أصبح شعار المصريين فى الإصلاح الاجتماعى محاربة الفقر والجهل والمرض ، وقد تعددت الاقتراحات والآراء فى كيفية تنفيذ ذلك ، وتشيع كل فريق لرأى خاص ، وساهمت الصحافة المصرية بسبب كبير فى تدوين آراء الكتاب فى معالجة الحال . ولكننا فى الحقيقة من الوجهة العملية نسير ببطء شديد ، وحال الفلاحين فى القرى المصرية لم يطرأ عليها تغيير ملحوظ بدأ القرن الحالى ، إذا قدرناه بالمعايير الدقيقة وهى نسبة الوفيات ، ومعدل طول حيـــاة الفرد ، ووفيات الأطفال ، ونسبة الإصابة بالأمراض ، وحالة نمو الفرد الجسماني والعقلى ، وتفشى الأمراض الناتجة عن قلة التغذية أو نقص بعض المواد الحيوية فيها ، ونسبة الإصابة بالأمراض الطفيلية وانتشار الأوبئة
وربما كان للعامل الاقتصاد أكبر الأثر على صحة الطبقات الفقيرة من المصريين من أى مجهود وجه إلى رفع مستواهم الصحي ، فرواج ثممن المحاصيل الزراعية وزيادة الطلب على الأدى العاملة فى الصناعة أو فى الأعمال العسكرية كما حدث أثناء الحرب ، رفع مستوى المعيشة والصحة بين الطبقات الفقيرة إلى حد ما ، ويخشى بتغيير هذه العوامل أن يعود الحال إلي ما كان عليه
وليس هناك أدنى شك فى ان النابـهين من المصريين يبذلون اقصى جهودهم ويـمربون عن خـــير ما عندهم من الآراء السادرة عن إخلاص وإيمان لإصلاح الحال ، ولكن التقدم بطئ ، ويرجع ذلك لا إلى صعوبة الإصلاح وتكاليفه الباهظة فقط بل أيضاً إلى :
١- عدم الاستمرار فى تنفيذ اى مشروع بالذات إلى نـهايته نظراً إلى التغيير الذى يجربه بعض الوزراء فى
الخطة التى اتبعتها وزارة سابقة ، وقد يكون هذا لا علاقة له مطلقا بالاتجاهات السياسية
٢- عدم تحقق الكفاية فى بعض القائمين على تنفيذ الإصلاحات أو عدم إيمانـهم بفائدتها . ٣ - الاتجاه إلى تقليد آخر ما وصلت إليه الأمم الغربية فى الاصلاح بدون مراعاة تنفيذ الخطوات الأساسية التي بنيت عليها مشروعاتهم وبدون مراعاة خصائص البيئة المصرية .
وعلي أن كل ذلك لا يدعو إلي اليأس من الإصلاح مجرد الشعور السائد في البلاد بأن الحالة الحاضرة يجب إصلاحها هو ضمان ) بأننا متجهون الاتجاه الصحيح ، ولو أننا قد لا تسلك أسهل الطرق إلى الوصول ولا أقلها نفقة ولا أسرعها
فموضوع " إصلاح القربة المصرية " موضوع شغل المصلحين ولا زال يشغلهم ، ولم نصل بعد إل طريقة تنال موافقة الأغلبية لمدة طويلة كافية لتنفيذ خطة ما .
فإذا درسنا هذا الموضوع بدون تدخل العواطف أو الاعتبارات الشخصية لوجدنا غالبية المصلحبين يريدون بهذا الاصلاح أولا وقبل كل شئ إصلاح مسالى القرية المصرية وتخطيطها على النظم الحديثة حتى لا تكون كما هى اليوم أذى فى عيون الناظرين .
ولما كان عدد القري المصرية ٤٠٠٠ قرية يتبعها ٢٠,٠٠٠عزبة ويسكبها حوالى ١٢,٠٠٠,٠٠٠ نسمة فان ما يتكلفه بناء المساكن اللازمة مبلغ هائل مهما تواضع المصلحون في نقدير تكاليف انشاء المسكن الواحد حتى دعا ذلك إلى اقتراح الا كتفاء بتخطيط ارض بجوار كل قرية وعدم السماح لأى فرد بإنشاء منازل جديدة فى القرى الحالية واشتراط بناء المنازل على الموقع الجديد على أحد النماذج المقررة . وقد اقترح حل وسط بأن تبى الحكومة عدداً من المنازل على الموقع الجديد وتترك الباقي لنشاط
الأفراد . وإذا علمنا أن متوسط عدد أفراد العائلة الواحدة فى مصر هو ٥ فيلزم لسكان الريف حوالى ٢,٤٠٠٠,٠٠٠ مسكن . وإذا قدرنا النفقات لبناء كل مسكن ١٠٠ جنيه وهو أقل تقدير فى الوقت الحالي لكان الطلوب ٢٤٠,٠٠٠,٠٠٠مليون جنيه عدا ثمن الأرض والمنافع العامة وما إليها ، وهو رقم يقف امامه المصلحون حيارى لضخامته بالنسبة إلى موارد البلاد ومقدرتـها المالية .
ولو درسنا الأمر موضوعيا لوجدنا أن إنشاء هذه المساكن حتي لو تم لما كان له من الأثر الصحي إلا القليل ، وقد لا يزيد على ٥ % من الاصلاح الصحى الذى ينفص الفلاح فى الوقت الحاضر .
والحقيقة أن الفلاح المصرى أحسن طبقات الأمة اصالة فى الرأى فيما يحتاج إليه من الاصلاح ، وهو أكثر المصريين تقديراً للحلول العملية وبعداً عن النظريات ، ولو جبت القرى لما سمعت من أحدهم شكوى من مساكهم أو اهتاماً بمشروع إعادة بناء القرى المصرية ، ولكنهم يطلبون بحق ماء صالحاً للشرب وغذاءٌ وكساءٌ واجراً محزيا على عملهم .
إن المساكن لها أثر ضئيل فى إصلاح الحال الصحية . فالجيوش تقيم فى خيام والمصطافون يقيمون فى عشش ، وهم فى أحسن حال من الصحة . والحقيقة أن الماء النقى والغذاء الجيد ، ونقل الفضلات والقمامة هى الاصلاحات الصحية الحقيقية ، وأما ما عدا ذلك من جدران وطلاء فأمر ثانوي . ولا شك أننا لو بدأنا بإصلاح حال الفلاح باعطائه مورداً الماء النقى ، ويسرنا أمر الغذاء الكافي ونقل الفضلات والقمامة لما كلفتا ذلك عشر ما يتطلبه بناء المساكن .
والحقيقة أن المصلحين المصريين الذين يطالبون بإصلاح القرية المصرية بينائها إنمـــــــــا يعربون عما يشعرون به من المهــــــانة والخجل امام الأجنبى عند ما يرى القرى المصرية على حالها الراهنة ، وبعضهم ممن زار اوربا يصدمه
عند عودته لصر منظر القرى المصرية من نافذة القطار أو السيارة عند مقارنته مما رآه فى أوربا ، حيث تعتبر القرى مكانا للاستجمام والراحة والمتعة ، بينما يغر المتعلمون من القرى المصرية إلى المدن فرارا ولا يطيقون الإقامة بـها إلا مرغمين . ولكن ذلك لا يبرر أن نضع مسألة المساكن قبل تيسير موارد صالحة لماء الشرب او نقل الفضلات أو ضمان تغذية الفلاح .
بل لو فرضنا جدلا أننا قد أقمنا مساكن للفلاحين لما وجد الفلاح ما يؤئها به ، واعني بذلك الفلاح الأجير أومن فى حكمه من صغار الملاك ، فهذا الفلاح إن افترش شيئاً خيراً من القش فهو الحصير الذى يطويه نهاراً لئلا يبلي ، وغطاؤه ما يتدثر به شتاء كحرام أو زعبوط ، وهو يعتمد فى الشتاء على تلاصق أفراد العائلة ليلا لينشر الدفء فى أجسادهم ، كما تفعل الدجاجة مع فراخها ، وآنية الماء هى البلاص ومرحاضه فناء الدار او المسجد ، ومرحاض الأطفال الحارات والأزقة ، وآنية الطبخ واحدة ، والمطبخ جداران من الطين أو من القوالب ، وكل ما يملكون من ملابس إن وجدت - وقل أن يوجد سوى ما عليهم من الثياب - فيستوعبه صندوق واحد إن كانت العائلة ميسرة ، وقد يدخرون القليل من الحبوب او الدقيق فى كيس من الخيش ، وقل أن يوجد عندهم مواشٍ.
فهذا المسكن سيكون مسكناً شبه خال ٍكما هي الحقيقة لو زرنا عدداً من القرى وتركنا منزل العمدة والمشايخ وكبار الملاك جانباً .
وماذا يحدث لو انكسر زجاج نافذة المنزل ؟ قد يسرع الفلاح بسدها بالطين لأنه أرخص طريقة لوقايته من تيار الهواء شتاءً ، وهذا ما يحدث الآن في منازل العزب التى بينها كبار الملاك ويسكنها الفلاحون ، لأن الفلاح لا يمكنه فى حالته الاقتصادية الراهنة شراء الزجاج وتركيبه ، على أن شبابيك الزجاج غير مرغوب فيها إذا كانت منفذاً يرى
منه الجيران أو المارة داخل منزله " فهجرحونه " كما يقول .
بل لو بنينا جميع مساكن القرى المصرية وأهديناها إلى الفلاحين بدون مقابل وتفقدناها بعد جيل واحد لتبدلت معالمها ما لم تحمها بنظم وقوانين ، وهو الأمر الذى لم يفكر فيه كثير من المصلحين . فالفلاح مندنا يموت ويتقاسم الورثة داره ، وأبناؤه بعد زواجهم لا يطيقون المعيشة مع بعضهم في أغلب الأحيان لتنافر الزوجات والأمهات ، فيممدون إلى تقسم الدار بفواصل داخلية ، وقد يريد احدهم التوسع فيها بعد فيعمد إلى شراء غرفة في منزل مجاور ليصلها بالقسم الخاص به ، وهكذا حتى تعود الحال كما هى عليه الآن .
وإصلاح مساكن القرية العربية يجب أن يسبقه تشريع يحرم قسمة أي دار إلى جملة مساكن وبرامى فيه تقرير خطة للتنظم ، ولا يمكن أن يشرف على ذلك سوى إدارة محلية قروية وإلا كان كل إصلاح غير مجد ولا مستمر .
يجب الاسترشاد بآراء الفلاحين الفقراء فى طرق الإصلاح
لقد دلت التجارب فى جميع بقاع العالم أن الإصلاح الذى لم يكن موضع مطالبة لا يقدر التقدير الكافى ولايدوم ، وذلك ان الاصلاح يجب ان يكون لسد نقص أو إجابة مطلب هناك شعور عام بضرورته . والفرد الذى يراد إصلاح حاله أقدر شخص على تقرير الأولية لمطالبه . وقد ذات التجارب العلمية حتى في المسائل الفنية البحتة أن الفلاحين والأشخاص المحليين مهما قل تعليمهم يعلمون بشكل عام السبب الحقيقى فى المشكلة أو الحل العملى لها ، أو على الأقل أن اعتقادهم فيه بعض الحقيقة قد بينون حولها خرافات وقد يسممون النتائج ، وهو ما يجب على الباحث دراسته حتى يفصل النث من السمين . ولكن يجب دائماً أن توضع آراء الأشخاص المحليين حتى غير التقنين موضع الاعتبار والدراسة الفنية ، وكثيراً ما أني ذلك بخير النتائج.
لو درسنا اليوم مقدار ما يصل إلى الفلاح فى القرية من العناية الصحية لوجدناه ينحصر فى الأشياء القليلة الآتية :
١ - هناك خلاق صحة أو عامل تليفون أو معاون صحة يقوم بتسجيل المواليد وكذلك الوفيات وإجراء التطعيم ضد الجدري . ٢ - إذا زادت الوفيات عن حد معين أو علم بطريقة ما أن هناك مرضاً وبائها قام بطبيب صحة المنطقة بإتخاذ الإجراءات اللازمة لمقاومة الوباء . ٣- قد يكون على مقرية من القرية مستشفى يهرع إليه الفلاح عند مرضه ، وقد يسعده الخط بأن يكون في دائرته مركز لرعاية الطفل .
ولكن للعناية الكاملة بصحة الأفراد يجب أن تتوفر أشياء أخرى وهى أمور منفذة فعلا فى أكثر البلاد الراقية ، ونحن مطالبون بتنفيذها كأمانة فى عنقنا نحو الشعب المصرى وهى مرتبة حسب أهميتها : ١ - مورد ماء نقي للشرب والاستعمال المنزلى ٢ - مرافق صحية لشكل عائلة (خصوصا المرحاض الصحى ) ونظام لإزالة القمامة . - مقاومة الأمراض المتوطنة . ٤ - ضمان الكفاف من الغذاء لسكان عائلة بنظام التأمين والإعانة . ٥ - ضمان العلاج والتمريض لأفراد العائلات وذوي الإيراد المحدود . ٦ - عدد من الغرف صالحة للسكني كاف للعائلة بمعدل غرفة لكل فردين ، ومكان صالح لتخزين المأكولات ومواد الوقود ، وتشريع يمنع تقسيم السكن .
وهذه الإصلاحات لا تستقيم بدون إدارة محلية تشرف عليها كمجلس قروي أو مجلس تجموعات من القرى تـــــكفي مواردها للانفاق على القيام بهذه الاعمال ، ويكون لها حق تقرير ضرائب محلية . وإصلاح الريف بدأ فى بريطانيا فى
سنة ١٨٣١ بإنشاء هذه الهيئات المحلية وسميت ( اللجان الصحية المحلية ) ومنحت سلطة تعيين ملاحظين منوط بـهم تلافى العيوب الصحية ، خصوصاً منع تراكم القاذورات ، وفي ذلك العهد ثم يكن في بريطانيا أي إدارة صحية مركزية .
يعتبر هذا أول إصلاح صحي واجتماعى وإدارى فى مصر وبدونه لا تستقيم الأمور ، وهذا هو نظام اللامركزية . " فجلس المجموعات القروية " يناط به الإشراف على صحة القرى التابعة لها بواسطة طبيب ويكون عدد سكان المـجموعة حوالى ٣٠٠٠٠ حتى يكفى ما يحصل منهم من الضرائب للقيام بـهذه الأعباء ، وقد كساعد الحكومة بقسط فى المصاريف .
ويجب أن يكون هذا الطبيب إخصائياً فى المسائل الصحية ولا ينصرف إلى العلاج ، وهذه المجالس القروية هى التى يمكن أن تقوم على جميع الاصلاحات بما فى ذلك " محاربة الجهل والفقر والمرض " وتكون هى الأداة
المحلية للاصلاح الاجتماعى والصحى والزراعى والتعلييمى، وهى أقدر فى هذا الشأن من أي إدارة مركزية بعيدة مرهقة بالأعمال الإدارية التافه منها والخطير ، وتنتفرغ الإدارة المركزية لدراسة المشروعات العامة الكبيرة والإشراف الفنى على الهيئات المحلية . ولوقارنا حال الإدارة الصحية فى بريطانيا حيث نظام اللامركزية بالنظام الحالى فى مصر حيث المركزية ، لوجدنا ان الإدارة المصرية بـها ١٢٠٠ طبيب وما يتبعهم من الموظفين الفنيين والإداريين والكتابيين والعمال ، تستغرق العناية بشئونـهم الإدارية وتنقلاتـهم وترقيتهم وتعيينهم ومراقبتهم اكثر وقت الرؤساء ، بينما يعمل فى الإدارة الصحية المركزية البريطانية ٨٣طبيباً فقط متفرغين للغرض الأسمى وهو العمل الفنى ، ويشرفون على الأعمال الصحية لأ كثر من ضعف عدد سكان البلاد المصرية
( له بقية )
