الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "الفكر"

الاصلاح الزراعي في الصين الجديدة

Share

تكتسي مسألة الارض ومشاكل الفلاحين اهمية حيوية بالنسبة للبلدان المتخلفة اقتصاديا وقد كثر الحديث عن الاصلاح الزراعي في الصحف والاندية والمنظمات والاحزاب وتعددت البرامج الحكومية والحلول العملية في اقطار كالهند وبرمانيا ومصر ... وقال رجال التحرير الجزائري ان الاصلاح الزراعي من اهدافهم واهتم مؤتمر صفاقس للحزب الحر الدستورى التونسي بمسائل الارض والفلاحين ويميل الاتحاد العام التونسي للشغل الى التعاضد ... (١)

ولذا أرى (٢) فائدة كبرى في التحدث عن الصين الجديدة حتى نطلع بصفة مدقفة وموضوعية على اعمق الاصلاحات الزراعية وحتى نفهم غاياتها والاطوار التي مرت منها الى تحقيقها .

كانت الصين الى عهد قريب بلادا " متخلفة " لا صناعة فيها يرتكز اقتصادها اساسيا على الزراعة ومعظم سكانها يقطنون البوادي وهم لا يقلون عن ال 500 مليون وكان الاقطاعيون وهم لا تتجاوز نسبتهم ال ١٠ بالمائة من مجموع الفلاحين يملكون ٧٠ بالمائة من الاراضي الصالحة للزراعة اضف الى ذلك ان الفلاحين الصغار يدفعون الى الاقطاعيين الكبار اكثر من نصف محصولاتهم كراء والربا فاحش مما يؤدي في كثير من الاحيان الآباء الى بيع ابنائهم وهذه المسألة معلومة جيدا في الصين القديمة .

فاعتقد الشعب الصيني البائس الفقير ان صلاحه في قلب هذا الوضع الجائر وهو دعامة الاضطهاد الاستعماري والرجعية وسبب اصلي للتتأخر الاقتصادي فارتكزت حرب التحرير على هذا الثالوث : مقاومة الاستعمار والاقطاعية والرأسمالية البيروقراطية .

وبعد كفاح عنيد انتصرت الثورة وقام على انقاض النظام القديم نظام جديد

يستمد قوته وحيويته من الشعب لصالحه فكان قانون الاصلاح الزراعي اول التدابير التي اتخذها الشعب الصيني بعد ان اباد الوضع القديم الجائر . وغاية هذا الاصلاح القضاء على نظام الملكية العقارية المقامة على الاستغلال الاقطاعي لطبقة الملاكين العقاريين وتحقق نظام الملكية العقارية الفلاحية قصد تحرير القوى المنتجة بالجهات الريفية وتطوير الانتاج الزراعي لفتح الطريق امام تصنيع الصين الجديدة واما الاجراءات العملية فهي :

اولا : انتزاع الاراضي والدواب والآلات الزراعية والزائد من الحبوب والبناآت الريفية من الملاكين العقاريين (١) وتسخير الاراضي التابعة للمعابد (٢) والمساحات الكبيرة من الارض التي يكريها الفلاحون الاثرياء الى غيرهم .

ثانيا : توزيع كلان هذه الاراضي وكل وسائل الانتاج الاخرى التي وقع انتزاعها وتسخيرها توزيعا موحدا عادلا ومنطقيا على الفلاحين الفقراء الذين لا يملكون مساحة صغيرة من الارض وتعوزهم وسائل الانتاج الاخرى (٣) .

ثالثا : احترام المنشآت الصناعية والتجارية التي يملكها الملاكون العقاريون واراضي الفلاحين الاغنياء والفلاحين المتوسطين وحمايتها .

وهكذا انتزعت ملايين من الهكتارات من الاراضي الصالحة للزاعة وزال النظام الاقطاعي واصبح مئات من الملايين الفلاحين يملكون الاراضي التي بزرعونها عملا بمبدأ " الارض لمن أحياها " ولا يدفعون اكرية ولا يشتكون من الربا. فعم الحماس وارتفع الانتاج الزراعي وهذا هو الهام من كل اصلاح حتى تجاوز سنة ١٩٥٣ مستوى احسن سنة ماضية بـ ١٠.٧% . وتجاوز هذا المستوى سنة ١٩٥٤ رغم فيضان المياه الذي اضر كثيرا بالاقتصاد اثناء هذا العام ، وما زال يرتفع باستمرار بفضل كد الفلاحين والاعانات التي قدمتها الحكومة .

وعقبت مرحلة انتزاع الاراضي وتوزيعها توزيعا عادلا مرحلة ثانية وهي مرحلة التطوير الاشتراكي عن طريق التعاضديات والخطوة الاولى في طريق هذا التطوير الاشتراكي هي احداث فرق التعاون وهي منظمات فلاحية تقوم على اساس الملكية الفردية للارض ولا هم وسائل الانتاج كالحيوانات والآلات والبناآت ... ويتمتع اعضاء هذه الفرق التعاونية بكامل حقوقهم غير انهم يقومون بصفة

جماعية بالاعمال الزراعية كحرث الارض وجمع الصابة مثلا وتوجه فرق وقتية زمن الصيف مثلا وفرق دائمة تستمر اعمالها كامل السنة وهذه الفرق نواة للانتاج الاشتراكى اذ تقوم على العمل المشترك فيقتنع بصلاحيته الفلاحون الصغار ويتركون العمل الفردى . . .

والخطوة الثانية هي التعاضدية النصف اشتراكية وهي تمتن التحالف الاقتصادى بين الفلاحين الفقراء والمتوسطين لانها ممنوعة على الفلاحين الاثرياء والملاكين الاقطاعيين (١) .

والانخراط فيها اختياري على ان ملكية الاراضي والآلات والدواب تبقى بيد اربابها وتوزع الارباح بنسبة العمل الذي قام به كل فرد من جهة وحسب كمية ونوع الارض التي بها كل عضو للتعاضدية من جهة اخرى ولا يقع هذا التوزيع الا بعد ان تاخذ التعاضدية من الارباح ما يسدد المصاريف اللازمة للاحتياط والانتاج والادارة وللرفاهية المشتركة اما استعمال الآلات والدواب من طرف التعاضدية فيقع مقابل جراية تدفع لاصحابها على نسبة اثمان الجهة . ويتولى النفوذ بهذه التعاضديات مجلس المشاركين وتسهر على الاعمال اليومية لجنة ادارية منتخبة انتخابا حرا تماما من جميع المشاركين اي بدون اعتبار لجنسهم ودينهم ومساحة اراضيهم .

اما الخطوة الثالثة والاخيرة في طريق تطوير الزراعة الصينية تطويرا اشتراكيا فهي التعاضدية الاشتراكية فتصبح الارض والآلات والذواب ملكا مشتركا بيد التعاضدية وتصبح الارباح موزعة حسب الاعمال التي يقوم بها كل عضو لا غير وهذا النوع يماثل " الخلكوزات " السوفياتية وما زال عدد التعاضات من هذا النوع قليلا جدا وهو يلعب دورا نموذجيا و " طليعيا " فى الزراعة الصينية .

فانتشار التعاضديات في البادية الصينية كان على طريق النوع الثاني " النصف اشتراكي " وكان واسعا سريعا اعجب الفلاحين فتحمسوا اليه وتفهموا مزاياه وجعلوا يؤسسون التعاضديات ويوسعون فى نطاقها لانها الوسلة الكفيلة بتحسين وسائل الانتاج وتوفيره ورفع مقدرة الشراء فى الارياف حتى تزدهر حالة السكان وتنمو الصناعة الناشئة وتسير الزراعة الصينية الفردية الى زراعة اشتراكية عن طريق تدريجية اختيارية مرنة .

وترمي البرامج المسطرة اخيرا - اي في الصيف الماضي - الى ادخال كامل الفلاحين الصينيين فى التعاضديات فى موفى سنة ١٩٥٨ ومما لا شك فيه ان هذا البرنامج سيطبق بحذافيره لانه يوجد اليوم بالصين 000 ١٤٠٠ تعاضدية تشترك فيها ٤٠%  من العائلات .

واذا كانت التغييرات الجوهرية التي ادخلها الشعب الصيني فى بواديه الشاسعة ترمي الى اغراض سياسية منها ازالة النظام الاقطاعي وعزل الاقطاعيين كطبقة اجتماعية خاصة وتحطيم نفوذهم قصد تدعيم النظام الشعبي الفتى والسير فى طريق الديموقراطية الجديدة الى الاشتراكية ذلك ان الهدف الاصلي للاصلاح الزراعي هو انتشار التعاضديات حتى تتحرر القوى المنتجة فى الارياف وقد كبلتها القيود الاقطاعية طويلا فيزيد الانتاج ويرتفع ارتفاعا يسمح بتزويد الصناعة الناشئة وبتوسيع السوق الداخلية لرواج سلع هذه الصناعة لان تصنيع (١) البلاد هو الهدف الاول والشغل الشاغل ببلاد كانت شبه مستعمرة وتريد ان تصبح دولة كبرى عصرية بالمعنى الاتم ...

سقت هذا الحديث لاذكر مزايا الاصلاح الزراعي الذي قام به الشعب الصيني وقد نفخت فيه روح جديدة جعلته يثور على الاوضاع القديمة فلم يستسلم لما وجد عليه آباءه واتى بتجربة لم يسبقه اليها احد من الشعوب الاخرى فهي صالحة ان تحذو حذوها الشعوب الاخرى اللي تحررت حديثا من الاستعمار والتي تناضل لتتحرر من الاقطاعية وهي عرضة في سبيل التقدم الاقتصادي والنهوض الاجتماعي .

وان التشابه الكبير بين الصين الجديدة وبلادنا الفتية التي كسرت القيود الاجنبية على ان الفوارق كثيرة ايضا وهذا مما لا شك فيه - ولكنه يمكننا بعد درس ظروفنا الخاصة درسا دقيقا ان نستفيد كثيرا من تجارب البلدان الاخرى وخاصة من المثل الصيني الذى بين لنا بوضوح ان حل مسالة الارض والفلاحين حلا حقيقيا شرط اساسي للاستقلال اولا وللديموقراطية ثانيا وللتقدم والارتقاء ثالثا ففي وسعنا مثلا ان ننتزع اراضي الشركات الاستعمارية والمعمرين المغتصبين ونحدد ملكية اصحاب الاراضي التونسيين ونوزعها على الفلاحين الصغار مجانا بعد ان ينضموا الى تعاضدية مسؤولة عن تسيير الشؤون بجميع انواعها وباختصار تسعى الى تطبيق برنامج تعاضدي واسع النطاق فيستفيد منه الناس والبلاد معا .

وفي الختام ان أكبر درس نستخلصه من التجربة الصينية هو وضوح الغاية وواقعية الحلول واستعمال الاساليب الثورية وتطبيقها من طرف الجماهير العاملة المتوثبة بحماس كبير نحو مستقبل احسن في دائرة الكرامة المسترجعة اللائقة بامة لها مجد اثيل .

اشترك في نشرتنا البريدية