أجملت الثقافة في عددها السابق أهم المقترحات التي وردت في تقرير سير ويليام بيفردج عن التأمين الاجتماعي في بريطانيا العظمى . وقد يخيل للبعض ان التقرير لا يعدو أن يكون بحثا خاصا في علاج ناحية من النواحي الاجتماعية مستمدا من طبيعة البيئة الانجليزية وظروفها ، وانه لهذا لم يكن ليستحق هذا الاهتمام الكبير الذي قوبل به في مصر وغيرها من البلاد . ولكن الامر أخطر مما يبدو للنظرة الأولى . فالمشكلة التي عالجها التقرير ليست مشكلة الإنجليز وحدهم ، بل هي مشكلة الإنسانية جمعاء ، وليس بعجيب أن يتلهف الناس لمعرفة ما وصلوا إليه في حلها ، لعل ذلك يكون هاديا لهم في علاجها لديهم ، والآراء الصالحة كالمخترعات النافعة لا تبقى ملكا لمن فكر فيها او اخترعها بل تسري
بين الناس جميعا ويعم انتفاعهم بها . وكل حق جديد يكسبه الفرد في أمة من الأمم يصير حقا مقررا للأفراد في كل الأمم يسعون لتحقيقه ويعدون الوسيلة لكسبه .
ومشروع بيفردج لا شك يقرر للفرد حقا جديدا ويدعم مبدأ اجتماعيا جديدا ، لقد كانت رعاية الفقراء والضعفاء والعجزة والعناية بالشيوخ والأطفال والأيامي عملا إنسانيا ندبت إليه الآديان ودعا له المصلحون ، ولكنه ترك للجهود التطوعية التي يقوم بها الأفراد والجماعات مدفوعين بوازع من دينهم او بعواطف إنسانية رحيمة . ولكن هذه الجهود التطوعية كانت محدودة الآثر ضيقة المدى ، وبتطور المجتمعات وتقدم المدنية رأي كثير من الحكومات من واجبه أن يعين هذه الجماعات بعض المعونة
لتوسع دائرة جهودها ، ولكن ذلك كله لم يكن كافيا لحل المشكلة ، وخطا بعض الدول في نصف القرن الأخير خطوات واسعة في سبيل تعميم المساعدة للكثير من طوائف الشعب المحتاجة ، ففي انجلترا التي كانت أول من وضع قانونا للفقراء في عهد الملكة اليزابث وضع قانون لتعويض العمال سنة ١٨٩٧ وكان هذا القانون في أول أمره يطبق على عدد محدود من الحرف ثم جعل عاما يطبق على الحرف جميعا في سنة ١٩٠٦ ، وبدأ التأمين الصحي الإجباري من سنة ١٩١٢ ، وبدأ التأمين ضد التعطل سنة ١٩١٢ في صناعات قليلة ، ثم صار عاما في كل الصناعات سنة ١٩٢٠ وبدأ قانون المعاشات لكل من بلغ السبعين في حدود ما يدل عليه البحث عن مقدار دخل الفرد سنة ١٩٠٨ وفي سنة ١٩٢٥ صدر قانون جديد للمعاشات للشيوخ والآرامل واليتامي . وفي سنة ١٩٣٤ عدل قانون تأمين العمال ضد التعطل ووضع على أسس جديدة . وهذا كله إلي نظم كانت توضع من آن لآن لرعاية بعض حالات العجز الخاصة كالعمى وإلي تنظيم أمر العناية بالصحة في المستشفيات وخارجها والعناية بمصالح الأطفال في المدارس وقبل الالتحاق بها
ولكن تقرير بيفردج يصل بهذه التنظيمات الاجتماعية التي قامت متفرقة في ازمان مختلفة وعلى اسس متفاوتة إلى تطورها الطبيعى ، وتقرر بجلاء أن من حق الفرد علي وطنه ان يؤامنه من شر الفاقه وان يكفل له من الرزق ما يقيم أوده في طفولته وهرمه في صحته ومرضه وفي عمله وتعطله ويلقي على الحكومة واجبا جديدا تلتزم به" لافراد الامة عامة ، هو واجب تحريرهم من العوز وتنظيم هذه الحماية وتدبير وسائلها
لم يعد الأمر مجرد صدقة يتقرب بها المحسنون إلي الله في تخفيف آلام المحتاجين ، ولم يعد الأمر مواساة للضعفاء
يتنقل بها ذوو القلوب الرحيمة والعواطف الإنسانية ، ولكنه اصبح حقا مقررا للفرد على أمته بفرضه عليها انتماؤه لجماعتها والتزامه بواجبات المواطن . وهذا هو الحق الجديد الذي اشرنا إليه في بدء حديثنا والذي اصبح إضافة جديدة لحقوق الإنسان التي قررتها الثورة الفرنسية
على أن التقرير كما يقرر كاتبه لم يعالج إلا ناحية واحدة من المشاكل الاجتماعية ، ولعلها اضعف النواحي خطرا وأيسرها حلا وهي ناحية ) التحرر من العوز " ولكن هناك آفات أربعا اخرى تحترم المجتمع وتفسد حياته وتضعف إنتاجه ، وهذه الآفات الأربع هي : الجهل والمرض . والدنس ، والكسل ، وهي جديرة ببحث الباحثين ورسم أدق الخطط لتحرير الشعب من برائتها .
ولا أريد أن أعيد ما ذكره صديقي الدكتور عوض في بيان النواحي التي جاء بها هذا المشروع ، ولكني لا املك أن اشير إلي أمور وقفت عندها وانا اتصفح هذا التقرير وأحب أن أشرك قراء الثقافة معى في تدبرها
لماذا اختار التقرير أن يجعل المشروع مشروع تأمين ، ولم يجعله مشروع إعانة تقدمها الحكومة للأفراد في حالات العوز . مع أن ما يساهم به، الفرد في هذا التأمين جزء محدود والعبء الاكبر واقع على الحكومة وعلى أرباب الأعمال ؟
لأن هذه كما يقول كاتب التقرير هي رغبة الشعب في بريطانيا ، وهذه الرغبة تتجلي بشيوع فكرة التأمين لدى أكثر أفراد الشعب سواء أكان التأمين اجباريا أو اختياريا ولأن روح الشعب تنفر من كل معونة تحمل في طياتها معنى الصدقة والاحسان فهو يريد أن يأخذ مقابل ما يعطي .
وهل أنا بحاجة لبيان دلالة ذلك ، والمعنى الكريم الذى ينطوى تحته؟
لم يشترك كل فرد في دفع قسط التأمين مع أنه قد
لا ينتفع به شخصيا إذا عافاه الله في بدنه ولم يقطع عنه وسيلة رزقه ؟
لأنها ضريبة وطنية عامة سينتفع بها غيره ممن لم يؤت حظه . ولانه لم يأخذ علي الزمن ميثاقا ألا تنتابه تصاريفه ولأنها رمز التضامن الاجتماعي القوي الذي يفيض فيه القادر على اخيه العاجز ويعين الميسور من به عسر . ولان المجتمع كالجسم إذا مرض منه عضو تداعي له سائر الأعضاء بالسهر والحمي . على ان القسط الذي يلتزمه الفرد هين لا يؤثر في مستوي عيشه .
ثم تعالى معى أطلعك على سر جديد من أسرار تقدم القوم يتجلي في هذا التقرير .
لقد أقدم الرجل على بحثه ومن حوله اداة كامله التنظيم تقدم له المواد التي يحتاجها هذا البحث . لم يبن الرجل آراءه على تقديرات ظنية يمليها التصور ، ولكنه يستند إلي إحصاءات دقيقة تنفذ إلي أخص جوانب الحياة
لم يجد الباحث صعوبة في معرفة تكاليف الحياة الضرورية للفرد في الريف والمدن في مأكله وملبسه ومسكنه وما إليها ، وهو يعرف ما كانت عليه سنة ١٩٣٨ وما زادت إليه سنة ١٩٤3 ( وقد يدهش القارئ ان يعلم انها لم تزد في انجلترا إلا ٣٠ % ولديه بيانات دقيقة عن عدد أفراد كل أسرة وعن النسب في مختلف الأسنان وعن النسب المئوية لأسباب التعطل وعن كثير من النواحي التي تشتغل هيئات الاحصاء في حصرها وجمع أدق البيانات عنها .
ولست بحاجة لأن أعقب على هذه الناحية الهامة من النواحي التي يحس كل باحث اجتماعي في مصر بضرورة النهوض بها إذا أريد بناء الاصلاح الاجتماعي عندنا على أسس سليمة
والآن وقد قدمت للقاري ، هذه الخواطر التي قامت
برأسي وأنا أتصفح هذا التقرير أنتقل به إلى ما أردته من مقالي وهو ما يفيده الاصلاح الاجتماعي في مصر منه .
لعل القارئ يحس معي بعد ما بيننا وبين القوم في ناحية التطور الاجتماعي ، ولقد يشعر ان أمامنا مراحل انتقال طويلة قبل أن نصل إلي المنزلة الرفيعة التى بلغها تنظيمهم الاجتماعي . ولكن ميزة من يجيء متأخرا أن تكون أمامه تجارب سواه وثمرات خيرتهم ، وهو لهذا خليق ان ينتفع بها وان يكون اسرع خطى في اجتيازه مدارج التطور .
لقد يبعث التشاؤم لدي طالب الاصلاح الاجتماعي في مصر أن يجد مشكلة الفقر فيها أشد تعقيدا منها في انجلترا مثلا ،
فهناك مجتمع ذاخر بالصناعات يشتغل فيها أكثر أبناء ، البلاد ، وهناك تعمل النساء إلي جانب الرجال ، وهناك موارد غنية تتسع لتعميم نواحي الاصلاح ، وهناك عناية صحية من جانب الأفراد والحكومة ، وهناك مستوي ثقافي يحول دون مقاومة التقدم ويعين على تيسير الإصلاح ، وهناك روح عام يساعد على أداء الواجب والتمسك بالحقوق .
وهنا مجتمع فقير نصفه عاطل لا يعمل ، وهو كل على سواء وهن النساء ، والنصف الآخر تخترمه الأمراض المتوطنة ويزيده الجهل سوءا بما يبعده عن تقبل الوسائل الحديثة في رعاية صحته وفي تحسين إنتاجه . والموارد محدودة تكاد تقتصر على الزراعة ، ولا تكاد تكفي لشغل بعض القادرين على العمل . وفي اخلاقنا العامة ضعف يقعد بالقادرين عن مد يد المساعدة للعاجزين ويزين للمحرومين الكسل وابتغاء الكفاف بأدنى الوسائل من تطفل وتحايل وتلصص وتذنس ، وقد تحمل هذه الموازنة بعض المفكرين في اصلاح حال هذا الشعب على نقض ايديهم من الأمر وترك الأمور للمقادير .
) البقية على الصفحة التالية (
ولكن سوء الحال ادعي لبذل أقصى الجهود ولامكان لليأس في مثل هذا الكفاح الشريف الذي سيعيد للوطن قوي مبددة وجهودا مضيمة ويجعل للحياة لدى كثير من أفراده قيمة جديدة .
لنؤمن أولا أن القوة البشرية أثمن موارد الدولة وأن كل جهد يبذل في تحسينها يستحق ما يبذل في سبيله من عناء .
ولنؤمن بأن كرامة الوطن وعزته تقتضي ألا يفيد منه فريق يتضورون جوعا في اسمالهم البالية حتى يستنقدوا حياتهم البائسة ببطء ، دون أن ينعموا بوجودهم او ينتفع بهم الوطن
ولنؤمن بأن من حق كل فرد ينتمي لهذه البلاد أن يطمئن على رزقه وان يتحرر من ربقه العوز ويأمن من الخوف على مستقبله ومستقبل بنيه .
هذا الإيمان ضرورة أولى يتعين أن يشرب به ( كل قلب . وعلى مبلغ قوة الإيمان بأمر يسهل تحقيقه مهما بدا في سبيل ذلك من صعاب وعقبات .
إننا بحاجة لأن نحصر مواطن الضعف وأسبابها ، وان نقدر ما يقتضيه الحال من تدابير للقضاء عليها ، وما يكلفنا ذلك من جهد ومال لتنفيذه . ثم ننظر بعد ذلك فيما بين ايدينا من موارد ووسائل وما نستطيع ان نعمله لزيادة هذه الموارد وتحسين هذه الوسائل ، ثم نوازن بين ما هو مطلوب منا وما نستطيعه ونرتب خطتنا التدريجية في الإصلاح على هذا الأساس .
على أني أحس أن كل هذا إجمال وتعميم ونحن بحاجة إلى توضيح وتخصيص . ولعلى أوفق لشئ من هذا في عدد تال .

