيزة تحفز لرعاية الفضائل ، أو قلب ، ؤمن بأسمى الميادي" ، أو عقيدة دفعت المصلحين إلى نقض بناء الظلم وتقويض دعائم الجور والثورة على القاسطين ، وتطهير الأرض من الظالمين ؟ ؟
نقول - والأسف يملاً جوانحنا - إن موقدى الثورة وحاملى بنودها والداعين إلى مبادئها ، لم يكونوا مؤمنين بها فلم تخالط بشاشتها قلوبهم ، ولم تخرج بها نفوسهم، إنما هي شقشقة هدرت ثم قرت ، وصيحة دوت في الجو برهة ثم لم تنشب أن ذهبت أدراج الرياح ، ولم يلبث كبراء فرنسا وحكامها أن عادوا إلى سابق عهدهم ، وثابوا إلى ما كانوا عليه من استبداد ظالم وغشمرية يختفى فيها الحق ويضيع فيها الضعفاء ، ورجع الأقوياء فيها أشد صيالا ، وأقوى طاحاً . وإلا فما بال الفرنسيين رضوا ينقض عهد الثورة وميثاقها في أنفسهم ، وفي أبناء البلاد التي وقعت في حبائلهم ، فأذاقوهم عذاب الهون ، وصبوا عليهم صواعق غضهم وهم ما اجترحوا سيئة ، ولا ارتكبوا أمراً إذا
ومن هم أولئك الذين يسامون هذا الخسف ويعانون هذا الظلم من مصادرة للخرية ، وإنكار للحقوق الشرعية ، وهدم لاستقلال البلاد، وإضاعة لمعالم العدل والمساواة ؟
هم عرب المغرب ومسلموها في الجزائر وغيرها . هم أنسال أولئك الأمجاد الذين وطنوا بهذه البلاد وبالأندلس منذ آماد طويلة ، فنشروا فيها مبادئ العدل والحرية ، والمساواة والتسامح ، وحملوا لواء العلم والعرفان ، وأرسخوا فيها دعائم المدنية وأركان الحضارة
هم سلالة أولئك الهداة والرائدين من عرب المغرب والأندلس الذين علموا أبناء فرنسا وغيرهم من أم أوروبا ، وأيقظوهم من سياتهم العميق ، وأخرجوهم من ظلمات الجهل والجور إلى تور العلم وضياء الحرية يوم أن كانوا يهيمون على وجوههم يتخبطون في دياجير الجهل ، ويرزحون تجت آصار الجنف والاستبداد
لقد شهد المنصفون من علماء أوروبا ومؤرخيها بعدل العرب وإحسانهم ، ورحمتهم وتسامحيم ، حتى قال جوستاف لوبون : دما رأيت فاتحاً أعدل ولا أرحم من العرب، كما اعترفوا بأن نهضة .. أوريه إنما نبعت من معين العرب ، وشيدت بطلبة البعوث العلمية الذين ارتزوا من مناهل علومهم ومعارفهم في طليطلة وقرطبة واشبيلية وغرناطة ومراكش وصقلية وغيرها . كذلك اقتبسوا من محاسن عاداتهم وقوانينهم ، وانتفعوا بما شاهدوه من زراعتهم وصناعاتهم ، وتنافسوا في ذلك تنافساً عجيباً ، حتى انتشرت هذه المعارف والعلوم ، ويزغت شمها في أوروبا ، ولا سيما فرنسا وإيطاليا وجرمانيا وانجلترا ، وذلك في القرون الوسطى ، فنقلوا عنهم الفلسفة والهيئة والطبيعيات والبعريات والرياضة والكيمياء والطب والصيدلة والزراعة ، وتعلموا منهم الفروسية ، وأخذوا عنهم عمل الورق والبارود ، ونسج كثير من المنسوجات وكثيراً من الحبوب والأشجار
جاء في صحيفة مدرسة ادنبره : إنا لمدينون للعرب كثيراً ، فإنهم الحلقة التي وصلت مدنية أوربا قديماً بمدينتها حديثاً ، وبنجاحهم وسمو همتهم تحرك أهل أوروبا إلى إحراز المعارف ، واستفاقوا من نومهم العميق في الأعصار المظلمة ، ومحن مدينون لهم بترقية العلوم الطبيعية والفنون النافعة
وكثير من المصنوعات التي نقعت أوروبا كثيراً علماً وتعمديناً وقال المؤرخ الفرنسي لافاليه في وصف مدنية العرب والمسلمين: إنهم في جميع الفنون فاقوا المسيحيين ، وبلغوا الدرجة القصوى في الحضارة ، حينها كان أقرانهم من الأوروبيين هامين في أودية الجهالة والوحشية ، فكانوا فوقهم في العلم ومثلهم في البأس ، وكانوا حكماء فى المجالس أشداء في المآزق ) فكيف يجوز لفرنسا أن تعامل في القرن العشرين أمة ماضيها المجيد حافل بالمكرمات والمآثر معاملة العبيد الأرقاء ، وقد كان أسلافها بالأمس معلميها ومعلمى سائر الأمم ، كما كانوا ناشرى الواء الحرية والعلم في أوروبا وسائر أنحاء الدنيا ؟ وكيف سمح لها تحميرها الحى ووجدانها اليقظ أن تنكل بالجزائر في شهر مايو الماضي فتضرب أبناءها ومدنها وقراها بمدافع الطائرات ، وتصب عليها من سفها الحربية وابلا من النيران وحما من سمير الجحيم ، وتسوق الأحرار من بنيها إلى المحاكم فتحكم عليهم بالفناء والموت الزوام! ما ذا صنع أولئك المساكين ؟ وما ذا نقم منهم الفرنسيون ؟ لم ينقموا منهم إلا أنهم آمنوا بحقوقهم وشعروا بالظلم الفادح ينقض
ظهورهم ويثقل كواهلهم ، فرغبوا في حريتهم وفي حياة الكرامة والاستقلال ، وأبوا حياة الضيم والهوان ..
یا فرنسا : خفضى من غلوائك ، واذكرى ما كنت فيه بالأمس القريب يوم الاحتلال الألماني ، واعلمي أن في بلاد المغرب يلاء لا ينامون على ضيم ، قد انحدروا من سلالة شرف ومجادة ، وجرت في عروقهم دماء سُلا فهم الأولين الذين جاهدوا في سبيل إعلاء كلمة الحق وتوفير العزة للمؤمنين يستعذبون منا يا هم كأنهم لا ييأسون من الدنيا إذا قتلوا
لا جرم أنه من الخير لفرنسا أن تنظر في سياستها الاستعمارية القديمة فتتنكب سبيلها ، وترد إلى تلك الشعوب حقوقها ، فيذلك وحده تبقى السلم ، ويعم العالم الأمن ، وإلا فبواعث الحرب قائمة ، و نذرها مائلة ، ولن تكف الشعوب المهتضمة عن المطالبة بحقوقها ، ولن تنى فى الجهاد والاستشهاد في سبيل حريتها
إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في شيء حقير كطعم الموت في شيء عظيم

