الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 211 الرجوع إلى "الثقافة"

الاستعمار فى الاسلام

Share

أساس الحياة في الإسلام أن الملك لله ، وأن الحكم لله لا لأحد من خلقه ، وان الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة ، فلا يصح لمسلم ان يطلبها لذاتها ، ولا أن يعصي الله فيها بظلم نفسه أو بظلم غيره فالاستعمار بمنعاه المعروف باطل من أساسه في نظر الإسلام ، لانه إخضاع للناس لغير الله ، فردا كان أو أمة ، وتناحر وتقاتل في سبيل المال والتجارة والدنيا ، لا في سبيل الله ، وحكم للناس بالقوانين الوضعية لا بقوانين الله ودين الله .

والحاكم الإسلامي ، أي الذي يحكم بالإسلام وللإسلام فرد من الناس ، ليس له فضل عليهم إلا بتقوي الله ، فهو يحكمهم باسم الله ، لأنه من أبصرهم بدين الله ، واقدرهم على التزام حدود الله في نفسه ، وعلي تنفيذها في غيره وهذا وحده كاف للحيلولة بينه وبين استعباد خلق الله بالظلم والهضم والإذلال

والحاكم الإسلامي له الطاعة على الناس ما أطاع الله فإذا عصاه فلا طاعة له على الناس فيما عصي الله فيه ؛ أي أن الناس في حكومة الإسلام في حل من عصيان الإمام الحاكم فيما يخالف الدين ، لأنهم مأمورون إلا يطيعوا غير الله وهم إنما امروا بطاعة الحاكم لأنه القوام على تنفيذ الدين وأحكامه في نفسه وأهله ، وفي غيرهم من الناس وهذا اقصي حدود تحرير النفس البشرية من كل سلطان غير سلطان الله .

ولا خوف من أن يؤدي هذا المبدأ الإسلامي إلي الفوضى ، لأن حدود الإسلام ومعالمه معروفة بينة بالكتاب والسنة ، والحكم بمخالفة الحاكم للكتاب والسنة في أمر من الأمور ليس إلي فرد ، ولكن إلي أهل الحل والعقد من المسلمين وأهل الحل والعقد ليسوا في الإسلام أكثر

الناس مالا ، ولكن أكثرهم علما واتقاهم وأطوعهم لله .

فالحكومة الإسلامية هي إقامة لدين الله في الأرض ، قانونها كتاب الله وسنة رسوله ، ولا قيمة فيها لما خالفهما من آراء الناس ، وقوانين الناس ، مهما عظمت او عظموا في رأي العين .

ومن هذا ينتج أن الاستعمار بالمعنى المعروف ليس موجودا في الإسلام ، وإن وجد في تاريخ المسلمين لأن الغرض من حكم الغير في الإسلام هو اقامة حكم الله في أرض الله التي يسكنها ذلك الغير ، فإذا تعهد ذلك الغير بأن يقيم حكم الله في أرضه ترك وشأنه في بلاده ما دام قائما لذلك التنفيذ . وهو لن يقوم به طبعا إلا إذا سلم فمه ودخل في الإسلام ؛ وهذا بعض السر في أن الدعوة إلي الإسلام كانت تسبق القتال دائما في الحروب الإسلامية في العصر الأول . فإذا أسلم العدو ترك وشأنه في دياره لا يدخلها جيش المسلمين ليقيم فيها ، أو ليحكمها ، لأن تلك الديار باسلام أهلها تكون قد دخلت في الوطن الإسلامي العام ، وفي الأخوة الإسلامية العامة التي غايتها إقامة دين الله في الأرض ، والتى شعارها إسلام الوجه والقلب لله . والأمثلة على هذا في تاريخ الفتوح الإسلامية الأولى كثيرة ، وليرجع إلي ابن الأثير في تاريخ فتح فارس في موقعة القادسية من شاء

والعمل الذي جري عليه المسلمون في الفتوح مبني علي عمل الرسول صلى الله عليه وسلم حين كتب إلي الملوك يدعوهم إلي الإسلام ، فإن كتبه صلى الله وصل عليه ناطقة بأن الملك أو الأمير المخاطب إذا أسلم أقر علي ملكه أو إمارته ، وإن لم يسلم فعليه إثم رعيته وهذا واضح في أن إسلام الذي دعي إليه ليس المقصود منه إسلام شخصه فقط ، ولكن العمل بالإسلام في الناس ، وان يتم هذا طبعا حتى يسلموا . فاقامة دين الله في الأرض بين قوم

تستلزم اعتراف هؤلاء القوم بدين الله ، ودخولهم فيه . وعندئذ تسلم لهم أرضهم وديارهم كما كانوا قبل الإسلام ، لم يتغير فيها إلا قانونها وطريقة الحكم فيها ، فهو تغير لمصلحة الناس أفرادا وجماعة ، إذ شتان بين حكم الفرد أو الجماعة بالعقل أو بالهوي أو بالمصلحة المؤقته ، وبين حكم الله طبق سننه سبحانه التى فطر عليها الخلق . المتمثلة فيما  انزل سبحانه في الإسلام من أحكام

أما إذا لم يدخل الناس في الإسلام كما دخل ملكهم أو أميرهم الذي أقره الإسلام عليهم ، ولم يخرجوا علي لذلك الأمير من أجل ذلك فإنه يحكمهم بدين الله ، ويكونون هم  في ذمة الإسلام لا يظلمون ولا يهضمون ، احرارا في خاصة دينهم وعبادتهم ، إلا أن يكونوا وثنين ، فإن الإسلام لا يقر الوثنية بحال ، لأنها منتهى الضلال من الله أما ما زاد على الاعتقاد والعبادة الخاصة من أمور المعاملة ، فالحكم فيها لله طبق شريعة الإسلام ، أي طبق ما يعامل المسلمون به انفسهم ، على ان يؤدوا مبلغا صغيرا يطبقونه في غير إرهاق لهم ، يفرض على كل فرد منهم مقابل حمايته وحماية بلاده وحماية عرضه وماله من كل من يريد الاعتداء عليه . وعلى المسلمين اجمعين ، حكومة وافرادا ، ان يحمو من ذلك كما يحمون انفسهم ، ويبذلون في سبيل ذلك ما يبذلون لانفسهم ، لانه في ذمة الله وذمة الإسلام وذمة المسلمين ومن أجل ذلك سمي ذميا

فلقب الذمي لقب تشريف وتأمين ، لا لقب تعبير وتحقير ، إذ لو كان المراد منه التحقير ما كان حكمه في الإسلام ان له ما لنا وعليه ما علينا أي التسوية التامة بينه وبين المسلمين ؛ ودفعه الجزية - كما يسمي ذلك المبلغ القليل الذي يدفعه - لا ينقض تلك التسوية ، لأنه دفع في مقابل : هو يدفع المال القليل ، والمسلم يدفع عنه ولو يبذل نفسه ، من غير ان يتكلف الذمي ، غير المسلم ، في سبيل الدفاع شيئا

وهذا أمر في التشريع الإسلامي عجيب ، وفرق بين الاستعمارين الإسلامي والأوربي عظيم لان الإسلام يحتم على المسلم ان يدافع عن الذمي ويحمية ولو يبذل نفسه من غير ان يتعرض الذمي لخطر أو القتال ، ومن غير أن يرزأ إلا ذلك القليل من المال . وشتان بين هذا وبين ما يفعله الغرب من تجنيد أهل المستعمرات وتعريضهم للأخطار وحملهم على القتال دفاعا عن حاكمهم ومستعمري بلادهم .

فالاستعمار الأوربي يضحى  بالقادرين من أهل مستعمراته دفاعا عن نفسه ، وليس أهل المستعمرات خاضعين له ، فهو يذلهم ويرغمهم على بذل نفوسهم في سبيل دوام ذلهم ، وهذا منتهي الظلم المبين . أما الاستعمار الإسلامي - إذا صح ان يسمي الحكم بين الناس بدين الله استعمارا - فيسوي بين المحكومين والحاكمين في الحقوق والواجبات ، لا يعرضهم لخطر ولا لقتال ، ولكن يدفع عنهم الاخطار مقابل قليل من المال يأخذه منهم كل عام ، يستعد به لذلك الدفاع عنهم ، وليستعين به ايضا على إقامة  حدود الله بينهم ، وان ينشر بينهم العدل والرحمة طبق دين الله .

والمهم فى كل ذلك هو أن الإسلام يوجب على المسلم ان يحكم نفسه وغيره بدين الله ثم حين يخضع الذمي لله إنما يسوي بين الذمي وبين نفسه في ذلك ، لأن الناس كلهم حاكمين ومحكومين ، يجب ان يكونوا خاضعين لله ، لأنهم عباده وخلقه ، يعيشون في أرضه ؛ فأقل ما ينبغي لله عليهم أن ينفذ فيهم حكمه ، فإن لم يطيعوه ويسلموا له بقلوبهم ، وهم عباده ، فلا أقل من أن يحملوا ولو كرها على أن يطيعوه في ظاهرهم لمصلحتهم هم ، ولاستتباب السلام والأمن والصلاح والعدل في الأرض .

وهذا هو السر في أمر الله بقتال من لم يخضع لحكمه سبحانه في آية التوبة : " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ، ولا يدينون

بدين الحق من الذين اوتوا الكتاب حتي يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون .

فالغرض من قتالهم حتي يعطوا الجزية هو إقامة دين الله ، وحكمه بينهم ، وتحريم ما حرم الله فيهم ، لا إذلالهم لذاتهم ولا لأخذ اموالهم لتنفق فيما تمليه الشهوات فالغرض الأول والآخر في الحكومة الإسلامية هو اقامة حكم الله في الأرض لصلاح الأرض وصلاح الناس ؛ فإذا لم يخضعوا لحكم الله قوتلوا حتى يصغروا ويخضعوا لله ، وهذا هو عين ما يفعله المسلم بأخيه المسلم إذا لم يخضع لحكم الله ، كما هو ظاهر آية الحجرات : " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ، فإن بغت إحداهما على الآخر فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلي امر الله ؛ فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل ، وأقسطوا إن الله يحب المقسطين

فالغاية العليا في الإسلام وحكومته هي إقامة حكم الله في الأرض بين المسلمين وبين غير المسلمين على السواء . فإذا دخل أهل أرض ما في الإسلام قنع الإسلام منهم بأن يقيموه بينهم ، وتركوا وشأنهم في بلادهم ، لا يزاحمهم فيها أحد ولا يرزؤهم أحد شيئا ، فان لم يقيموه قوتلوا علي إقامته حتى يفيئوا إلي أمر الله أما إذا لم يسلموا فالإسلام لا يرض منهم إلا بإقامة حكم الله فيهم . ولما كانوا لا يستطيعون ان يقيموه وهم كفار به ، اقامه المسلمون فيهم . فإذا رضوا بذلك سوى بينهم وبين المسلمين في كل شئ ، واخذ منهم الجزية ، ودفع عنهم من غير ان يعرضهم لخطر  في سبيل ذلك ، وكلف المسلم ان يدفع عنهم ولو بنفسه ، وأن يحميهم وأعراضهم مما يحمي منه نفسه وعرضه . أما إذا لم يرضوا بذلك ، فإن المسلمين يقاتلونهم حتى يرضوا ، وحتي يكون الحكم في بلاد الله لله

وفي الحرب كما في السلم لا يخرج المسلم عما شرع الله له في القتال ، فإن خرج فهو آثم . وآداب القتال في سبيل

له معروفة مشروحة في كتب الدين ومنها الايقاتل المسلم إلا من قاتلة ومنها أن يدعي العدو إلي الله قبل القتال ومنها الا يقتل طفل ، ولا امرأة ، ولا شيخ ، ولا غلام ؛ ومنها الا يؤخذ بريء بجريرة مذنب ، والا تزر وازرة وزر اخري ؛ ومنها أن يوفي المسلمون بعهودهم التي يعطونها وان يوفوا بالعهد الذي يصدر من أحدهم ، فإذا امن أحد قوما أو أحدا ، كان على بقية المسلمين أن يوفوا بذلك ، ولا يخفروا أخاهم المسلم في ذمته : " المسلمون تتكافأ دماؤهم بجبر أدناهم على أعلاهم ، وهم يد علي من سواهم .

فمدار الحكم في هذه المسألة كلها هو : هل الإسلام دين الله أنزله على محمد رسوله ؟ إذا كان كذلك لكذلك - لم يكن هناك استعمار إسلامي ، ولكن استعمار إلهي إقامة لحكم الله في الأرض ، وتسوية في ذلك بين الناس اجمعين ، حاكمهم ومحكومهم . وفي ذلك صلاح الناس ، لاصلاح لهم إلا به ، وفيه تحريرهم من كل سلطان غير سلطان الله .

اشترك في نشرتنا البريدية