القرآن ينزل المعترك الأبدي بين الخير والشر في الأرض منزلة الاعتبار والاعتراف به ، ويدعو معتنقي مبادئه الا يهملوا النظر إلي هذا العراك وما وراءه من نتائج ، وأن يحملوا أنفسهم على الأخذ بأسباب الأهمية للانخراط في سلك المحاربين في صفوف الخير حربا لا هوادة فيها ولا تخاذل ، ولا غفلة عن ان الشر إذا وجد سبيلا إلي السيطرة على الخير فلن يرحمه ولن يتركه للحياة
إنهما ضدان أبديان ، أحدهما مبصر ذو رحمة ، والثاني أعمى ذو بطش شديد . هما قانونان طبيعيان لهما ما لقوانين الطبيعة المادية من صرامة وأثار ، ولكن مجالها النفس ذات العالم المائع الذي لا حدود بين امواجه إلا ما يقيمه الفكر من حدود اليقظة والإدراك ، وإلا ما تقيمه الدولة الرشيدة من وسائل التربية والتنبيه
وكما ان الناس يخشون ان يمدوا ايديهم إلي منبع كهربي خوف الصعقي والاحتراق . . كذلك يجب ان يخشوا ان يمدوا نفوسهم واخلاقهم إلى منابع الشر خوف الصعق والاحراق والضياع بين قوي الكون العمياء ، التي ليس فيها إلا بصيرة واحدة هي منطقة " الضمير " الذي هو قبس من روح خالق الوجود
ليس في القرآن صوفية بلهاء تمحي عندها الحدود بين الخير والشر ويختلط عالماهما ، وإنما فيه رحابة هي عفو القادرين وسماحة المربين الذين يعطون الطفولة البشرية حقها من فرص الاتعاظ الذاتى . . وفيه سماحة الرعاة الذين يتركون القطيع يرتع في باحة الحدود المرسومة ، ويغفرون له السلم الاجتماعي الذي لا يضير الأسس الأصيلة للحياة .
ولكنهم مع ذلك يقظون غاية اليقظة للحدود ، لا يدعون فيها ثغرة ينحدر منها أعداء الاجتماع : من قوي الشر والإثم والجريمة والحهالة التى تتخطف النفوس البريئة كما تتخطف الذئاب والثعالب الحملان الوديعة والأطفال الرضيعة ، في غفلة من الحراس
القرآن يعتبر الشر كنمر غاشم يهجم دائما ولا يرتد ، فهو نباحه في أغلب آياته ممثلا في اشخاص الفجار والجناه على الحياة ، الذين هم ثمرات معطوبة من ثمرات الإنسانية ، تنقل العطب والفساد والحق إلي سائر نبات الحقل الإنساني ، فيحب تطيبها أولا وإعطاؤها فرص العلاج والشفاء . فإن صحت كان في صحتها نماء وبركات وزيادة في المحصول الإنساني الصالح ، وإن لم تصح كان من الواجب إهدارها وبترها ، وحسم دائها ان يتسرب إلي الثمرات الصحاح التي فيها رجاء الحياة وتقدم خطواها في طريق النمو والارتقاء
هؤلاء الذين يريدون أن يجعلوا الدين صورة من التسامح والتسامي المطلق على دواعي هذا المعترك إنهم لم يفقهوا الحياة فلم يفقهوا الدين : لم يفقهوا الحياة لأنها ما زالت ولي تزال تكفيهم وتأخذ الناس إلي غير ما يتوهم هؤلاء ، لان المشترك يزيد على الأيام حدة وشدة وتعقدا وإبغالا في ساحات الصراع والصدام والمنافسة والمغالبة . وهؤلاء يثنون فيه انين نساء ضعاف او حملان وديعة تنمو بين الذئاب ، فتمزق أنياب الذئاب حناجرها !
ومعركة الحياة هذه لها عذرها الواضح في انطلاقها الآن بدون قيود الأديان ، لأن أغلب الأديان السائدة تدعوها إلي غير ما في طبيعتها . . وقد صارت حياة قوية السلطان بالغة الحجج والآثار ، واصلة إلي اعماق النفوس تنتزع حجمها من دماء الناس التي تغلي في العروق ، وشهواتهم التي تحتدم في الابدان ، ومن روابط الشبكة القوية التي تربطهم بالأرض ربطا وثيقا .
فكيف تضحي الإنسانية بكل هذه الدواعي القاهرة وتعصاها ، وتنحاز إلى تلك الأصوات الخافتة التى وقف أصحابها على شاطئ اللجة يقولون للغرقي والسابحين . ما لكم هكذا تغرفون . . سيروا على الماء بالأقدام واعبروا المحيط بدون ابتلال
لا ! لابد من نزولكم أيها الدعاة إلي اللجة تصارعون امواجها ، وتحسون ثقل اعبائها ، وتقاسون عذاب الخبط فيها بالأيدي والأرجل ، ويصبكم البهر والإعياء من شهيق وزفير متلاحقين ، لتنجوا هؤلاء الغرقي بأيديكم وبسفن الإنقاذ واطواق النجاة العملية ، بدل أن تحاولوا نجاتهم بالكلام ومد الأبدي إليهم من الشاطئ البعيد
وقد كان أكثر الذين حملوا الإسلام الأول تجارا وسياسيين وفرسانا تمرسوا بأسباب الحياة وعركوها اختيارا وابتلاء ، ولم يكونوا بعزلة عن العقل العام للعرب والأمم المجاورة لها ، ولم يكونوا عجزة أو معتوهين أو أذلاء وذوي عاهات ضاقت بهم سبل العيش فجاءوا يحترفون الدين للارتزاق بحكاية قضاياه ومسائله ، بل حملوه إلى الدنيا حمل جهاد به في كل سبيل من سبل الحياة العملية المادية ، ونزلوا بكلماته إلي الأسواق والحقول والمصانع والجيوش ، كما درسوها في المعاهد والمساجد
يجب ان يشعر الذين يؤمنون بالمثل العليا انهم مضطرون إلى مواجهة الحياة الحالية بالوضع الآتي :
أن يكافحوا عوامل الشر والفساد بوجوه كالحة كوجوه اهل الشر والفساد ، ويجاهدوها بمنطق الخديعة والقسوة وإدراك الموقف ، ولا يسبتون البلاهة والغفلة عن مقتضيات الحال .
وان يحتضنوا بيدهم الاخري المثل العليا ، وينموها في مناطق نموها المأمونة ، ويخلوا إليها يحدثها ويكرمون أهلها ويصطنعون معهم منطق السمو والكمال والرحمة
والإغتفار ومراعاة مقتضيات الحال كذلك .
أي أنهم يكونون كمن يضم ابنه بيد رهيقة لينة ويكافح عدوا يهاجمه ويهاجم ابنه بيد اخري قاسية باطشة ، فلا بد له ان يكون يقظ الفؤاد لما يقوم به من عمل مزدوج متناقض . وهذا الأزدواج في الشخصية ، الذي تحتاجه البيئة في عصور الانتقال والاضطراب ، يكلف أصحابه ثمنا غالبا من التمزيق والتبضيع ومشقة السير بخطوتين في طريقين في آن واحد ! إلا انه موقف لا بد منه لكل نفس أمنت بالحق في زمن الكفر به ، وانتدبت قواها للدفاع عنه ، وتريد في الوقت ذاته الا تضيع في معركة الحياة المعاشية في أمم لا تدرك أحبابها وخدامها الحقيقيين ، ولا ترحمهم ولا تبالي بهم في اي واد هلكوا وهلك ذريتهم من الجوع والحرمان !
لقد جابهت نفس رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ، العالم الوثني والكتابي بروح سامية رحبة حسنة الظن في أوائل عهدها بالدعوة ، وحسبت الحق الواضح عندها لا بد أن يكون واضحا لديهم فيسرعوا إليه ولا يكلفوها عناء في قبوله ، فكانت تفيض بالسلام والكرم مع أعدائه وأعداء الحق .
ولكنه بعد ثلاثة عشر عاما تبين أن الشر عنصر عريق خالد له جنود وسدنه وكهان يعيشون به ويدافعون عنه ، كما يعيش هو للخير والحق ويفني لهما ويدافع عنهما
وقد مكث تلك الثلاث عشرة سنة يدعو بالحسني ، ويقلب الحجج علي كل وجه ، ويتحمل من الأذي ما كان يجب ان يفتح العيون وينبه الاذهان إلي ان رجلا يتحمل مثل ما يحمله جدير ان يكون موضع الاعتبار والتفكير والأقتناع بصدق دعوته والقفو علي اثاره .
ولكن دولة الباطل وسدنتها وكهامها دولة فطنة تنظر بعيدا . وقد علمت من أول يوم ان ما يدعو إليه محمد هو
الحق عدو مصالحها الدنيوية ، فإن هي أطاعته فقدت عزها وعرشها وكل ما لها من جاه وسلطان ؛ فأعلنت العصيان من أول ساعة ، وقال قائلها أبولهب تبا لك ألهذت جمعتنا( خذوا علي يديه قبل أن تجتمع عليه العرب " .
ومكثت أمواج دعوة الحق تنكسر على صخرة الباطل الصماء ، ولا تنال منها إلا حصى صغارا
عندئذ استيقظ الحق الأعزل لنفسه وعوامل ضعفه . ورأي الله لرسوله ان العمر يذهب سدي مع مخاطبة هذه الصخرة الصماء فليلتمس سببا غير الكلام لتحطيمها ودفعها من طريق دعوته ، ولدفع أذي الباطل عن الحق وأهله
فاستيقظي إذا يا عوامل التدبير للقوة والغضب بعد أن طال نومك
وليكن الحق المسلح والسياسية المهاجمة والسباق الدنيوي بيننا وبين قريش .
ولكن حرب لا للغزو ولا لتحطيم حرمات الحياة ، وإنما لصيانة حرمات الحياة وحفظ عوامل نموها نقية قوية
وليكن التدبير والدهاء بجوار البراءة والطهارة والصراحة ، ليكون للدولة الإيمان حارس على كل باب يمكن ان يدخل منه الأعداء المتربصون ، الذين إن يظهروا عليه لا رقبوا فيه حرمة ولا ذمة
وكان ما كان من استجابة الحياة كلها لدعوة الحق المسلح ، والعدل المجنح ، بعد أن رآهما الناس في منظر عجيب تجتمع عليه أنظار عباد الجمال وعبيد العصا
فهل المسلمين أن يفقهوا أن المثل الأعلى الإسلامي زل في ارض حرة بين قوم احرار اقوياء ، يتصلون بالطبيعة اتصالا مباشرا ، ليكون كاملا وراء قواعد العقل الكامل وآمال القلب الكامل الذي يحس الحياة في الطبيعة إحساسا سليما عميقا رحبا ، فكان مجال الكمال الاجتماعي والفكري والتعبدي فيه اوسع مجال تنقطع فيه انفاس الحكماء والأصفياء والمشرعين والمصلحين الاجتماعيين ؟ !

