ان الاستعمار قبل كل شئ ظاهرة اقتصادية فهو الاستغلال المتكالب المقنن الذي لا هوادة فيه ولا ضعف ، فمعظم سواد العمال الاهليين ليس لهم بالجزائر سلم أجور متحول ولا عقود مشتركة ولا منح عائلية وليس لهم متزود (Cautine) ولا مساكن عملية فهنا مدلول الاجر له مفهومه الحقيقي اي المستوى الادنى الضرورى لاسترجاع القوى العاملة . ففي ارويا اصبح هذا المفهوم أقل صحة بفضل انتصارات العمال الذين نجحوا فى الحصول على بعض الكماليات كالراديو او الدراجة او ستائر النوافذ اما هنا فأربعة جدران من الطين المجفف وجلد كبش مفروش على الارض وخبز وشريحة يضمنان الحريرات (Calories) الضرورية لاستمرار الحياة والقيام بعشر ساعات من العمل كل يوم فالقرى التنكية (Bidonvilles) والغيران المسكونة والتغذية دون الكافية والوسخ والامية واعاجيب البلوى والتسول (La cour des miracles) (2) - وقد اصبحت على نطاق قومي - تلك هى مظاهر الاستعمار
وهي بلا شك ابرزها معرفة لدى الناس لكن الاستعمار له وجه آخر اقل ظهورا ولمسا واصعب انقيادا للوصف لا يمكن التعبير عنه بالوثائق او الاعداد لانه ملك للنفسية والحادث اليومي معا ويجب للتعريف به او قل للاشعار به الاستعانة بالنادرة وتحليل الكلام الجاري على الالسنة وباكوام الحوادث الصغار والاشارات الخفية التي لا خطر لكل واحدة منها على حدة بينما مجموعها هو الذي يكون المظهر العميق للاستعمار الذي هو قتل روحي .
وان تعبير القتل الروحي لينكره المتهم به . والمعمر لا يؤمن بالمجردات
انما يؤمن بالارض وبالانتاج وبالحاكم العام وبالسيارات الاميركية ثم ان ذلك التعبير ليذكر بحقد وقساوة ، والمعمر الجزائري ليس من مزاجه ان يكون حقودا او قاسيا ولقد يكون اقرب الى صفاء الود وطيب المعاملة وحب الضحك والرخاء فهل صدر منه قط أن اساء على قصد منه لابن البلاد ( Indigene ) ؟ فهو لم يسع الى طرده او محقه واذا قوبل بماحق الجنس ( Genocid ) الانقلوسكسوني في اميركا فالمعمر محق فى ان يكون فخورا بمعاملته لابن البلاد وقد احترم تقاليده ودينه وشقاءه ! فما يمكن اذن اذن ان نؤاخذه به وخلوه من المعرفة التاريخية الحقة يجعله يؤمن فى سذاجة ان ابن البلاد قد بقي على الحال التى وجده هو عليها وهو يجهل ان القرى التنكية ليست صورة التعمير التى يفضلها المسلم وهو لا يعرف ان انتشار الفاقة والامية والبطالة هي فى قسط كبير صنيعه وهو بالخصوص لا يشعر باعظم اساءاته ويجهل ان جرمة الاعظم هو صورة تلك الصورة لابن البلاد التي صنعها هو المعمر صنع نقود زائفة غير أنها حظيت بالصرف القانوني وصورة فى نفسها لا يكون منها عظيم الاساءة غير انها على ذلك شر صور الاستبداد التى اخترعها الانسان . وويل كل الويل لمن يجد على طريق غيره صورة لنفسه فعبثا سيحاول ان يتنازع واياها للتخلص منها ، فالصورة اقوى من الواقع وهي ما عدا ذلك ان تدم ولو قليلا ينته بها الامر الى ان تصبح حقيقة .
ان الاستعمار قد صاغ بافريقيا الشمالية صورة ووضع لها اسما : " العربي " (l,arabe) فما هو العربي ؟ هل هو خلف اولئك الغزاة المشهورين في القرون الوسطى ؟ لا ولكنه ذلك الكائن الغريب الذي يمر هناك لابسا " جلابة " ممزقة وعلى رأسه " شاش " مدران وزوجته مغطاة بلحاف ابيض وابناؤه يمشون حفاة وليس فيه مجال للالتباس فجميع تقاطيع وجهه وجميع خصائصه الاخلاقية تشهد على جوهره " العربي " فهو لا يعرف القراءة والكتابة وهو يستعمل في الكلام مزيحا مشوها من اساليب التعبير ويؤمن بمحمد ويفترش الارض ويأكل " الكسكس " ولا يغتسل قط وهو وسخ وكذا وكسول ومختلس ومباد بالشر ، فلا تتنازع وإياه لانه يستعمل الشفرة ولا يمارية فى ذلك احد ، ولا تكلفه عملا شاقا لانه ليسر فيه موهبة تؤهله لذلك ولا يجد هو لذة للقيام به وان فعلت فسيوافيك " بعمل عربي "
وهذا التعبير قد جرى مجرى الامثال لكن على كل فاستعمله في الاشغال التي لا طائل تحتها اذ يمكنك ان تناوله الاجر الزهيد دون ان تخجل من ذلك اذ ليس له ضروريات .
فما هو اصل هذه الصورة ؟ ان كشف ذلك ليس بعسير فتلك الصورة مستمدة من جوهر الحدث الاستعماري .
توجد في العالم غير الاستعماري طبقتان اجتماعيتان : المعوزون (Proletaires) والبرجوازيون . فلباس المعوزين دون لباس البرجوازيين ولغتهم اكثر جفاء وايديهم شثنة ولكن الفرق بين الطبقتين يقف عند هذا الحد اذ المعوزون والبرجوازيون من انموذج طبيعي واحد وهم يتكلمون لغة واحدة ويحبون اشياء واحدة ويؤمنون او لا يؤمنون بإله واحد وهم يختارون اسماء واحدة وقد تربط بعضهم ببعض صلة قرابة وقد اعترفت البرجوازية للمعوزين بالمساواة القضائية السياسية وعلى حسب ما تجعله في الوطنية من المفهوم الصحيح فهي تقر بانتسابهم اليها .
فلا شيء اذن فى حقيقة المعوز او صورته الحديثة يثبت قانونيا منزلته. فالاجير اجير من باب الصدف ومنزلته عارضة لا تستنتج من جوهره ، لذلك فهي للبرجوازيين عتاب مستمر ومدعاة دائمة لوخز الضمير .
وشمال افريقيا طبقتان اجتماعيتان ايضا : البرجوازيون والمعوزون لكن بها ايضا شعبا " وجنسان " : الاوربيون والعرب اذ ان الاوربيين هم البرجوازيون والعرب هم المعوزون فالعرب اذن هم طبقة وجنس معا . فمن حيث انهم جنس او بأصح تعبير من حيث انهم شعب فهم سمر الوجوه يرتدون " الجلابة " ويعبدون الله ومن حيث انهم طبقة هم يرتدون الخرق الممزقة ويفترشون الأرض وبما ان تلك الحال دائمة منذ ١٢٠ سنة انتهى الامر بوقوع الالتباس في نظر الاروبي بين الجنس والطبقة وبين العربى والشقاء .
فالجنس المعوز تصور غريب لكنه يعرف بالحدث الاستعماري ، والى هذا العامل الاول يجب اضافة عامل ثان وهو ان الاستعمار سد طريق التاريخ امام الشعر المستعمر واوقف سيره إيقافا في اواسط القرن التاسع عشر عندما بدأت
تنشأ مع الصناعات الكبرى المدرسة الاجبارية والصحافة الكبيرة والكتاب الرخيص وليست اللغة العربية في الجزائر منذ سنة ١٨٣٠ لغة كتابة الا إضمارا
وان لها حقا مجموعة علامات خطية كان يستعملها قديما فى الكتابة ابن خلدون لكن ليس لتلك البلاد عمليا كتب او جرائد تطبع بتلك اللغة فاللغة العربية اذن قد تراجعت الى قانون اللغة غير المكتوبة كالبولينيزية le polynesien والبروتونيه السفلى le Bas - Broton ومنذ عام ١٨٣٠ لم يقرأ ابن البلاد شيئا الا ان كان يحسن اللغة الفرنسية ولكن من سيعلمه تلك اللغة ؟ فثمانية اعشار الجزائريين ليسوا منخرطين في سلك التعليم وهكذا اضيف إلى التدهور الاقتصادي التأخر التاريخي وهذا وذاك جعلا من ابن البلاد الجزاثري ذلك الهائم في القرون الوسطى الذي يريد ان يرى فيه المعمر ابن البلاد فى ذاته " والعربي " الباقي على ما فطره الله .
وهكذا " تموضعت " الصورة فاصبح المعمر فى معزل عن وخز الضمير والاستغلال الاستعماري مبررا تبريرا فلسفيا ، واستحال فى اوروبا على البرجوازي ان يؤمن دون رياء ان المعوز من جوهر مخالف لجوهره لانه يشبهه شبها شديدا اما هنا فالفرق واضح يرى ويسمع ويحس والفرق الانساني بعلل الفرق الاجتماعي ويبرره ، وبما ان العربي ليس له ضروريات فما الحاجة فى رفع اجره ؟ وبما انه يحب الاضطجاع على الارض فما الفائدة من الدور وما الفائدة في علاج ابناء البلاد ؟ " فهم لا يموتون " ! وما الفائدة حتى في احترام حريتهم ؟ وقد أتى حاكم تحقيق وقد يطلب منه السراح الموقت لفائدة اطفال مسلمين أحيلوا على الايقاف على اثر مظاهرات فاجابهم : لماذا ؟ فهم في السجن احسن منهم في منازلهم ! وشر ما في الامر ان ذلك كان حقا !! ...
فمنذ ذلك الوقت قد فقد " العربي " صفته البشرية وليس هذا تعبيرا مجازيا , ولكنه الحقيقة التي يعيشها العربي . والانسان كائن يثير في نفسي شعورا باطنيا خاصا فله في اعتباري حظ اجتماعي ادنى بحيث ان كنت لا اعرفه سميته " سيدي " وخاطبته " بأنتم " وان يحتج أعنه او ألتمس فى باطني اعذارا عن عدم تقديم الاعانة له وان أر رجلين يتشاجران افصل بينهما او أول وجهي عنهما
لئلا اراهما . وليس ذلك بصحيح بالنسبة للعربي لان العربي "انتية" tutoiement النكرة وركلة الشرطي ونفاد صبر الشباكي (Guiehetier) والعربي هو الذي ينادي به لحمل الحقائب او غسل السيارات ولا يكاد يراه احير المغازة حتى يضاعف غريزيا مراقبته ، والمراة المنفردة حتى تسرع خطاها فى حركة آلية ، وهو ان جرح او مرض لا يثير شعور التضامن او الرأفة العادية ، فليس باوربا " سيدة قاضلة " تتحمل ان ترى طفلا فى الخامسة من عمره يضطجع الرصيف اما هنا فذلك متحمل لانه مألوف ، ولانه - وذلك اعمق - عادي . فالعربي لا يستوقف السيارات الخصوصية لنقله مجانا (Auto- Stop) ولا يطلب من مزوديه ان يثقوا به وان يفعل ير لزاما عليه ان يترك بايديهم رهنا فهو يعرف انه ليس بانسان في نظر الاروبي فيسلك سلوكا يتماشى وذاك ، فلا يطالب بل يتردد ان وجبت الشكوى والمطالبة وان يطالب يكن ذلك فى اكثر الاحيان فى صورة انفجارية لانه يعلم ان مطالبة بسيطة منه لا تسمع ، ويزعمون انه خصوم حقود والحقيقة انه لا يجهل انه يجب عليه ان ينتصف لنفسه .
واما ان العربي ليس برجل فذلك ما يشهد به التعبير الاروبي : سأل الحاكم اوربيا كان يؤدي شهادة لدى المحكمة هل كان هنالك شهود آخرون فقال : نعم خمسة منهم رجلان وثلاثة عرب ! فهذه عبارة كلها انارة ، فالعربي ليس برجل ولكنه عربي واذا قيل لكم ان هناك " من " يريد الاتصال بكم فذلك الـ "من" هو اوربى لانه لو كان المعني عربيا لخصص لانه لا حق له في منزلة " من " المجهول فهو خارج عن المفهوم العام واليك عبارة اخرى عجيبة سمعت حديثا : انه عربي لكنه لابس لباس رجل ! انها لعبارة بليغة في بيانها ! فاللباس الاهلي الذي يكفي لتعيينه يكفي ايضا لسلب شخصيته . لذلك فالمسلمون الكثيرون الذين يريدون ان يتخلصوا من معاملة الاوربي لهم كعرب يرتدون اللباس الاوربي لكنهم وهم لا يجرؤون على تعويض قلنسوتهم القومية بالقبعة الاوربية التي يعتبرها اخوانهم فى الدين كعمل مخجل ، لكنهم والحالة تلك يبقون مكشوفي الرؤوس في الشتاء والصيف والشمس والمطر .
والعربي المطرود من المفهوم العام هو ايضا محروم من " الفردية " فالذكر محمد والانثى فاطمة فللعرب اذن لقب واحد اذ هم من جنس واحد فالعربي قد
اضاع جميع صفاته الانسانية واحدة واحدة لذلك فهو لا يحسب له حساب او نصيبه نصف الحساب فيقال في طبيب له حرفاء كثيرون : نعم لكنهم عرب .
ففي المركب العاطفي الذى تتكون منه العنصرية الاستعمارية يوجد الحقد والاحتقار وآللامبالاة ولكن الحقد ليس بالعنصر الغالب الا اذا كشر المستعمر عن انيابه . وفي زمن السلم الاجتماعية لا يعتبر العربي كائنا مؤذيا يجب محقه فلا يوجد كلف بكراهية العربي كما يوجد كلف بكراهية اليهودي والاحتقار اشد من الحقد ولكنه ليس ايضا العنصر الاساسي وبقدر ما يشتمل عليه من شعور بالسمو فالمعمر لا يعتبر نفسه افضل لسبب بسيط وهو انه لا يضع نفسه موضع التفكير اعني انه لا يعتبر نفسه شعبا خاصا له ثقافة معينة يمكنه ان يبدي فيها حكما معياريا كما هو شأن العنصرية الالمانية فالمعمر فى نظر ذاته هو المتمدن كائنا من كان لا غير ، هو الرجل فحسب هو الانسان غير المعين . والعربي هو المخالف له فهو الذي لا يلبس ككل الناس وهو الذي لا يكون منه رد فعل موافق للطبيعة وهو الذي لا يفكر كما يجب التفكير فهو غير الانسان لذلك فالاحساس الذي يتكون منه جوهر العنصرية الاستعمارية هو احساس طرد ونفي بحيث لا يبغض المعمر العربي ولكنه يجهله ولا يريد ان يعلمه . وليس فى الحياة الاستعمارية بالجزائر جزئية من الجزئيات لا تحمل سمة ذلك النفي .
ولقد لاحظ صحافي اميركي عند زيارته لشمال افريقيا انه لا اثر في هذه البلاد للنبذ الجنسي (Segregation raeiale) والحقيقة انه لم ير ما عهده فى بلاده من لوحات يتب عليها " ممنوع " او " محظور " لان هذا الشكل العام من النبذ لا وجود له هنا اذ لا فائدة فيه . فلا توجد بمدخل نزل ( الريتز ) لوحة تمنع العمال من تناول الشاي فيه لانه لا موجب لتلك اللوحة . وكذلك هنا فالعربات من الرتبة الثالثة ليست مخصصة رسميا لابن البلاد ولكنه يقصدها . وصحيح انه اذا قصد عربة من الرتبة الاولى فانه يكون ممتازا لانه سيجد نفسه وحيدا فيها ، الا ان كان بالقطار ازدحام شديد . وللعرب احياؤهم ومقاهيهم ودور خيالة خاصة بهم لا يقصدها ابدا الاروبيون . والنبذ غير متبادل وهذا شانه دائما اذ الادنى يريد ان يتجه الى الاعلى لكن الاعلى لا يبادله بمثل لطفه . ولابناء البلاد حتى اطباؤهم ومحاموهم لا لانهم يختارونهم ولكن لان هذا الصنف من الحرفاء يطرد الآخر
فيكون الاختصاص بطبيعته والعرب والاوربيون فى الواقع يتقابلون فى المحافل الرسمية لكنهم لا يتزاورون فصلات الصداقة بينهم قليلة جدا والاتصالات الجنسية تكاد لا تكون والتزاوج لا وجود له ولا يلعب الاطفال الاوربيون مع صغار العرب لا لان اللعب معهم محجر عليهم لكنهم كانوا منذ المهد يهددون بمناداة " العربي " ان لم يكونوا ودعاء فلا يكون اللعب اذن مع ابناء الغول (loup garou) !. .
بالمعمر ينفي كيان العربي وهو اشد نفيا لثقافته . واللعنة التى تثقل كاهل العربي تصيب منه لغته وفنه وماضيه وحياته وان حدث كثيرا ان يتكلم المعمر باللغة العربية فلان الحاجة تدعوه الى ذلك لكنه لا يجهد نفسه فى اتقانها ولا يفخر بذلك . فالاقسام العربية بالمعاهد الثانوية تحوي حوالي ستة تلاميذ بينما تطفو بهم اقسام الانجليزية وتعتبر الموسيقى العربية اعني الاندلسية موسيقى وحشية والافلام المصرية لها نظارة اهليون فحسب وقاعات خاصة بها ، واذا بنى المعمر منزله استمد الالهام من منازل سويسرا الجبلية او المعابد الاغريقية لكنه لا يستمده ابدا من الاسلوب المغربي (mauresque) مع انه انيق وملائم للمناخ ، ومن جميع مقومات الروح والذوق الاسلاميين لم يرد المعمر ان يأخذ غير " الكسكس " واحسن من ذلك ان الوانا واشكالا تنبذ رغم جمالها الذاتي لانها تبدو " مغربية " ويعيش مسلمو شمال افريقيا حياتهم ويتابعون احاديثهم بمعزل عن الاوربيين فيكونون احزابهم او يحلونها ويقيمون حركاتهم الدينية والفلسفية دون ان يقرع صداها آذان مساكنيهم فاليك مثالا واحدا لذلك وهو انه لا يوجد واحد فى الالف من الاوربيين القاطنين بمسقط رأس الشيخ الابراهيمي يعرف اسمه بينما تقرأ كتابات ذلك الفقيه التلمساني في جميع الاقطار الاسلامية ويقبل في الباكستان بما يليق بالملوك من الاجلال والتقدير . فأجر اختبارا وسل اوربيا من اوربي الجزائر من " العلماء " تجده جاهلا ، وما هي الاحزاب الجزائرية ؟ انه لا يميز بينها . وما هو ماضي الجزائر ؟ انه لا يعرف . وما الفرق بين البربري والعربي ؟ انه يتردد . واني كنت محل إعجاب الكثيرين من مواطني عندما اطلعتم على ان احد مطالب ابناء البلاد الاساسية هو الفصل بين الدين والدولة فقالوا أولم يقع هذا الفصل بعد ؟
فقلت لا ان الحكومة هي التي بالجزائر تسمي المفتيين والأئمة العديدين وتمنحهم مرتباتهم .
والنفي موجود ايضا في عالم الادب فافريقيا الشمالية لها كتاب فرنسيون ممتازون لكن يلوح ان اكثرهم لا يتوهمون وجود ابن البلاد واننا لنحذر من ان نوجه لهم لوما في ذلك لان الكاتب الاصيل وجب عليه - ان اراد الفرار من ادب الموعظة - ان يستمد كتاباته مما عاشه واحس به ، وكيف يمكن الكاتب الذي ولد ونشأ في الوسط الاوربي ان يعيش المشاكل العربية او يحسها . ان المسافة البحرية التي تفصل بين الجزائر وفرنسا لا تتجاوز الف ميل لكن مسافة الاستعمار التي تفصل بين الحي الاوربي واليى العربي تقدر بما بين الكواكب
عندما اتى المعمرون الاولون الجزائر لم يأتوها قصد الاقامة بها والانجاب فيها انما ارسو بها كما يرسي الآن غيرهم بالتوقو او القويان مضحين فيها بعيش سنين من حياتهم قصد الاثراء ثم العودة الى اوطانهم لكنهم وجدوا بها الارض خصبة واليد العاملة متوفرة والمناخ معتدلا فبقوا بها وانجبوا والاغلبية الساحقة اليوم من فرنسي الجزائر لهم آباء جزائريون واجداد جزائريون فهم اذن هنا في بلادهم وتلك ارادتهم . وهكذا فالخاصية الغريبة للمشكلة الجزائرية هي وجود شعب يريد نفسه جزائريا وفرنسيا معا على حين انه لا يقبل مساواة الشعب الجزائري بالشعب الفرنسي والمعمرون يرفضون هذه المساواة لاسباب اقتصادية مقصودة لكنهم يرفضونها ايضا في قلوبهم ، فهم يعتبرون الجزائر بلادهم لا وطنهم فهي قد بقيت المستعمرة لان المعمر قد احتفظ فى نفسه بما كان لجده من اعتقاد فانه هنا ليربح المال لا ليشيد وطنا فما الفائدة من ان يخلق متاحف ومكتبات ويحفظ آيات الجمال الطبيعي ويفتح المنتزهات وينسق الشواطيء وهل سيزيد ذلك فى انتاج الهكتار ؟ ولا شيء يماثل الحزن والبشاعة المنبعثتين من القرى الجزائرية فى منطقة الاستعمار . لكن المعمر يسخر من ذلك لانه إذا تاق الى الامن والخضرة وفتنة المناظر ، الامر بسيط ، فهو يمتطي الباخرة او الطائرة الى فرنسا وعندما يرجع من اقامته السنوية بمدن الاستجمام الفرنسية يلاقي باحتقار " ارضه "
الجزائرية العارية البائسة المهملة البالية وقد اخذت الفضاعة الاستعمارية تطمس بدائعها رويدا رويدا . وتبقى ام الوطن الوطن الحقيقي فالانظار متجهة اليها وهي التي تزود بالافكار والكتب والاساتذة وهي منبع الابدوعة (La mode) والادب واذا اجتازت الثقافة البحر تقهقرت تقهقر سنين وكثيرا ما يصيبها تلف ولكن لا اهمية لذلك لان كل ما يأتي من ام الوطن يحظى بزيادة فى قيمته ويقابل ذلك انه من المخجل ان يكون الرجل جزائريا ولهذا اللفظ مدلول احتقار فيقال ان هذا لجزائري للذم لا للمدح ويحظى هنا " فرنسيو فرنسا " حظوة خاصة قريبة الشبه بالحظوة التى يحظى بها الباريسي فى الاقاليم وهذه هى الجزائر اي " اقليم اقليم " بما لقروي الاقاليم من حقير السمات ومضحك السلوك وهى ارض " الاعيان " والمعمرين والتجار والموظفين اولائك الامراء الذين تخصص لهم الصحافة المحلية طوال الاعمدة للتعليق على زواجهم وموتهم واقتبالاتهم واوسمتهم فالوالي هنا شبه الملك فانتقاله حادث عظيم وما يكاد يفتح فاه حتى ترحب صفحة كاملة من جريدة باقواله " الكريمة " التى حملت " طمأنينة الوجود الفرنسي " لسكان النجاد اما الوالي العام فهو الرب !
والقول بان الجزائر مجموعة ثلاث مقاطعات فرنسية لوهم شرعي لان الجزائر ليست بمقاطعة ان هي الا مستعمرة قدورها تقديم المواد الخام والمنتوجات غير المصنوعة اذ المهم في انتاجها الكثرة لا الجودة وهذا صحيح في الميدان الاقتصادي وصحيح ايضا في الميدان الثقافي فزارع الكروم الجزائري لا يفكر في ايجاد منبت جيد ولا يفكر ايضا في خلق ادب او فن اذ ان دور المستعمرة ما كان ولا يكون في تشييد ثقافة والثقافة الحقة هل هي ممكنة الوجود اذا فقدت ما يربطها بشعب او بماض والاستعمار قد ارجع الشعب الجرائري الى العدم وابطل ماضيه واذ ان الجزائر ظهرت فجاة ذات صباح من سنة ١٨٣٠ على الخريطة بملايين هكتاراتها القابلة للتعمير فما كان هنالك وقت كاف لزرع الارض والعقل معا .
أتريدون خلق جماعة جزائرية ؟ لكن مع من ؟ مع العرب ؟ دعكم من التفكير في ذلك ! فاذا دار الحديث بمحضر معمر عن تمكين ابناء البلاد من القيام باعباء الحرب والوظائف يشعر بنفسه يغيب عن الوجود وذلك ان صورة العربي التي صنعها هو نافذة الى اعماقه نفاذا يجعله يرى محالا ومضحكا ان يكون " عمدة " او حاكم
مرتديا برنسا وعلى كل لو قبل الاوربي ذلك لبرهن العربي على قصوره عنه ولقد قيل لكم ان العربي جوهره الفقر وطبعه الكسل وذوقه الوسخ وقريحته الجهل واليكم مثالا والامثلة اكوام ومنها ما هو صحيح فلا نعجب من ذلك وان الاستعمار انتهى في آخر الامر لطول المدة بتكييف المستمر وبما ان العامل الاهلي لم يخضع قط لقانون المدرسة وبما انه يسير ابا عن حد حافي الرجلين فاقد ضمان قوته لليوم الموالي سهل عليه ان يختلق لنفسه عقلية غير قارة عديمة الشعور بالمسؤولية متمردة وبما انه لا تكوين له ولا حرفة ولا روابط مهنية فهو يهيم على وجهه في البلاد مستعجلا او كد الامور سعيدا اذا ضمن قوت يومه وهو صنعهم ومع ذلك يشكون منه بدون مبرر بقدر ما لا يكون موجب لشكوى الاباء اذا اشتكوا من ابنائهم .
ولم يفكر المعمر فى ان يكون بينه وبين المستعمر غير صلة الاستعمار وهذه قضية تحليلية ، فهو يرى من المستحيل تخيل صلة من نوع آخر واذا بلغه خبر مطالبات ابناء البلاد بالمساواة في الحقوق وبانتخابات حرة تيقن انهم يريدون موته او رحيلة وتذكر قول " الحقيبة او القبر " قيستشيط غيظا - وحق له ذلك - قائلا لم يريدون طردنا ونحن الذين خلقنا هذه البلاد ولو اردتم ان تبينوا له انهم لم يخامر ذهنهم ولو حينا طرده لاصطدمت بجدار لانه كان دائما ولا يزال معمرا وان يفقد هذه الصفة يبارح البلاد اذ هو يشعر - اكثر مما يريد الاعتراف به - بالاضطهاد الاستعماري فهو لا يتصور ان ابناء البلاد يمكنهم ان يأملوا غير رحيل مضطهديهم وان انتم اعترضتم عليه بقول بورقيبة : ان يرد الفرنسيون مبارحة البلاد نضطرهم الى البقاء " هز راسه منكرا ذلك قائلا : هذا هراء وانكم لساذجون وان يكن شيئا ما في حالة ميل الى الاعترافات يغمزكم بطرفه قائلا : والحق يقال لو كنا مكانهم ؟؟ !..
ولا تقول ان البلاد مفتقرة الى اطارات ولا يمكنها البقاء بدون الاوربيين وان العنصرية ليست ضرورية لحياة الكروم وان الجزائر ليس جوهرها ان تكون مستعمرة وانه هو نفسه يمكنه ان يعيش بها ويسعد حظا ولو اصبحت بلادا ديمقراطية كغيرها من البلدان وكفرنسا نفسها مثلا فلا تقولوا له ذلك لانه لا يصدقكم لانه لا يريد ان يصدقكم ومع انه له وظيفتان بهذه البلاد وظيفة رئيس مشروع اقتصادي ومقام سيد اقطاعي فانه لا يقوم الا بالوظيفة الثانية ولا يعترف الا بها وان وجب عليه ان يتنازل عنها ليقتصر على دور رئيس اقتصادي مع ما يمنحه اياه من امتيازات نظام الحكم الاستعماري ان وجب عليه ذلك التنازل التبس عليه شخصه وفضل ان يعود الى فرنسا حيث احتاط بادخار قسط من راس
ماله اراصي وعقارات وانه في الحقيقة قد يغادر البلاد وفي قلبه حسرة اذ انها بلاده اعني ملكه ولكن مغادرته تلك لا تكون نفيا حقيقيا اذ انه في الحقيقة لم يشعر قط بانه في وطنه وهذا عادى لانه ابناء البلاد
حدث الاستعماري مشاكل عظيمة اقتصادية واجتماعية وسياسية لكن المشكلة الاولى هي المشكلة السياسية ويقدم البعض الاجتماع على السياسة وهذا خطأ لان السياسة هي التي تكيف بادىء ذى بدء الواقع الاجتماعي ثم وبالاخص تهيء الارتقاء الى الأنسانية وليس ابن البلاد مبدعا في هذا الشان فهو كغيره من الناس يريد ان يكون انسانا وما العمل لذلك اذ ان المعمر الفرنسي ما رأى قط ولا يرى سوى الادماج اعني التغريب (oceidentalisation) وسيلة لذلك والداعي لذلك واضح وهو ان الغربي والانساني مترادفان في نظره وان يرد العرب ان يكونوا بشرا فعليهم ان يلبسوا اللباس الاوربي ويستعملوا اللغة الفرنسية ومنطق هذا التفكير معروف وهو ان السيد يتحدو " العام " (Puniversel) بينما ينبذ العبد في " الخاص " (le parteulier) ولكن المعمر ينسى بيسر حين يجهر بهذا الكلام انه هو الذي لم يرض بالادماج وهو الذي ما فتئ يعرقله وهو ايضا الذي كاد -حديثا- ان يتمرد على مشروع بلوم فيوليت (Projet Blum - Violette) في منح الجنسية الفرنسية لما يقرب من خمسين الفا من ابناء البلاد المحرزين على او سمة او الشهادة الابتدائية ولا ندري أكان الادماج ممكنا ام لا لو اراده المعمر ولكن يؤمن البعض بذلك الامكان . ولم يزل البرابرة الى زمن غير بعيد سطحيي الاسلام فاقدين فكرة القومية وربما كان عشرة آلاف معلم بالجزائر كافين لرفع عدد الفرنسيين بقدر عشرة ملايين نسمة ، ولقد كان ذلك ممكنا . لكن اليوم قد فات الاوان لان الاسلام والقومية قد احتلا منذ اليوم قلوب الاغلبية الساحقة من ابناء البلاد وافكارهم وما ذلك الا رد فعل لا مفر منه تجاه النفي الاستعماري وهو رد فعل عاد صحيح الشأن في الميدان الاجتماعى والميدان الفردي لان الفرد اذا راى من يحبطون به يهددون وجوده بالانكار كان رد الفعل منه على نوعين : اما انه يسعى في ازالة فرديته والاندماج في المجموع وهكذا كان موقف الاقلية اليهودية بالجزائر واما انه يشتد تعلقا بسجاياه ويدعم فرديته تدعيما وهكذا كان رد فعل جماهير ابناء البلاد .
ان توطيد الاسلام السريع ليس له هنا سوى معنى اثبات الجزائري لذاته من جديد ، وتيقظ الوعي القومي ان هو الا نفي نفي .
