نعم لابد من أن تكون هناك سياسة مرسومة ، وحملة مدبرة ، وجهود منسقة ، وتعاون منظم ، وتفاهم شامل ، إذا أريد القيام بحركة اصلاحية منتجة في اية ناحية من نواحي الحياة السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الخلقية أو الصناعية أو غير ذلك .
فماذا يجدي تعليم الصبي في المدرسة وتربيته إذا أوى آخر النهار إلي وسط منحط ، وبيت موبوء ، ووالدين لا يقدران ما يلقن من علم ، ويتبرمان بما يغرس فيه من خلق ؟ ويا ليت اثر الآباء والبيت والوسط يكون سلبيا فحسب ، فيقتصر على عدم التقدير او التبرم ، ولكن الشاهد ان اثر هؤلاء جميعا يكون في العادة اثرا سيئا إيجابيا يذهب بما اكتسبه الولد من المدرسة أو يؤدي إلي ضده ، ويقلب الأوضاع رأسا علي عقب ، ويترك الصبي حيران معذبا بين هذه الاضداد لا يدري كيف يتصرف ولا يعرف أي النزعتين أجدر بالاستجابة ، وأي الرأيين أحق بالاتباع .
وما فائدة تعليم التلميذ النظافة وفوائدها ، وتبصيره بالصحة وقواعدها ، وبالطعام ومحتوياته ، وكيف يجب ان يختار ليكون وافيا بحاجات الجسم ، وبالماء وما يعج فيه من كائنات حية سابحة ضارة يجب التخلص منها قبل شربه او استعماله ليأمن الإنسان المرض ، وبالشمس وفوائدها واثرها في قتل كثير من الميكروبات ، وضرورة تعريض فراش النوم لها لتنقيته من مثل هذه الشوائب ، وبالهواء وما يحتويه من أكسيجين لابد من استنشاقة بكثرة ونقاء ليصلح البدن ويتقي المرض وتقوي البنية ؟
ما فائدة كل ذلك لمن يأوي آخر النهار إلي غرفة قذرة ليس فيها اثاث ولا فراش ولا نافذة يدخل منها الشمس والهواء ، ولا يملك ذووه قطعة من الصابون يغتسلون بها ويغسلون امتعتهم وملابسهم وآنيتهم ، ولا يجدون من الماء إلا الآسن الراكد الملئ بالأجسام السابحة بله الميكروبات التى لا ترى بالعين العارية ، ولا يكادون يجدون من القوت ما يسد الرمق ويدفع الجوع او يسكن الامه ؟
وماذا سيجني النشء وتجني البلاد من ورائه من اصلاح التعليم بكافة انواعه : نظريا وصناعيا وتجاريا وزراعيا ، وإخراج شباب تعلم من الصناعة والزراعة والتجارة خير تعليم ثم يخرج إلي الحياة فلا يجد من المصانع والمزارع والمتاجر الكبرى ما يتلقفه هو وزملاؤه ، ليعمل فيه ، فيكتسب خبرة يرقي بها في العمل من مركز صغير إلي كبير حتى يشعر بأنه يستطيع ان يقف وحده على قدميه ، ويستقل بنفسه فيفتح له مصنعا او متجرا صغيرا ، أو يبدأ زراعة على نطاق ضيق ؟
فهذا التعليم الذي تعلمه هذا الشاب في هذه المدرسة الجديدة الجيدة ، ماذا يخلف له ولذويه إلا الحسرة والالم ، بل واليأس من الحياة المرة التي تنتظره .
وماذا تكسب البلاد وبكسب المعلم إذا اعددته خير إعداد وبصرته بواجباته العلمية والخلقية ، وعلمته كيف يربي النشء ويصحح عيوبهم ويقوم اخلاقهم ، واطلعته على احدث طرق التدريس واجداها ، وأوصيته بأن يعمل بهذا كله ، وحمسته لان يفتح في التدريس فتحا جديدا ، ويسلك في مهنته الطريق القويم الذي يهديه إليه عقله ونتائج تجارب غيره ، وما سيصل إليه هو من نتائج في تجاريبه وعمله ؟
ماذا تكون النتيجة لو خرج هذا المعلم إلي مدرسة كل من فيها من المعلمين يسخر من ذلك كله ، وعلى رأسهم ناظر
لا يؤمن بشيء من تلك الآراء ولا يحفل بتربية ولا تهذيب ، وكل همه أن يحفظ التلاميذ القدر اللازم لنجاحهم في الإمتحان بالطريقة التقليدية الإرهابية القديمة ؟ ألا ينحدر هذا المعلم إلي مستوي زملائه ويطيع امر ناظره ، وينسى ذلك الحلم الجميل الذي صور له في المعهد الذي أعده ليكون معلما ؟
أظنك أيها القاريء الكريم توافقني على أنه إذا أريد القيام باي إصلاح فيجب أن تتكاتف الأيدي كلها وتتعاضد السلطات جميعها ، ويتفاهم المتصلون " من أية ناحية من النواحي على أن يتعاونوا على تنفيذه وتأييده ، وخلق جو صالح حوله يضمن ان تكون كل العوامل متجهة نحو تنفيذ الإصلاح ؛ لا يشذ منها عامل في أية ناحية من النواحي .
فإذا أريد رفع مستوي الفلاح أو العامل فمن الواجب ان تتعاون كل الجهات الحكومية والسلطات المحلية ، ومنها هيئات الإصلاح الاجتماعية ، على الوصول إلي هذه الغاية . فالمدرس والواعظ والطبيب والمرشد الاجتماعي والخبير الزراعي كلهم يعلمون الكبار والصغار علي السواء ، والسلطات الأخرى تمد الجهة أو الحي بالماء النقي اللازم لحماية السكان ، وتحتم على كبار الملاك للزراعات والصناعات أن تبني للزراع والصناع مساكن صغيرة بسيطة صحية ، وتضع حدا أدنى لأجورهم يضمن حصول كل منهم على الاجر الذي يكفيه ليطعم هو وأسرته طعاما يحميه علي الأقل من الأمراض ، ويلبس لباسا نظيفا يشعره بشخصيته وآدميته.
وإذا اريد اصلاح التعليم الصناعي ورفع مستواه ، وترغيب الناس فيه ، فلا بد من ان تتعاون الجهات الحكومية كلها على دراسة علمية شاملة دقيقة تستبين من خلالها حاجيات
البلد وأدنى الصناعات إلي النجاح ، ثم تشرع بالاتفاق مع كبار الماليين في رسم سياسة عامة وخطة محكمة لإنشاء المصانع بالتدريج ، وتوجيه التعليم الصناعي بحيث يتمشى مع الخطة وتلك السياسة ، سواء من حيث النوع او الكم ، حتى تفتح المدارس وتقبل بها الطلاب حسب الحاجة المرسومة بدقة وعناية ، وبذلك تضمن للخريجين عملا ، وتضمن المصانع الناشئة تخريج العدد والصنف اللازم من العمال ، وهكذا في التجارة والزراعة
كذلك إذا أرادت المعارف أن توجه سياسة التعليم من حيث التربية والتهذيب ، ومن حيث تحسين الأساليب توجيها جديدا ، فلا يكفي أن تطلب من معاهد إعداد المعلمين إخراج الصنف المطلوب من المعلمين لهذا الغرض ، وإنما يجب ان تقوم بدعاية واسعة بين نظار المدارس والمدرسين الحاليين والمشرفين علي الدار من مفتشين وغيرهم ، دعاية تري للغاية التي تقصد إليها حتى يتكاتف الجميع على تحقيقها ويجد المعلم الجديد في الوسط الذي سيعمل فيه أكبر تشجيع ومعاونة لتطبيق الاراء الجديدة والاستفادة من خبرة القدماء الذين سيستفيدون بدورهم مما سينقل إليهم من اراء حديثة لقيها بمعهد إعداد المعلمين ، ويجد قبل كل شئ عطفا وتقديرا ومساعدة من ناظر المدرسة ومن المفتشين .
وبذلك يصبح الجو كله منسجما والجهود كلها متناسقة وسرعان ما تسري في المدرسة روح طيبة تمكن كل مدرس من العمل على تربية تلاميذه وتهذيبهم كما ينبغي ، ويكون لها أكبر الأثر في هؤلاء التلاميذ بحيث يرتفع مستواهم العلمي والخلقي في أقرب وقت ، ويستحيل التعليم تفاعلا وإيحاء زوجيا بين المعلمين والمتعلمين بدلا من ان يكون عملية ميكانيكية ونظاما آليا .
ثم إن هذه الفكرة فكرة أن " الإصلاح الشامل هو وحده المنتج " قد اخذت بها معظم الامم التي ارادت ان تقوم بإصلاحات واسعة النطاق في بلاد كبلدنا من حيث تفشي الجهل وتغلب الفقر . ففي روسيا وفي الصين وفي تركيا قد بدأت مجهودات شاملة كالتي ذكرناها هنا. وقريبا نشرت مجلة " المختار " قصة جيمي بن في الصين وكيف استطاع تعليم الملايين بمثل هذه الطريقة التي تركز فيها الجهود ويحشد فيها جمع من الأخصائيين المتحمسين المدربين .
وفي روسيا حين وضع برنامج الخمس السنوات للإصلاح اتبعت نفس الطريقة ؛ فجردت حملة من الإخصائيين في جميع فروع العلوم والاقتصاد والهندسة والتربية الخ ، واختارت أشد الأقاليم تأخرا ، ورحلت إليه فنصبت خيامها ، واقامت معسكرها ، وشرعت تدرس الإقليم وحاجاته ، ولم تمض فترة طويلة وإذا بالطرق تعبد ، والمباني الصغيرة الصحية تقام ، والتعليم السهل البسيط يبدأ ، وأساليب العلاج الابتدائية تعلم ، والأفلام العلمية
والاجتماعية والثقافية تعرض ، وجمعيات التعاون تؤسس على قواعد اقتصادية واجتماعية سليمة . وبالاختصار إذا بثورة حية فكرية إنتاجية بسيطة تقوم في جميع نواحي الحياة.
وكان من نتائج هذه الثورة ان ظهر تقدم عظيم في حال السكان جميعا في كل ناحية من نواحي الحياة . وأنت تنظر فلا تدري اين يبدأ التعليم ، واين يبدأ العلاج ، واين يبدأ الاقتصاد ، واين تبدأ الأعمال الهندسية والصحية الخ . فالكل مندمج في وحدة متناسقة يشع فيها النور وتنتشر فيها الروح المطلوبة ، وما هي إلا فترة محدودة حتى ينتقل الإقليم من حال مدنية متأخرة إلي حال من المدنية متقدمة ، وإذا بالإقليم يتكون فيه الرجال القادرون على الاضطلاع بكل الأعمال التي يقوم بها أعضاء " الحملة " أو " التجريدة " بحيث يصبح هؤلاء الرجال قادرين على أن يقوموا بالحركة بأنفسهم بعد أن يتسلموها من اعضاء الحملة عند ما يحين الوقت الذي يشدون فيه رحالهم إلى إقليم آخر يقومون فيه بتحقيق المعجزة التي حققوها في هذا الإقليم ، وهكذا .

