كانت هذه المجلة منذ إنشائها ولا تزال تنادي بوجوب فصل مسائل الإصلاح الداخلي ووضع برامجه ورسم خطط تنفيذه عن السياسة وتقلباتها، وترسل صوتها عاليا مطالبة بعدم تدخل الوزراء في هذه المسائل الإصلاحية الداخلية، لأنهم مؤقتون ويتغيرون باستمرار وبسرعة، ونادينا بأن هذا التدخل يعوق سير الإصلاح ويعطله. وهكذا يجدنا من يراجع الأعداد السابقة لهذه المجلة من أنصار الارتفاع ببرنامج الإصلاح من الاعتبارات السياسية والحزبية والشخصية، وإبعاد هذه الإعتبارات بتاتا من أداة التنفيذ وإسناده الى الموظفين الفنيين الدائمين الأكفاء في جميع الوزارات
من أجل هذا سررنا كل السرور وتفاءلنا أعظم التفاؤل عندما وجدنا جريدة الأهرام للقراء، تلك الحريدة
الواسعة الانتشار والعظيمة النفوذ والمعروفة بالاتزان والحذر، تدعو نفس الدعوة وتنادي نفس النداء وتؤيد تلك الخطة التي انتهجناها، وتندد بسياسة الارتجال التي تعلق مشاريع الإصلاح بشخص الوزير ورأيه، فإذا ترك منصبه وقفت المشاريع وجاء خلفه فاقترح غيرها وهدم ما بنى سلفه، وهكذا ندور في حلقة مفرغة.
قالت الأهرام هذا الكلام بمناسبة طول أمر الفاوضات المصرية الإنجليزية وانصراف الوزارة بكلياتها وجزئياتها إلى هذه المفاوضات التي تشغلها وتستنفد الجزء الأكبر من وقتها وجهدها. والوزارات المتعاقبة تجد على الدوام أمورا سياسية كهذه أو ما يشبهها تشغلها هذه المشغولية بحيث إذا سئلت عن هذه الإصلاحات وعدت بالتفرغ لها بعد اجتيازها العقبات السياسية التي تعترضها، ولكن هيهات.
وبغض النظر عن المناسبة التي انتهزتها الأهرام لإرسال هذه الصيحة القوية والدعوة الحقة فانا نرى ان هذا هو الواجب دائما، ونرحب بهذه الدعوة ونطرب لتلك الصرخة، ونرجو أن تلقى العناية التي هي جديرة بها والتأييد من كل جانب بحيث لا يمضي وقت طويل حتى نجد هذه السياسة الرشيدة سائدة، ونجد المصربين جميعا يعملون على تنفيذها بغض النظر عن ميولهم الخاصة وعن مصلحة حزبهم الخاص.
فالمسألة ليست مسألة ميول ومصالح خاصة، وإنما هي مسألة مصلحة عامة للبلاد يرتبط بها ويتوقف عليها مستقبلها ورقيها ومسايرتها للأمم المتحضرة؛ فكل مرفق من مرافقها بحاجة إلى الإصلاح العاجل الشامل، ومن ثم يجب أن توضع المسألة فوق كل اعتبار، وأن يضحي من أجلها وفي سبيلها بكل ميل خاص أو مصلحة خاصة. بهذا تنادي الوطنية الصحيحة، وإلى هذا يدعو الإخلاص الحقيقي لقضية البلاد، والحرص على رقيها وسعادتها ورفاهيتها
على أن المسألة ليست بالسهولة الظاهرة ولا من الوضوح الواجب، وذلك لأن لها بعض نواح شائكة أو صعبة تستحق الدرس والبحث. نعم إن معظم الأسس واضحة ومسلم بها. ولكن بعض التفاصيل الهامة لا تزال غامضة، ومن الخير أن نواجه بشجاعة وصراحة، وتدرس بإخلاص وهدوء، وتقلب أوجه الرأي فيها حتى تنجلى ويستبين السبيل القويم فيها.
وأول هذه الأمور الشائكة هي علاقة الوزارة القائمة ببرنامج الاصلاح، فجريدة الاهرام تقول في مقالها المنشور في عدد ١١ اغسطس الجاري: إن مسائل الاصلاح ينبغي تكون قائمة على سياسة ثابتة لا يعتورها إلا اقل التغيير، أو لا يعتورها التغيير إطلاقا. وينبغي أن يتم إقرار هذه السياسة بعد دراسة وافية شاملة، ثم يترك أمر تنفيذها
إلي أيدي الموظفين الدائمين الذين لا يتغيرون بتقلب الوزارات.
ولكن الكاتب الكريم لم يذكر من الذي يجب أن يتولى هذه الدراسة الوافية الشاملة، او بشرف عليها وعلى وضع أسس السياسة المطلوبة، ورسم الخطط لتنفيذها ثم تسليمها إلي الموظفين الدائمين في الوزارات؟ وهذا هو ما يحتاج لتمحيص ولقول واضح صريح.
ثم يعود فيقول في موضع آخر من مقاله: وليس معنى ذلك أن تنقطع صلة الوزير بحركة الإصلاح والتجديد في وزارته. ولكن معناه أن يسير الإصلاح على قواعد ثابته يشترك الوزير في وضعها بمعاونة الفنيين في وزارته، ثم يدع لهم تنفيذها دون تدخل منه أو رجوع إليه.
وليأذن لنا سعادة الكاتب أن نخالفه في هذا الرأي. إذ كيف نوفق بين ما قلناه سابقا من أن البرنامج سيكون ثابتا واداة التنفيذ ستكون دائمة، وبين دراسة كل وزير في وضع السياسة بالاشتراك مع الفنيين في وزارته؟ لقد سبق أن تعرضنا لهذا الموضوع بالذات في مقالات سابقة، وكان رأبنا ولا يزال أن اشتراك الوزير في وضع قواعد الإصلاح الثابتة، فضلا عن أنه أمر غير عملي كما قدمنا، فمعناه بصريح العبارة إعطاء الوزير الحق في التغبير والتبديل المستمر، وهذا ما يؤدي إلي القلقلة من جديد.
وليس يعصم من هذه القلقلة اشتراك الموظفين الفنبين مع الوزير في الدرس، فكلنا يعرف معني اشتراك الوزراء في مصر، وكيف يتعصب الكثير منهم لرأيه إلى حد مناصبة مخالفية العداء والكيد لهم، وإنزال جام الغضب عليهم، من أجل هذا وذلك نرى أن هذا الرأي غير عملي ولا يؤدي إلى ما يقصد إليه سعادة الكاتب، ونوجس خيفة شديد من تنفيذه، ولا نرجو خيرا من ورائه.
أما الخطة المثلى للدراسة الوافية الشاملة، ولوضع نواة الإصلاح وخططه الثابتة، فهي في رأينا تكوين هيئة فنية عليا ثابتة قوية يشترك فيها ممثلون لجميع الاحزاب السياسية
بمعنى أن يختار كل حزب عددا يتفق عليه من أعضاء هذه الهيئة، كما تمثل فيها الهيئات الحكومية الفنية والهيئات الحرة التي تضم فنبين مستقلين بالأمور المتصلة ببرنامج الإصلاح المعنى.
وهذه الهيئة العليا القوية يجب أن يقرها ممثلو البلاد ويصدر بتكوينها مرسوم ملكي، ويعهد إليها وحدها بالشروع كله من دراسة ووضع برنامج ورسم خطط التنفيذ والإشراف عليه. هيئة كهذه لها احترامها ومكانها وتتمتع بثفة الجميع هي الضمان الوحيد لثبات والاستقرار والبعد من عواصف الأهواء وتقلبات السياسة ودوافع المصالح الشخصية.
والآن نتعرض لعلاقة الوزير بحركة الإصلاح بصفة عامة وفرض أن وزيرا رأي أن السياسة المرسومة للعمل في الوزارة التي يتولاها لا تروقه، وله عليها بعض اعتراضات أو يري فيها بعض العيوب التي تدعو إلى تعديل أو تغيير من أي نوع. فماذا يكون تصرفه في هذه الحالة؟
إنا نرى أن يطلب الوزير دعوة تلك الهيئة الفنية العليا التي تضم أقرانه وأنداده وفطاحل الرجال الفنبين الأكفاء، وبعرض عليها ما يراه من اعتراضات، ويبسط أمامها ما يعن له من آراء، ويقترح عليها في الاجتماع ما يريد تغييره أو تعديله، ويكون لهذه الهيئة الحكم الفصل بعد سماع كلام الوزير وحججه ومناقشته في ذلك كله.
فإذا اقتنعت الهيئة بوجهة نظره، وأقرته بعد الدرس والفحص على رأيه ، أجرت المناسب من التعديل والتغيير ، وأعلنته للملأ ، وعندئذ تكون جميع الأحزاب والهيئات مقرة لهذه التعديلات والتغييرات ضمنا لاشتراك ممثليها في الهيئة العليا التى وضعتها . ويكون الوزير قد أفاد السياسة العامة باجتهاده ، وفاز بكسب في لنفسه والمصلحة العامة.
أما إذا لم تقر تلك الهيئة الفنية العليا الوزير على رأيه ، واقتنع الوزير بحججها ، واطمأن إلى صحة السياسة القائمة ،
وزال اعتراضه عليها، فعليه أن يدع الموظفين يسيرون في تنفيذها كما كانوا بهمة وإخلاص. ولا يتعرض لهم بما يعرقل أو يعطل سيرهم بأية حال من الأحوال.
وأما إذا لم يقتنع الوزير بوجهة نظر تلك الهيئة الفنية العليا فعند ذلك يجب عليه ان يستقيل ويفسح المجال لغيره ممن يطمئنون إلي السياسة المرسومة، ويدعون الفنيين في وزارته يمضون في تنفيذ السياسة كما رسمتها الهيئة العليا.
بعد ذلك تأتي تفاصيل أخرى مهمة متصلة بالموضوع وجديرة بالبحث والدرس؛ فمثلا: هل ستكون لكل وزارة هيئة فنية عليا خاصة بها؟ وما علاقة الهيئات العليا بمختلف الوزارات؟ أم يكون لكل جانب من جوانب الاصلاح هيئته الفنية العليا الخاصة به، تضع برنامجه، وترسم خطط تنفيذ هذا البرنامح في مختلف الوزارات، كل حسب اختصاصها، وتقوم على تحقيق التناسق بين أعمال هذه الوزارات المختلفة، وتشرف على العمل بحيث تضمن وضع كل إنسان في المكان المناسب وتكليفه بالعمل الذي بحسنه، ضمانا لحسن استغلال الحهود كلها على الوجه الاكمل للمنتج
وهناك مسألة أخري أساسية جديرة بالدرس والتمحيص، وهي إحاطة الموظفين الدائمين الذين سيقع على عاتقهم عبء التنفيذ بجميع الضمانات الواجبة التي تكفل لهم حرية التصرف، وتدفع عنهم شر الوزير المعاند الذي يبدي غير ما يضمر، وبالجملة نؤمنهم على وظائفهم ومعاشهم حتى تكون لهم الشجاعة الواجبة لتنفيذ البرنامج كما هو بأمانة وإخلاص.
هذه النقط وأمثالها جديرة بالدرس، ولن بصعب حلها متي اتفق الجميع على الأساس وخلصت النية للعمل على ما فيه خير هذه البلاد. والله الموفق الهادي.

